محاولة لاستعادة الليل في العاصمة السودانية

الخميس 25 مارس 202103:39 م

بدلاً من كيل السباب واللعنات على تحول وسط العاصمة السودانية لمنطقة يستوطنها الظلام، تحاول مبادرة "الخرطوم بالليل" إشعال شمعة يمكن أن تقود أضواؤها لاستعادة ليل الخرطوم من العسس واللصوص والخوف لمصلحة الثقافة والفنون.  

تأتي المبادرة في وقتٍ استثنائي، تعاني فيه العاصمة، وبقية المدن السودانية، قطع التيار الكهربائي ساعات طوالاً، نتيجة نقص معدلات الوقود وانخفاض منسوب المياه مع بدء إثيوبيا عمليات حجز المياه لملء سد النهضة.
اللافت أن المبادرة تنهض مع تنامي ظاهرة جرائم النهب والسطو المسلح، التي باتت تؤرق سكان الخرطوم، ممن باتوا يفضلون قضاء الليالي داخل منازلهم، تجنباً للصوص والنهابين.

ماضٍ زاهٍ

باتت الخرطوم غريبة على أهلها بشكلٍ كبير، فحتى قبيل انطلاق الثورة الشعبية التي أطاحت البشير، كان قلب الخرطوم بؤرة من النشاط، وتتناثر في مناطق الوسط النشاطات الفنية والثقافية، ومع قلة هذه الفعاليات، مثلت شكلاً مقاوماً لسياسات النظام المعزول ذي التوجهات الإسلامية، التي تعدّ الفنون معادية للدين والخلق القويم.
يقول سائق التاكسي، بشرى بلدو (63 عاماً)، لرصيف22 إن الخرطوم حتى العام 1983 كانت قبلة مفضلة للبعثات الدبلوماسية، والسياح الأجانب، لكونها اشتهرت بـ(النايت كلوب).
يضيف بشرى بكثير من الحسرة، أن قلب الخرطوم الحالي كان يشع قبل عقود بالبهجة، إذ تنتشر الحدائق الغناء، والحفلات الراقصة، والبارات، والليالي والصوالين الثقافية، التي تستمر حتى ساعات الفجر الأولى. مشيراً إلى أن الخرطوم كانت عاصمة للإشعاع الثقافي والفني، وقبلة للشعراء والفنانين العرب والأفارقة، وداراً للسينما والمسرح.
بدلاً من كيل السباب واللعنات على تحول وسط العاصمة السودانية لمنطقة يستوطنها الظلام، تحاول مبادرة "الخرطوم بالليل" إشعال شمعة يمكن أن تقود أضواؤها لاستعادة ليل الخرطوم من العسس واللصوص والخوف لمصلحة الثقافة والفنون
وكان من العادي جداً أن تحل في الخرطوم كوكب الشرق (أم كلثوم)، والمغنية الثورية مريم ماكيبا، ويطل في مسارح أم درمان وحش الشاشة العربية فريد شوقي، ويرتل في أرجاء العاصمة الشعر على أفواه أسياده العظماء مثل محمود درويش ونزار قباني، وتعزف في القاعات الفرق الموسيقية العالمية، وصولاً إلى الفرق الرياضية من ليفربول الانجليزي حتى سانتوس (الأسطورة بيليه).

وبدأت النكسة الحقيقية بإعلان الجنرال جعفر النميري (1969 – 1985) قوانين الشريعة الإسلامية في العام 1983، إذ جرى إغلاق وسط الخرطوم، وقفل البارات والمقاهي، وشاعت إقامة الحدود على المخالفين (الجلد والرجم وغيرهما من عقوبات)، وكون ذلك تمَّ بالتزامن مع بدء عصر تأميم للشركات الأجنبية، أدى إلى مغادرة الجاليات الأجنبية، وإجبار السكان على الأيواء مبكراً إلى أسرتهم، خيفة من بطش النميري وعسسه.

الحقب السود

يقول أستاذ علم الاجتماع، مبارك سيف الدين، لرصيف22 إن انقلاب المخلوع عمر البشير مثّل علامة فارقة في الحياة الاجتماعية بالسودان.
يفسر سيف الدين ذلك بأن البشير تعمد تجريف الثقافة السودانية، وبان ذلك في معاداته للمثقفين، والزج بهم في المعتقلات، أو حملهم على الهجرات، باعتبار أنهم طلائع الوعي التي تقود معارضة سياساته لفرض نموذج (داعشي).
أضف إلى ذلك –والكلام لا يزال لسيف الدين- أن البشير أصدر قراراً غريباً بوقف كافة الأنشطة الثقافية والفنية بحلول الحادية عشرة مساء، وهو أمر قضى على أي مظاهر حياة ليلية في العاصمة والولايات، اللهم إلا انتشار نقاط الارتكاز العسكرية، والسيارات التي تجول بالمرضى والذاهبين إلى تقديم العزاء في الموتى.
السؤال الأهم هو ما سر توقف الأنشطة والفعاليات الثقافية التي كانت تشعل وسط الخرطوم، بالرغم من الإطاحة بالبشير.
يرى سيف أن موجة الجفاف الواسعة التي ضربت البلاد مطلع الثمانينيات، والحروب الأهلية العبثية التي شنها البشير على أهالي الأطراف، لا سيما دارفور، دفعت بالآلاف إلى النزوح إلى أطراف الخرطوم، والإقامة في كنتونات عشوائية تغيب عنها الخدمات، وهذا ما فاقم من ظاهرة ترييف العاصمة، وتنامي معدلات الجريمة، وهذه عناصر لا تسمح بازدهار الحياة ليلاً أو نهاراً.

عن المبادرة

يقول المتحدث باسم مبادرة الخرطوم بالليل، فائز الشيخ السليك، لرصيف22 إنهم يعملون على جعل العاصمة السودانية مركز جذب ثقافي، واجتماعي، وسياحي وتجاري عبر تغيير ملامحها البائسة إلى ملامح جاذبة وعصرية، استناداً إلى كم تراثي وتاريخي، والمزاوجة بين المواكبة والاصالة.
يضيف السليك أن جوهر الفكرة يتركز على تأهيل الشوارع، وتشييد الأرصفة، والاهتمام بالنظافة، وتنظيم مواقف السيارات، وتخطيط الطرقات وعلامات المرور، ورفع معدلات الإضاءة، ورسم الجداريات والمنحوتات والنصب التذكارية للشهداء والرموز الوطنية، وزيادة رقعة الميادين الخضراء كمتنفس، وتشييد مكتبة عامة وسط الخرطوم.
وتعاني الخرطوم من أزمة بيئية كذلك من جراء تراكم القمامة في الشوارع بمعدلات كارثية، في ظل غياب شبه تام للسلطات المحلية المنوط بها عمليات التخلص من النفايات.
سؤالنا التالي للسليك كان حول كيفية إعادة الحياة إلى الخرطوم ليلاً في ظل الظروف المعلومة، وتطرقنا إليها آنفاً.
يرد السليك أنهم يهدفون بالمبادرة إلى إحياء الأنشطة الثقافية والفنية والتجارية، وتنشيط فتح المحال ليلاً، وكذلك الصرافات والمقاهي والكافيهات والمطاعم.
ويقر بوجود تحديات وعقبات متوقعة أمام المبادرة، مثل مشاكل الصرف الصحي، وتمويل بعض المشروعات، ومشكلة الوعي.
بيد أن السليك بدا رغم ذلك متفائلاً، وقال إن الأمر يحتاج إلى توعية وقوانين ضابطة للحد من مشاهد الفوضى والسلوك غير الحضاري.

دعم

تقول الطالبة بكلية الفنون الجميلة، سحر مأمون، لرصيف22 إنها تتطلع للانضمام للمبادرة، لتشرع مع زملائها في تحويل جدران الخرطوم إلى لوحات فنية، لنشر قيم الجمال والثورة.
وأعربت عن أملها في أن تسهم المبادرة في عودة حركة الفتيات بالشوارع في الأمسيات، عقب سنوات من عدم الأمان جراء قانون النظام العام سابقاً، ومخافة التفلت الأمني حالياً.
من جانبه، أعلن المطرب الشاب، محمد خالد، الشهير بـ(حمدتو) دعمه التام للمبادرة.
وقال لرصيف22 إن الفن يعاني حالياً من تبعات فيروس كورونا، ومن توسع قاعدة معاداة الفنون، الأمر الذي يتطلب الكثير من الحراك والجهد الفني والثقافي. مضيفاً أن نشر الوعي والجمال هما السبيل الوحيد لمحو ثقافة القبح التي حاول النظام البائد نشرها بالبلاد.
ويعتقد حمدتو بأن المبادرة، بجانب الوعي، ستسهم في انعاش اقتصاديات الفن، وتوفر فرص عمل كثيرة للعاطلين عن العمل.
ملّ السودانيون الكبت والحرمان والاشتباكات الدائمة، وها هم اليوم برغم كل الأزمات الصحية والمالية يطلقون مبادرات جديدة في حب الحياة، منشدين: "يا جمال النيل والخرطوم بالليل"

تنسيق

يكشف فائز السليك عن وجود تنسيق بين المبادرة وسلطات حكومة الخرطوم.
يقول السليك الذي سبق له العمل بمكتب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك: "تحدثنا مع والي الخرطوم، أيمن نمر، الذي وعد بالإسراع في تأهيل الطرق وإنارتها، والاهتمام بمشروع الصرف الصحي".
وزاد: "سنتواصل مع الأجهزة الأمنية لتوفير الأمن وحماية النصب التذكارية، وتحديد مكبات للقمامة، ونطمح لنصب كاميرات في عدد من الأماكن بغرض التأمين، علماً أن كثافة الحركة ستساهم في تقليل نسبة الجريمة والتفلتات الأمنية".
بدوره، يؤكد أمجد سعيد وهو عضو لجنة المقاومة والخدمات، بحي الزهور، القريب من وسط الخرطوم، دعم اللجنة المطلق للمبادرة.
ولكنه ينوه بأهمية انفاذ مشروع نقل المقار الحكومية من وسط الخرطوم، لا سيما شارع النيل الرئيسي، وجعلها متنفسات للأهالي، وبؤراً للإشعاع الثقافي.
ونجد منشآت رئيسة كالقصر الرئاسي، والقيادة العامة للقوات المسلحة، ووزارات كالخارجية والصحة والكهرباء والمعادن ... الخ، تحتل مناطق إستراتيجية في قلب العاصمة، وكثير منها يطل على النيل.

ضربة البداية

عقد منظمو المبادرة عدة اجتماعات، يصفها السليك بالناجحة، ويقول إنه رأى الحماس بادياً وسط المشاركين. ويلفت إلى تعويلهم الكبير في إنجاح المبادرة على روح التعاون لدى السودانيين، وتراث النفير والتضامن.
وتشمل المبادرة حالياً فنانين ومهندسين، ورجال أعمال، وكتاب، وسينمائيين، وممثلين للحكومة الولائية.
ويعد مدير مركز بيت الفنون الثقافي طارق الأمين، والمفكر البروفيسور حيدر إبراهيم، ومدير مكتب قناة سكاي نيوز خالد عويس، من أبرز العناصر التي تقوم عليها المبادرة.
ملّ السودانيون الكبت والحرمان والاشتباكات الدائمة، وها هم اليوم برغم كل الأزمات الصحية والمالية يطلقون مبادرات جديدة في حب الحياة، منشدين: "يا جمال النيل والخرطوم بالليل".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard