بلّورة جدتي السحرية... وداعاً

الاثنين 22 مارس 202111:42 ص

لن تصدق جدتي أنني قضيت عاماً كاملاً بلا بلورة سحرية. كانت قبل وفاتها بأيام قليلة قد تركت وصية وحيدة وأخيرة؛ بأن أعلنت للجميع أنني سأرث منها جهاز التلفزيون القديم. بعد ذلك بإمكانهم أن يوزعوا تركتها كما يشاءون.

كانت تعلم جيدا مدى حبي وارتباطي بهذا الجهاز العجيب، والتي كانت تطلق عليه "البلورة السحرية". كنتُ مأخوذاً به منذ طفولتي المبكرة. فقد وعيت على عوالمه وقصصه وشخوصه، وتعلقت به كمنفذ واسع لحيوات لم أختبرها بعد، وربما لن أختبرها أبداً. عرفت عبره الحب العظيم وتضحياته من خلال أفلام فاتن حمامة وعبد الحليم حافظ، وضحكت من قلبي مع علي الكسار وإسماعيل ياسين، وتعاطفت مع مأساة الريحاني. كنتُ أتسمّر أمامه بالساعات متنقلاً بين قنواته الثلاث. أحفظ مواعيد البرامج والأفلام عن ظهر قلب، وأنتظر بلهفة الفقرات الإعلانية. وأتساءل عمن يعيشون في هذا الصندوق الصغير ذي البكرة المعدنية! وهل يروننا مثلما نراهم؟ وحين شاهدت فيلماً لفريد شوقي وهو يموت في نهايته حزنت عليه وبكيت. بعد ذلك بعدة أيام ظهر في فيلم آخر فضربتني الحيرة: كيف عاد من موته مجدداً؟

لو أنني طرحت مثل تلك التساؤلات على فرانسيس بيكون، كان بالتأكيد سيعتبرني دليلاً حياً على صدق نظريته عن الأوهام الأربعة، وبالأخص وهم المسرح. غير أن التلفزيون يختلف كلياً عن المسارح، فـعبر هذا الصندوق تجسدت الأساطير والحكايات وأصبحت واقعاً حياً تنطق شخوصه وتتحرك. رأيت فيه بعيني سوبر مان الذي جاء من كوكبه البعيد ليصبح المدافع الأول عن هذه الأرض من الأشرار. رأيت وحوشاً تطير وتنانين تنفث النار، ومغامرات مثيرة وشيقة تدور في عالم آخر، عالم الخيال الذي تحول إلى واقع.

لم تعد بلورتي السحرية تقدم الفنون والعلوم والمعرفة، وصارت بين ليلة وأخرى بوقاً لنظام لا يتوقف عن مدح ذاته

لم تحب جدتي القناة الثانية، كانت تؤمن بأنها قناة تخص الأقباط، ذلك لأنها تبث الموسيقى ولا تذيع الآذان، ولأنها تعرض الأفلام الأجنبية. أما أنا فقد أحببت هذه القناة، وكنتُ أنتظر برامجها بشوق لا رياء فيه. أذكر مثلا "بانورما فرنسية" وما كان يقدمه هذا البرنامج من خلطة ثقافية وفنية متنوعة تخص بلدان بعيدة وعجيبة: استعراضات مدهشة، أغان بلهجات أجهلها لكني أهضم موسيقاها، للموسيقى لغة عالمية يفهمها المتذوق دون الحاجة للترجمة، والرقص كذلك. وأذكر أيضاً "نادي السينما"، فهو المفضل بكل تأكيد. حكاية يشخصها ناس أغراب في اللهجة والشكل. غير أنها تمس القلوب والنفوس وتترك أثرها البالغ في الروح. وكان للبرامج العربية نصيب كبير، ومَن من جيلي بإمكانه أن ينسي ماما نجوى والفنان سيد عزمي الذي لعب دور "بقلظ" باقتدار عظيم؟ ومن جيلي بإمكانه أن ينسى بوجي وطمطم، يونس شلبي وهالة فاخر، القرد والأرنبة الأخوة، واستقلالهما بالحياة؟

حين كبرت قليلاً، وكانت جدتي قد توفيت بالفعل، أصبح لدي بلورتي السحرية الموروثة بعيداً عن بلورة الأسرة، مما دفعني إلى انتقاء العوالم التي أرغب في مشاهدتها، بل معايشتها، ومنها على سبيل المثال برنامج "العلم والإيمان" الذي اعتبرته رحلة أسبوعية في عالم العلم. ومن شدة تأثري به تمنيت كثيراً أن أصبح مثل مصطفى محمود: عالم وأديب. كنتُ قد ذكرت تلك العلاقة في روايتي الثانية "كيس أسود ثقيل"، لم أكن أعرف وقتها أن للإعلام دور هام جدا في تشكيل الوعي. ربما لذلك قررت الدولة أن تطلق قمرها الصناعي الأول، والمعروف إعلاميا بـ "النيل سات" كرغبة صادقة منها في أن تدخل مصر مرحلة جديدة من التطور الإعلامي، خاصة وأنها أنشأت مدينة كاملة بمنطقة السادس من أكتوبر، أطلقت عليها اسم "مدينة الإعلام" لخدمة الأعمال الدرامية والسينمائية. نسيت أن أقول إننا تربينا على دراما أسامة أنور عكاشة، وترعرعنا على أغاني سيد حجاب، بالإضافة إلى الأصوات البديعة مثل محمد الحلو وعلى الحجار، كنتُ محظوظا فعلاً بهذا الجهاز العظيم.

بعد إطلاق القمر المصري، عرفنا "الوصلة"، والمقصود بها الاشتراك الجماعي في "الدش"، حيث عمل أبناء المنطقة على تجميع مبلغ شهري في مقابل بث عدة قنوات فضائية، وهو الحدث الذي زلزل أركان منطقتنا "إمبابة". لقد أصبح لدينا قناة للأفلام العربية، وأخرى للأفلام الأجنبية، وثالثة للمسلسلات، هذا إلى جانب عدة قنوات للمنوعات، وهكذا صار التلفزيون جزء أصيل من حياتنا اليومية، بعدما كنا ننتظر الفيلم العربي من الأسبوع للأسبوع، صار يعرض الفيلم تلو الآخر، يا له من نعيم. وكأنني داخل مغارة علي بابا أهتف كما هتف من قبل: "أفلام برامج مسلسلات طوال اليوم... احمدك يا رب".

سيطرت السلطة كذلك على صناعة الأفلام والمسلسلات، وصارت الأعمال الفنية تخرج من مكاتب الضباط، ويمكنكِ أن تتخيلي ما قد يقدمه ضابط للفن

ولكن هذا الكنز أخذ في التآكل، لعل أشياء كثيرة تفقدها متعتها الخاصة، خصوصاً مع بدايات ظهور الكمبيوتر المنزلي، والذي كنا نحرص على أن نملأ "الهارد" الخاص به بأحدث الأفلام وأغرب الفيديوهات. ومع ذلك، ظل للتلفزيون مكانة خاصة. تعاظمت تلك المكانة مع بشائر ثورة يناير، وظهور ما يُعرف ببرامج "التوك شو". فلم يعد هذا الجهاز يقتصر على الوجبات الفنية أو العلمية فقط، بل امتد ليشمل السياسة ونقد السلطة الحالية أيضاً. ثم قامت الثورة، وتغيرت خريطة الوطن كما تغير توجهها السياسي، وظهر في الأفق برنامج "البرنامج" لباسم يوسف، والذي حقق نسبة مشاهدة لم يحققه أي برنامج عربي قبله أو بعده. وتوالت البرامج التي كانت تعبر عن ميول صناع الثورة ورغبة شعبها. لقد كان عصر الإخوان، رغم أن هذا حدث برغم أنف السلطة حينها، عصر الحرية الإعلامية بلا منافس. وتلك كانت إشارة لا تقبل الجدال في نجاح الثورة، أو هكذا كنا نعتقد. آنذاك، انزوت الأفلام وباتت مهجورة وسط هذا الزخم من النقد وتنفس الحرية. حتى أننا كنا نرى من ينقد مرسي في القنوات المحلية، وتلك معجزة أخرى.

لكن، يبدو أن عصر المعجزات قد انتهي وزال، فجاء عهد جديد؛ عهد الصوت الواحد. عاصرت مذبحة الإعلام، وشاهدت نجوماً كبلال فضل وعمرو واكد وهم يتركون هذا البلد هرباً من بطش السلطة، وسمعت بإعلاميين مثل ريم ماجد ويسري فودة وباسم يوسف وليليان داود وهم يعانون من مضايقات السلطة الحاكمة لهم، السلطة التي قررت الاستحواذ على كل شيء؛ فلا صوت يعلو على صوت المعركة، أو كما قال طبيب الفلاسفة: "اللي عاوز يسأل يسألني أنا.. أنا أعرف كل حاجة" وهكذا تم احتلال جهازي الحبيب، ولم تعد بلورتي السحرية تقدم الفنون والعلوم والمعرفة، وصارت بين ليلة وأخرى بوقاً لنظام لا يتوقف عن مدح ذاته، وذم الجميع. وتبدلت الوجوه لتطل علينا من الصندوق الصغير أصوات تعمل ليلاً ونهاراً لغسل أدمغة الشعب المغلوب على أمره. حفنة من "المطبلاتية" يا جدتي أفسدت علينا حتى الخيال، حتى الدُمى التي كانت قديماً تقدم النصائح للصغار والكبار، حل مكانها أبلة فاهيتا بتلميحاتها الجنسية وأحاديثها ذات المغزى غير اللائق.

ليت الأمر اقتصر على البرامج، سيطرت السلطة كذلك على صناعة الأفلام والمسلسلات، وصارت الأعمال الفنية تخرج من مكاتب الضباط، ويمكنكِ أن تتخيلي ما قد يقدمه ضابط للفن. أجل، لقد توقفت منذ عام تقريباً عن مشاهدة كل هذا العبث الموجع، والساخر أحياناً. ولكن الله رحيم دائماً بعباده، فقد عوضني بغوغل وببلورة مسحورة أخرى. لعلها أصغر من السابقة، غير أنها أكثر اتساعاً وعمقاً. أصبح بإمكاني أن أصنع إعلامي الخاص جداً. عدة كلمات على محرك البحث تكفي لاستحضار ما أريد، إنه سحر فعلاً، سحر حقيقي هذه المرة. بإمكاني أن أعيد العوالم التي افتقدها في بلورتي القديمة، وبإمكاني أيضاً أن أعيش في عوالم جديدة؛ ممتعة ومدهشة، لا تعرف الرقابة ولا تتحكم فيها السلطة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard