"المحظوظ هو الأول في الطابور"... العصي تكسر الطلاب في الشرق الأوسط

الخميس 10 ديسمبر 202002:12 م
Read in English:

Sticks and Stones: Breaking Students in the Middle East

بعد قراءتي كتاب "تعليم المقهورين" للمعلم والفيلسوف البرازيلي باولو فريري، تبادرت إلى ذهني تجربتي المدرسية بمنظورٍ جديد. 

 يتعمّد فريري طرح أسئلة من قبيل: "من أفضل من المظلومين لفهم مغزى المجتمع القمعي؟ من يعاني من آثار الاضطهاد أكثر من المظلومين؟".

دعوني أعيدكم بالزمن إلى سنواتي المدرسيّة التي ليست بالبعيدة.

كان يوماً بارداً من أيام تشرين الثاني/نوفمبر في حلب. حوالى الساعة 7:25 صباحاً، اجتمعنا حول المدفأة في انتظار رنين الجرس. قرع الجرس، خرجنا مسرعين إلى الباحة الباردة مودّعين موجات الحرارة. نصطف في الباحة. صف للبنات وصف للشباب. يخبرنا الموجه أن المدرّس لن يأتي اليوم. يطلب منّا أن نذهب إلى الصف ونلتزم الصمت. إنه لمن المستحيل أن تسأل الطلاب الذين تم إسكاتهم طوال فترة تعليمهم أن يلتزموا الصمت.

ندخل الصف مطمئنين، ليس لدينا دروس ويمكننا أخيراً إجراء محادثات جانبية. للإيضاح، نظراً لبرودة الطقس صباحاً لم نبدأ بتبادل الأحاديث بصوتٍ مرتفع. لا بل استغل البعض هذا كفرصة للنوم على المقعد. لم يمر على ذلك خمس دقائق فقط حتى دخلت علينا مُدرسة أخرى تطالبنا بالتزام الصمت. كانت مهمتها منعنا من النطق بأي كلمة. لم نتمكن من التزام الصمت، كانت هذه حصة فراغ، ومن حقنا الأساسي التحدث بعضنا مع بعض.

"في هذا الجزء من الثانية قبل أن تلمس العصا راحة يدك، تنتابك مجموعة هائلة من المشاعر. تحاول أن تتماسك لتفادي الإذلال ونزع الصفة الإنسانية عنك. تخذلك دموعك وتسيل بغزارة على خديك. كنت آخر 'حيوان' يتم تأديبه"

اعتبرت أننا نتصرف بطريقة غير محترمة وأمرتنا بالخروج إلى الباحة. البرد قارس، بالكاد نشعر بأجسادنا. تمكن المحظوظون من انتزاع ستراتهم. وخرج غير المحظوظين مثلي من دون معطف. بدأت بالصراخ علينا، ونعتتنا بالحيوانات وركضت على الفور إلى مكتب الموجه.

وظيفة الموجه هي تأديب الطلاب. عندما رآنا في الباحة تحوّل وجهه إلى اللون الأحمر، أمسك بالعصا وبدأ يسير نحونا. هنا ساد الصمت. وبدأنا في إعداد أنفسنا عقلياً وجسدياً وعاطفياً للعصا. نحن نقف في طابور في انتظار مصيرنا المؤسف. المحظوظ هو الأول في الطابور لأنه يستخدم للإحماء. عليك أن تتصرف بسرعة وإستراتيجية للحصول على المكان المناسب. أما إذا طلب منا الاصطفاف بحسب الحروف الأبجدية، فيبدأ بالأولاد أولاً ثم الفتيات. ولسوء حظي، يبدأ اسمي بحرف في نهاية الأبجدية.

نقف في الطابور خائفين، أيدينا على أفواهنا، ندفئُها بأنفاسنا (يكون الألم أقل حدة إذا كانت يداك دافئتين). كنا 27 طالباً وطالبةً، وكنت آخر شخص في الصف. كان عليّ أن أشاهد 26 شخصاً يتألمون قبلي.

- "آخخ" صديقي يصرخ

- "هل تألمت؟" يسأل الموجه

- "نعم" يرد صديقي

- "هذه واحدة أخرى" يضرب

تبدأ في تخيل الألم، كيف ينتقل عبر جسدك. كوني الأخيرة، يعني أنني أحصل على الضربة الأقوى. لم يتبقَ أمامي سوى شخص واحد، أنا قلقة بالفعل، يداي تتعرقان (وهو أمر جيد في هذه الحالة). يضع كفّه تحت يدي، وتجهز كفي لتكون مفتوحة حتى تغدو تسديدته أكثر دقة. يرفع يده الممسكة بالعصا ويضرب. مذعورة، أسحب يدي للخلف وأغمض عينيّ. أشعر بأن الضربة تضرب رجلي، فأركع. إنه غاضب! أخبرني أنني سأتلقى ثلاث ضربات عوضاً عن ضربتين. ماذا فعلت؟! يرفع يده عالياً هذه المرة، وتأتي الضربات أقوى من أي وقت مضى. قبل أن تصل العصا إلى يدي، أغمض عينيّ وأحاول أن أصرف نفسي عن تلك اللحظة.

"القضيب المعدني الصدئ البارد هو الشيء الوحيد الذي يريحنا. إنه مثل إضافة مرطب لبشرتك بعد حروق الشمس. صمتٌ تامٌ يعم الصف يقطعه نشيج بعض الطلاب. نجلس جميعاً بهدوء وصمت علنا نلملم جرح كبريائنا".

في هذا الجزء من الثانية قبل أن تلمس العصا راحة يدك، تنتابك مجموعة هائلة من المشاعر. تشعر بأن يديك تشتعلان، ثم ينتقل الألم إلى جهازك العصبي. تحاول أن تتماسك لتفادي الإذلال ونزع الصفة الإنسانية عنك. تخذلك دموعك وتسيل بغزارة على خديك. كنت آخر"حيوان" يتم تأديبه.

وقف الموجه متصبباً بالعرق كما لو أنه أنهى للتو تمارينه الرياضية القاسية، انهال علينا بجميع أنواع الشتائم (لأن هذا ما نستحقه). ثم أمرنا بالعودة إلى الصف.

في طريقك إلى الصف تشعر بألم حارق في يديك، الطقس البارد مفيد في هذه الحالة. في الصف، نندفع إلى مقاعدنا ونمسك بإحكام القضبان المعدنية التي تربط مكاتبنا بمقاعدنا. هذا القضيب المعدني الصدئ البارد هو الشيء الوحيد الذي يريحنا. إنه مثل إضافة مرطب لبشرتك بعد حروق الشمس. صمتٌ تامٌ يعم الصف يقطعه نشيج بعض الطلاب. نجلس جميعاً بهدوء وصمت، علنا نلملم جرح كبريائنا.

انتهت الحصة الأولى، وقرع الجرس وبدأت الحصة الثانية. يدخل المدرس ويبدأ الكتابة على السبورة. يطلب منا حل المعادلة. لا أحد يرفع يده، لأننا ما زلنا نتمسك بالقضبان في مقاعدنا. يختار بشكل عشوائي طالبةً، تقترب من السبورة ولا تستطيع حل المعادلة. بدأ بإهانتنا، قائلاً إننا نجلب العار إلى والدينا وأننا عديمو الفائدة. لا أحد يهتم بكلماته، ما زلنا نتألم. نحن الآن نتألم جسدياً ونفسياً. في أقل من ساعة واجهنا العنف الجسدي واللفظي.

بالعودة لفريري، تحديداً إلى قوله: "نزع الصفة الإنسانية لا يشمل فقط أولئك الذين سُرقت إنسانيتهم، ولكن أيضاً أولئك الذين سرقوها، هو تشويه لدعوة أن يصبحوا أكثر إنسانية". تتجاوز نطاق الذكريات الشخصية إلى تحليل متعمق للنظام المدرسي في العديد من البلدان في الشرق الأوسط. على الرغم من أن الكثير من الدول قد اعتمدت على مر السنين قوانين ضد العنف في المدارس. تطبيق هذه القوانين لم ينجح في معظم الحالات. العصي تكسر العظام وقدرات التعلم لدى الطلاب.

لسوء الحظ، يصبح المظلومون في معظم الأحيان ظالمين. وتستمر الحلقات المفرغة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard