"لم نعد نحظى بالاحترام"... المدرسون يضربون في موريتانيا

الأربعاء 24 مارس 202101:53 ص

دخل الأساتذة والمعلمون الموريتانيون إضرابا عن العمل لمدة خمسة أيام انطلاقا من الإثنين 22 آذار/مارس، بدعوة من مجموعة من النقابات للمطالبة بتحسين الظروف المهنية للعاملين في قطاع التعليم.

وقال الأستاذ أحمد محمود بيداه لرصيف22 إن من أبرز الأسباب التي دفعت إلى الإضراب الذي يقوم به الأساتذة على مستوى التعليم الثانوي والفني، بدعوة من "مُنَسقيّة الدفاع عن المُدرّس" (مدد) هو "تجاهل الوزارة لعريضة المطالب المودعة لديها منذ بداية العام الدراسي الحالي، وعدم استجابتها لفتح مفاوضات جادة ومثمرة مع (مدد) تفضي إلى تحقيق مطالبها".

ويضيف بيداه: "نرى أن مطالبنا غير تعجيزية، إضافة إلى تفاقم الوضعية المزرية للمدرسين التي تزداد يوما بعد آخر نتيجة تدني رواتبهم، وعلاواتهم الزهيدة في ظل ارتفاع فاحش للأسعار".

ظروف الأساتذة صعبة

يرفع الأساتذة والمعلمون في إضرابهم مجموعة من المطالب ولديهم عريضة تركز على الوضع المادي لرجال التعليم. وقال بيداه: "إن مطالبنا تتضمن عدة بنود نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: زيادة الرواتب، واستحداث علاوات للمدرسين الميدانيين وتوفير سكن لائق لهم".

ويقول الأساتذة إن قطاع التعليم ظل طيلة العقود الأربعة الماضية عاجزا عن الرفع من أداء المنظومة التربوية، فلم يتمكن من الاستغلال العقلاني للموارد البشرية مما انعكس سلبا على مستويات التلاميذ ونسب النجاح في "الامتحانات الإشهادية".

 تتفاقم وضعية المدرسين الموريتانيين يوما بعد آخر نتيجة تدني رواتبهم، وعلاواتهم الزهيدة في ظل ارتفاع فاحش للأسعار. المعلمون في موريتانيا يضربون لخمسة أيام

بدوره تحدث لرصيف22 النقابي سييدي ولد سيد أحمد وهو أستاذ تعليم ثانوي وعضو مكتب (مدد) المنظمة لإضرابات قطاع التعليم الثانوي والفني، قائلا إن مَرَدَّ الإضراب هو: "واقع التردي الذي يشهده قطاع التعليم في جميع جوانبه، سواء البنيات التحتية المتهالكة والإمكانيات المعدومة والمناهج المرتبكة التي تخضع للتعديل باستمرار، أما واقع أجور وعلاوات المدرسين فمخجلة سواء إذا قورنت بواقع المدرسين في العالم أو حتى ببعض موظفي القطاعات الوطنية الأخرى ممن يعملون بنفس الكفاءات العلمية".

ويرى الأستاذ أن "أسباب الإضراب إذن كثيرة وجلية من جهة دوافعها، ومدعومة كذلك بصمم مزمن من قبل من يتولون تسيير القطاع ومن قبل جميع القائمين على الشأن العام رغم الشعارات البراقة".

ويعتبر النقابي أن المطالب الموازية للجانب الاجتماعي للأساتذة تركز على "إيجاد بيئة تربوية ملائمة إضافة إلى تدقيق معايير العمل داخل القطاع وحل مشكلة سرقة جهد بعض العاملين فيه كأساتذة السلك الأول والمعلمين المكلفين بالتدريس في قطاع التعليم الثانوي".

وأشار محمدن ولد أحمد سالم الأمين العام للنقابة الوطنية لأساتذة التعليم الفني، في حديثه لرصيف22 إلى أن: "الإضراب يدخل في نطاق سلسلة من النشاطات الاحتجاجية كانت مقررة منذ السنة الماضية وتوقفت بسبب جائحة كورونا. مع افتتاح السنة الدراسية الجديدة راسلنا الوزارة، وطرحنا عليها مطالبنا ولم يحدث أي تجاوب. كما التقينا مع الوزير في اجتماع ولم يطرأ تقدم كما لم يتم تحقيق مطالبنا".

وأضاف قائلا: "بالنسبة للمطالب، فكما هو معلوم، قطاع التعليم يعيش في ظل الكثير من التهميش، فالأساتذة والمعلمون ليست لديهم أي رواتب مجزية. مثلا بالنسبة إلى قطاع التعليم الفني فإن مجموعة من أساتذته حاصلون على الماجستير. وعلى الرغم من هذا فرواتبهم بسيطة ولا تمنح لأشخاص لم يحصلوا على البكالوريا يعملون في قطاعات أخرى. وهذا التهميش من أهم أسباب هذا الإضراب، لذلك مطالب النقابيين يغلب عليها الجانب المادي. يعني تحسين الرواتب والعلاوات وجعلها مستمرة على السنة الدراسية وأن تكون شهرية بدل أن تكون فصلية".

عوائق وغياب الرؤية

حسب الأساتذة والمعلمين، هناك عوائق كثيرة أمام العاملين في القطاع لابد من تخطيها لتحدث انسيابية في العملية التعلمية. وقال الأستاذ  سييدي عن ذلك: "مواطن الخلل في القطاع كثيرة وتتعلق أساسا بتعمد عدم العناية بحل مشاكله وعدم وجود معايير يحتكم إليها مما جعل تسيير هذا القطاع الحيوي يخضع لمزاج القائمين عليه مما حال دون استقرار سياساته. بعبارة مختصرة فإن حكومات هذه البلاد المتعاقبة لم تمتلك رؤية واضحة لإصلاح القطاع مما فاقم مشاكله".

وأكد على أن: "العراقيل التي تضعف أداء مهمة المدرّس الميداني وتجعلها بلا مردود كثيرة، منها ضعف التكوين الأولي للمدرس وغياب التكوين المستمر ونقص المتابعة إضافة إلى المشاكل المادية والتربوية."

كما يؤكد الأساتذة على أن هناك خللا جوهريا يتمثل في توزيع المدارس في البلاد. ويقول النقابي إن هناك خللا في الخريطة المدرسية في موريتانيا.

بدوره أشار الأستاذ أحمد محمود بيداه إلى أن: "هناك عوائق كثيرة تؤثر على أداء المدرسين في موريتانيا، ويأتي في مقدمتها انعدام البيئة التربوية الملائمة من قبيل الحجرات المجهزة والحد من الاكتظاظ في الفصول وتوفير وسائل الإيضاح وتأمين مباني المدارس".

يعتقد قادة النقابات الموريتانية المشاركة في إضراب التعليم أن حراكهم يتعرض للشيطنة رغم شرعيته واتخاذه المساطر القانونية. لكنه لم يمنع من نجاح الإضراب

ومن وجهة نظر محمدن فإن "أكبر خلل في قطاع التعليم في موريتانا هو قضية الموارد البشرية، فهي غير مضبوطة وقطاع التعليم أصبح قطاعا طاردا نظرا للظروف المادية للأساتذة بصفة عامة وكذلك الظروف المعنوية التي صارت في الحضيض. فلم يعد الأستاذ محترما كما كان من قبل، فهذه هي أكبر مشكلة يعاني منها التعليم. فما لم تقتنع السلطات الموريتانية أن هذا الإنسان الذي يسمى المدرس بصفة عامة سواء كان أستاذا أو معلما، ولم تضعه في ظروف المواتية لن يحدث أي إصلاح للتعليم، فالإصلاح يبدأ أولا بهذا".

شيطنة الأساتذة

يعتقد قادة النقابات المشاركة في الإضراب أن حراكهم يتعرض للشيطنة رغم شرعيته واتخاذه المساطر القانونية. لكنهم يؤكدون على أن تلك الشيطنة لم تمنع من نجاح الإضراب وقال الأستاذ بيداه: "عوَّدَتنا الوزارة الوصية أنه كلما أعلنت النقابات عن احتجاجات، تواجهها بحملات مغرضة لإفشالها بدل التعاطي معها بطريقة قانونية. ثم ترفقها بممارسة شتى أنواع الضغوط والتهديدات لثني المدرسين عن المشاركة في الاحتجاجات. لقد لاحظنا كل تلك الحيل والأساليب هذه المرة مع اقتراب الإضراب الحالي ولكن ذلك لم يزد المدرسين إلا عزيمة وتصميما على ممارسة حقهم المشروع في الإضراب رفضا لواقعهم المرير، وهو ما ترجموه بالفعل من خلال مشاركتهم الكبيرة في اليوم الأول من إضراب الصمود".

العراقيل التي تضعف أداء مهمة المدرّس الميداني وتجعلها بلا مردود كثيرة، منها ضعف التكوين الأولي للمدرس وغياب التكوين المستمر

وأكد المتحدث أن نسبة الإضراب بلغت في العديد من المؤسسات التعليمية 100 في المئة، وكانت مرتفعة في باقي المؤسسات الثانوية والفنية في كافة المدن الموريتانية.

وأكد الأستاذ  سييدي على أن: "الوزارة تلجأ للشيطنة من خلال أبواقها الإعلامية وأعوانها من الإداريين الذين يصلون إلى مواقعهم عادة عن طريق المحسوبية، ولكن هذه الطريقة لم تعد تثني عزيمة المدرسين، بل كثيرا ما تنتهي إلى عكس ما يراد منها أصلا".

ويورد الأستاذ كمثال على ذلك إقدام الوزارة على دعوة من تسميهم بمدرّسي الاحتياط إلى العمل مكان المضربين في محاولة للالتفاف على أثر الإضراب. لكن الدعوة بالنسبة إليه "شكلت فضيحة كبرى للوزارة إذ كشفت أن بعض الأساتذة يسمح لهم بالتوقف عن العمل رغم الحاجة الميدانية الماسة إليهم. وما ذلك إلا لكون هؤلاء محميين من بعض النافذين، وهو ما يتناقض مع شعار الإصلاح المرفوع حاليا"، على حد تعبيره.

النقابي سالم ساند هذا الطرح قائلا "للأسف تعرض الإضراب لشيطنة شديدة، فبدل فتح مفاوضات وحوار مع النقابات الداعية للإضراب ونحن طلبنا من الوزارة ذلك، لم يحدث شيء. لكن الوزارة وللأسف تعنَّتَتْ وفضّلت نهج التخوين والشيطنة وترويج أسطوانة "التسييس" وغيرها من الأساليب القديمة".

ويذكر أن وزارة التهذيب (التعليم) نشرت بيانا تضمن خطة لمواجهة إضراب المدرسين، حيث أكدت على الحرص على الحضور المستمر لمديري المدارس والمراقبين والمدرسين الاحتياطيين طيلة أيام الوقفات الاحتجاجية وإحصاء الغيابات خلال أيام الإضراب.

وقامت كذلك بإصدار تعميم إلى المدراء الجهويين للتهذيب الوطني، دعتهم فيه إلى اتخاذ جميع الإجراءات المتاحة "التي لا تتجاوز الحدود الطبيعية المعمول بها في هذه الظروف لاستمرار سير الدروس في الأقسام في حالة حدوث توقف عن التدريس".

وكيفما كانت النتيجة فإن المتضرر الأكبر هو النظام التعليمي الموريتاني، الذي يشعر العاملون فيه بأنهم من أكثر الفئات تهميشا من طرف الحكومة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard