قضايا للبيع بالدولار... كيف أهمل أردوغان "إبادة الأيغور" مقابل مليارات صينية؟

الخميس 17 سبتمبر 202004:57 م

اتّهمت "فورين بوليسي" الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالتخلي عن قضية أقلية الأويغور المسلمة التي تعاني الاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان في الصين، لاعتماد بلاده على بكين في الخروج من الأزمات الاقتصادية والسياسية.

تحت عنوان: "أردوغان يحول تركيا إلى دولة عميلة للصين"، كتبت سلطان تبه، أستاذة العلوم السياسية بجامعة إلينوي في شيكاغو، وأيكا ألمدار أوغلو، المديرة المساعدة لبرنامج تركيا في مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا: "أنقرة باتت تعتمد على مساعدة الصين في ظل بقاء عدد قليل من الأصدقائها في الغرب".

يظهر التحول في موقف أردوغان عقب انتقاداته السابقة لبكين وتعبيره عن الدعم الصريح للأقلية المسلمة التي يغلب عليها الطابع التركي في شينجيانغ. عام 2009، حين كان رئيساً للوزراء، صرح أردوغان: "الأحداث في الصين، ببساطة، إبادة جماعية". لم يكن استعراضياً تصريح كهذا، إذ كانت تركيا ملاذاً آمناً للأويغور الفارين من الاضطهاد بعد سيطرة الحزب الشيوعي الصيني على شينجيانغ عام 1949.

"أردوغان يحول تركيا إلى دولة عميلة للصين"... بعدما كان يدعم الأويغور صراحةً ويطلق على ما يتعرضون له في الصين "إبادة جماعية"، بات أردوغان يهادن بكين لأجل نقدها المتدفق الذي انتشله مراراً من أزماته

تحوّل تركي عن دعم الأويغور

استضافت تركيا أحد أكبر مجتمعات شتات الأويغور في العالم، قبل حدوث تحول مفاجىء. عام 2016، قبضت تركيا على عبد القادر يابكان، وهو ناشط سياسي بارز من الأويغور كان يعيش في البلاد منذ عام 2001 وسلّمته إلى الصين.

عام 2017، وقّعت تركيا والصين اتفاقاً يسمح بتسليم المجرمين حتى لو كانت التهمة المزعومة تُعدّ جريمة في أحد البلدين فقط. منذ بداية عام 2019، اعتقلت تركيا مئات الأويغور وأرسلتهم إلى مراكز الترحيل بالتزامن مع انقلاب تصريحات أردوغان وكذلك التغطية المتعلقة بالأويغور في الصحف التي يسيطر عليها هو وأنصاره.

التفسير البسيط لهذا التحول في موقف أردوغان هو أن نظامه واقتصاد تركيا في أزمة، ومع عدد قليل من الأصدقاء الآخرين، تعتمد أنقرة على بكين لإصلاح الأمور، في حين تفرض تلك الأخيرة على أنقرة التقيّد ببعض النقاط.

يواجه أردوغان حالياً عدة مشكلات: تضرر الاقتصاد التركي بشدة من جائحة فيروس كورونا الذي دمر القطاع الأساسي للاقتصاد، السياحة. تقلص الاحتياطيات الأجنبية، وتزايد العجز التجاري وانهيار قيمة الليرة التركية في ظل إحكام أردوغان سيطرته على البنك المركزي والمحاكم.

"كلتاهما يتجاهله الغرب بسبب ممارساتهما المناهضة للديمقراطية في الداخل ومشاريع التوسع في الخارج"... كانت تركيا ملاذاً آمناً للأويغور واحتضنت أكبر تجمع لهم في الشتات حتى عام 2016 حين بدأت الشراكة الإستراتيجية التركية الصينية. تعرفوا على أبعاد هذه الشراكة

علاوةً على ذلك، أصبحت تركيا، التي كانت ذات يوم نموذجاً للديمقراطية والتنمية الاقتصادية في المنطقة، دولة استبدادية. على مؤشر الديمقراطية الليبرالية لمعهد V-Dem التابع لجامعة جوتنبرغ، تأتي تركيا في عداد أدنى 20 دولة، أقرب إلى الصين منها إلى البلدان المتقدمة التي كانت تطمح إليها في السابق.

في ظل ابتعاد الشركات والمستثمرين الغربيين، الذين انجذبوا إلى اقتصاد تركيا السريع النمو، منحت شهية الصين للتوسع في غرب آسيا وأوروبا أردوغان "شريان حياة".

الأموال الصينية أنقذت أردوغان مراراً

توسّع التعاون بشكل كبير بين البلدين. منذ عام 2016، وقّع البلدان 10 اتفاقات ثنائية في مجالات الصحة والطاقة النووية. الآن، تعد الصين ثاني أكبر شريك يستورد من تركيا بعد روسيا. استثمرت الصين ثلاثة مليارات دولار أمريكي في تركيا بين عامي 2016 و2019. وهي تعتزم مضاعفة الاستثمار في نهاية العام المقبل.

هذا التدفق النقدي من الصين بات أمراً بالغ الأهمية لنظام أردوغان، بل إنه عزز يد الرئيس في اللحظات الحاسمة. عندما انخفضت قيمة الليرة نحو 40% عام 2018، قدم البنك الصناعي والتجاري الصيني المملوك للدولة إلى الحكومة التركية قروضاً مقدارها 3.6 مليار دولار، لمشاريع الطاقة والنقل.

وفي حزيران/ يونيو عام 2019، عقب الانتخابات البلدية في إسطنبول التي كشفت عن انهيار شعبية أردوغان، حوّل البنك المركزي الصيني مليار دولار، في أكبر تدفق نقدي بموجب اتفاقية مبادلة بين البنكين المركزيين في البلدين جُدّدت آخر مرة عام 2012. ولمّا زاد تضاؤل شعبية أردوغان هذا العام وسط أزمة تفشي كورونا والنقص الحاد في العملة، كانت الصين حاضرة للإنقاذ مرة أخرى في حزيران/ يونيو الماضي.

"منفعة متبادلة ومتعددة الأوجه"... الأموال الصينية منحت أردوغان "شريان حياة" وأنقذت مشاريعه العملاقة السيئة الإدارة، بينما منح الرئيس التركي بكين "موطئ قدم إستراتيجياً للغاية" عند مفترق طرق أوروبا وآسيا وأفريقيا

تسمح بكين الآن للشركات التركية باستخدام اليوان الصيني لسداد المدفوعات التجارية، وهذا ما يتيح لها سهولة الوصول إلى السيولة الصينية. وهي خطوة أخرى في التعاون المالي بين البلدين.

مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI) تقدم هي أيضاً إلى تركيا مصدراً جديداً للدخل النقدي، في حين توفر لبكين موطئ قدم إستراتيجياً على البحر الأبيض المتوسط.

بالإضافة إلى الحكومة الصينية، ساعد المستثمرون الصينيون في "إنقاذ مشاريع أردوغان العملاقة ذات الإدارة السيّئة".

في كانون الثاني/ يناير الماضي، اشترى تحالف صيني 51% من جسر السلطان سليم الأول المعلق الذي يربط بين أوروبا وآسيا عبر مضيق البوسفور بعد فشل توقعات الإيرادات ورغبة التحالف الإيطالي التركي المسيطر على الجسر في الخروج من المشروع.

علماً أن مشاريع "الحزام والطريق" ساعدت في دعم أردوغان بطرائق غير مباشرة أيضاً إذ عززت إستراتيجية تركيا لإثبات نفسها ممراً للنقل والترويج لأردوغان باعتبار أنه شخص يمكنه تطوير البنية التحتية وجذب الأموال والقيام بمشاريع واسعة النطاق.

وكانت شركة تأمين الصادرات والائتمان الصينية قد خصصت، هذا العام، نحو خمسة مليارات دولار أمريكي لصندوق الثروة التركي بغية استخدامها في مشاريع المبادرة الصينية. تثير الشفافية والمساءلة المحدودة بشأن معاملات الصندوق التركي المزيد من الأسئلة، منها أين تذهب الأموال؟ وهل تركيا قادرة على السداد؟

يُذكر أن قطاع الطاقة التركي، وهو قطاع آخر كان تطوره أساسياً لسلطة أردوغان، شهد استثمارات أكبر تحت مظلة مبادرة الحزام والطريق. تخصص الصين 1.7 مليار دولار لبناء محطة هونوتلو للطاقة الحرارية، التي من المتوقع أن تنتج 3% من كهرباء البلاد عند اكتمالها. 

بخلاف مشاريع البنية التحتية، يشمل التعاون الصيني التركي تعميق العلاقات العسكرية والأمنية الثنائية، بما في ذلك مجال الاستخبارات والحرب الإلكترونية. عام 2017، جرى تقديم صاروخ بورا الباليستي التركي الذي صمم على غرار الصاروخ الصيني B-611. استخدم الصاروخ في العملية العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني في أيار/ مايو عام 2019.

في المقابل، يلاحظ ازدياد مساهمات شركات صينية كبرى مثل هواوي، التي صنفت على أنها تهديد للأمن القومي في الولايات المتحدة وأماكن أخرى بسبب علاقاتها بالحكومة والجيش الصينيين.

 نمت حصة هواوي في السوق التركية من 3% عام 2017 إلى 30% عام 2019. القلق بشأن هذا سببه المزاعم حيال استخدام الصين البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية للمراقبة والقمع لمصلحة الدولة، وعلى نحو خاص في تركيا حيث يعتمد السكان على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات في ظل الرقابة الصارمة على وسائل الإعلام الأخرى. 

"بين أدنى 20 دولة على مؤشر الديمقراطية الليبرالية"… تركيا، التي كانت ذات يوم نموذجاً للديمقراطية والتنمية الاقتصادية في المنطقة، أصبحت الآن دولة استبدادية

هواوي ليست وحيدة في السوق التركية إذ استحوذت شركة تكنولوجية صينية أخرى، هي ZTE، على حوالى 48% من شركة Netas التركية، وهي المصنّع الرئيسي لمعدات الاتصالات في البلاد. تدير Netas مشاريع محورية تشمل اتصالات مطار إسطنبول الجديد ورقمنة البيانات الصحية الوطنية.

منفعة متبادلة

كل ما سبق يشير إلى منفعة متبادلة بين البلدين، فالصين وجدت موطئ قدم إستراتيجياً في تركيا - عضو الناتو مع سوق كبيرة للطاقة والبنية التحتية وتكنولوجيا الدفاع والاتصالات السلكية واللاسلكية عند مفترق طرق أوروبا وآسيا وأفريقيا- فيما تركيا وأردوغان يستفيدان من الموارد الصينية التي هما في حاجة ماسة إليها بغية تمويل مشاريعهما العملاقة. وبالقدر نفسه من الأهمية، تساعد الأموال الصينية أردوغان على تجنب طلب المساعدة من المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب، مثل صندوق النقد الدولي، وهي الخطوة التي قد تفرض عليه التزام الإصلاحات والإجراءات الأخرى التي قد تقوض "سيطرته المطلقة" على البلاد واقتصادها.

أمر آخر يجعل علاقة البلدين أكثر متانة ودفئاً، هو تجاهل الدول الغربية لهما بسبب ممارساتهما المناهضة للديمقراطية في الداخل ومشاريع التوسع في الخارج. كلاهما ليس لديه أصدقاء كثيرون في منطقته، وكلاهما يتشاركان في رؤية تحدي هيمنة الولايات المتحدة والنظام الدولي القائم على المؤسسات الغربية.

أما ضحايا الشراكة الإستراتيجية الصينية التركية مثل الأويغور والمنشقين في البلدين، فإن حمايتهم تتطلب أنظمة سياسية متجاوبة مع حماية الحقوق والحريات من خلال المؤسسات والعملية الديمقراطية من دون جعلها أمراً ثانوياً مقابل إنقاذ الاقتصادي أو نموه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard