"بعبّوا راس الحكومة"... انتهاكات حقوق إنسان وأحكام عرفية قامعة بمباركات شعبية في الأردن

الاثنين 11 مايو 202005:05 م

من الطبيعي المؤسف أن تنتهك حريات الأفراد من قبل حكومات وسياسات دولهم، لكن من غير الطبيعي والمؤسف أكثر، أن تحدث تلك الانتهاكات بمباركات شعبية، مثل ما حدث مؤخراً في الأردن.

وحتى لا يخرج الموضوع عن سياق الموضوعية والمهنية، فمن الواجب الإشارة إلى أن أغلب الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأردنية لمواجهة فيروس كورونا، هي وفق ما كان مأمولاً، وأحياناً أكثر بصراحة، لكن خروقات معدودة حدثت هنا وهناك مؤخراً، مسّت حريات وحقوق الأفراد، أمر خطير نعم، لكن الأخطر حالة التصفيق الشعبي التي نكاد نسمع أصواتها إزاء تلك الخروقات التي مست الكرامة الإنسانية.

بات أردنيون وأردنيات، بمبادرات فردية، يمارسون دور الرقيب على من يخرق أوامر قانون الدفاع التي أقرتها الحكومة، من بينها قرار حظر التجول، والعقوبات التي تقع على من يخالف تلك الأوامر، فكما يقال بالعامية "بعبّوا راس الحكومة"، ولعل قصّتي الدبيكة وكاردار أحدث الأمثلة، وكاردار ‏تطبيق إلكتروني (Caradar) للتبليغ عن التجمّعات بمختلف أشكالها، أو عند الاشتباه بحالات إصابة، مع إمكانية تحديد الموقع بدقة لتمكين الأجهزة المعنية من التعامل معها، والذي تحدث عنه حقوقيون لرصيف22 في هذا التقرير، كما عن حادثة الطلاب.

بات أردنيون وأردنيات، بمبادرات فردية، يمارسون دور الرقيب على من يخرق أوامر قانون الدفاع التي أقرتها الحكومة، من بينها قرار حظر التجول، والعقوبات التي تقع على من يخالف تلك الأوامر، فكما يقال بالعامية "بعبّوا راس الحكومة"، ولعل قصّتي الدبيكة وكاردار أحدث الأمثلة

نبدأ بقصة "الدبيكة"، وهم مجموعة طلاب أردنيين عائدين من الخارج، خالفوا شروط الحجر الصحي في المساكن التي نقلتهم الدولة إليها، حيث في أول ليلة وصول لهم قاموا بإحياء سهرة شبابية شملت الرقص بالدبكة. الفيديو الذي انتشر لهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سبب حالة من الغضب الشعبي ومطالبات بتنفيذ أقصى العقوبات بحقهم، وهو ما استجابت له الدولة وقامت بحلق شعر الطلاب "على الزيرو"، وليس ذلك فقط، بل قام وزير الصحة سعد جابر، بالإعلان عن هذا "الإنجاز" عندما قال: "الشباب حلقولهم عَ الصفر"، إضافة إلى نشر صورهم عبر وسائل إعلامية، وقابل ذلك الفعل تعليقات شعبية مثل:

"نعيماً، أقسم بالله قليل عليهم، المفروض حرقهم وليس حلق شعرهم".

هنا تحديداً، انتفض حقوقيون/ات ومدافعون/ات عن حقوق الإنسان أمام هذا الفعل، مثل المحامية والحقوقية تغريد الدغمي، التي نشرت على صفحتها على الفيسبوك:

"حلق شعر المخالفين عالصفر... أحكام عرفية بمباركة شعبية. استغرب من القانونيين الذين يؤيدون حلق شعر (عالصفر) لطلاب الدبكة المخالفين لأوامر الدفاع، منذ الصباح وأنا أؤكد أنها مجرد إشاعة (لم ولن تحدث في الأردن).. ليطل علينا وزير الصحة ويؤكد الخبر، للأسف، نحن مقبلون على ما يبدو على أحكام عرفية!".

تقول تغريد الدغمي في حديث لها لرصيف22: "ما يثير قلقي هو التجريم المجتمعي لكل من يدافع ويتحدث عن حقوق الإنسان في هذه المرحلة، والتنمر عليه باعتبار أنه يتحدث عن ترف أو رفاهية ليس وقتها الآن، في ظل أزمة كورونا".
وتضيف: "نجد تأييداً شعبياً لممارسات تنتهك حقوق الإنسان (كما حدث مع طلبة الدبكة) تحت حجة أننا في أزمة، والحق في الصحة هو فقط الأولوية ولا حق يعلو عليه، ويجب الصمت عن انتهاكات حقوق الإنسان، والمرعب أكثر وجود مباركة شعبية للأحكام العرفية، بل مطالبات بتطبيقها دون إدراك لخطورة هذا، والأكثر خطورة عندما تكون هذه المطالبات من رجال قانون وحقوقيين، ما يجعلك تقفين ذهولاً".
"للأسف، الإنسان يقع ضحية لمطالبه أحياناً عندما لا يؤمن بحقوق الإنسان"، تقول المحامية تغريد، مؤكدة في الوقت ذاته على "أننا مع سيادة القانون، والعقوبات التي نصّ عليها قانون الدفاع لمن يخالف أوامر الدفاع هي عقوبات كافية ورادعة، مع التأكيد أيضاً أن أوامر الدفاع يجب أن لا تتجاوز ولا تنتهك حقوق الإنسان، مع الإشارة إلى أن قانون الدفاع لم يعطل القوانين الأخرى، فما زالت سارية ويجب تطبيقها".

"نجد تأييداً شعبياً لممارسات تنتهك حقوق الإنسان (كما حدث مع طلبة الدبكة) تحت حجة أننا في أزمة، والمرعب أكثر وجود مباركة شعبية للأحكام العرفية، بل مطالبات بتطبيقها دون إدراك لخطورة هذا، والأكثر خطورة عندما تكون هذه المطالبات من رجال قانون وحقوقيين"

في حديثه مع رصيف22، استنكر محمد شما، الصحافي المتخصص في قضايا حقوق الإنسان، ما حدث مع الطلاب، يقول وعلامات الغضب ظاهرة في صوته: "ما حدث أمر مرفوض، وما زاد من خطورته الترحيب الشعبي لهذا الفعل وتباهي الوزير بذلك، هذا ليس اسمه عقاب، هذه ممارسات قمعية لا تخضع لمعايير قانونية".

ليس حلق رؤوس أولئك الطلبة ما أغضب الصحافي محمد شما، بل أيضاً تطبيق "كاردار" الذي أعلنت عنه الحكومة الأردنية منذ أيام، للتبليغ عن التجمعات بمختلف أشكالها، أو الاشتباه بحالات إصابة لفيروس كورونا.

هذا التطبيق بحسب وجهة نظر شما "يساعد على تشجيع ثقافة الاستخبار والتبلّي، وممارسة المواطن دور المخبر في تقديم تقارير للدولة، الأمر الذي يمسّ بشكل مباشر حرية الأفراد"، ويضيف: "لا يعني ذلك أننا نشجع التجمعات التي من شأنها أن تساعد على نشر الفيروس، لكن ما هي الضمانات التي تكفل عدم اللجوء للانتقام والثأر من خلال التطبيق، وتبلي أفراد آخرين؟".

الأساس بحسب محمد شما ليس اللجوء إلى خطوات فيها انتهاك خطير لحريات وكرامة الأفراد، بل العمل على توعية المواطن بدلاً من استخدام أسلوب الترهيب والعقاب، ويوضّح: "أفهم أن هناك تجاوزات لكن هناك التزام أكبر مقابل هذه التجاوزات".

ويبدي محمد شما تخوفه من أن تسهم تلك الخطوات "القمعية بالتأثير على المواطنين وجعلهم يتقبلونها، وبالتالي تصبح نمط حياة، ويعاد نسخ مرحلة الأحكام العرفية التي انتهت في ثمانينيات القرن الماضي".

من وجهة نظر قانونية، يشير المحامي عمر العطعوط في حديث لرصيف22، إلى أن قانون الدفاع هو استثنائي، بالتالي يجب استخدام الاستثناء في أضيق صورة ممكنة، ويضيف: "قانون الدفاع موجود أصلاً، ويتم تفعيله إذا استدعت الحاجة، ذلك مثل ما حدث مؤخراً لمكافحة الوباء، ما يمنح رئيس الوزراء سلطات واسعة، بما فيها تقييد نصوص قوانين عادية، ولا يجوز استخدام هذه الصلاحيات الواسعة لأهداف تخرج عن الغاية التي من أجلها تم تفعيل قانون الدفاع".

موضوع الأحكام العرفية موضوع مختلف تماماً، وهذا ما يبينه المحامي العطعوط، فإن المادة 125 من الدستور الأردني تشير إلى أنه إذا لم تكف المواد الموجودة في قانون الدفاع يتم اللجوء للأحكام العرفية، طبعاً في حالة الوباء غير متصور نهائياً اللجوء إلى ذلك، كما يقول.

وينتقل للحديث عما حدث بحق شباب "الدبكة"، مشيراً إلى أنها عقوبة غير موجودة وليست من العقوبات المنصوص عليها أصلاً في قانون العقوبات الأردني، في القوانين المدنية لا توجد عقوبة حلق رؤوس، هذا إجراء بالتأكيد مخالف للقانون، ونصوص قانون الدفاع لا تتيح لأي جهة اختراع عقوبات غير موجودة في النظام القانوني الأردني، بحسب قوله.

"يساعد تطبيق 'كاردار' الذي أعلنت عنه الحكومة الأردنية منذ أيام على تشجيع ثقافة الاستخبار والتبلّي، وممارسة المواطن دور المخبر في تقديم تقارير للدولة، الأمر الذي يمسّ بشكل مباشر حرية الأفراد"

وفيما يتعلق بتطبيق "كاردار"، فيوضّح العطعوط "أن مخالفة أوامر الدفاع هي جريمة جزائية، وهذا التطبيق جائز من حيث المبدأ، لكن التخوّف من عدم قدرته على ضبط الحالات الكيدية، ومدى قدرته أصلاً على التثبت من صحة المعلومة وصحة المبلّغ، فالخوف هنا من سهولة التبليغ بكبسة زر، الأمر الذي يولّد ثقافات يتم استخدامها لاحقاً بعد قانون الدفاع، مثل ثقافة عدم ثقة الناس ببعضهم البعض".

وهذا الأمر الذي يعتبره المحامي والخبير الحقوقي معاذ المومني، الأكثر خطورة، بحسب حديثه لرصيف22، فيقول: "الخطر أن المواطنين غير مدركين لتبعات هذا التقبّل، فالترحيب الشعبي بحلاقة الرؤوس مثلاً يراه مواطنون أنه إجراء حكيم، دون إدراك أن هذه عقوبة غير منصوص عليها في التشريعات والقوانين، فلا عقوبة إلا بنص".

"الخطر أن المواطنين غير مدركين لتبعات هذا التقبّل، فالترحيب الشعبي بحلاقة الرؤوس مثلاً يراه مواطنون أنه إجراء حكيم، دون إدراك أن هذه عقوبة غير منصوص عليها في التشريعات والقوانين، فلا عقوبة إلا بنص"

ويستغرب المومني وفي حديثه عن تطبيق "كاردار" (رغم أنه جائز قانونياً) كيف أن الحكومة فجأة أصبحت تثق بوعي المواطن وتعتمد عليه في مواجهة تطورات كورونا، من خلال تبليغاته على هذا التطبيق، وهي التي، منذ بداية الأزمة وعند حدوث أي خروقات، تضع اللوم على وعي المواطن!

"بالنهاية هذه أزمة وستنتهي يوماً ما، لكن دعونا مقابل معركتنا في محاربة الوباء لا نخسر معركتنا في بناء دولة أساسها سيادة القانون والعدالة"، يختم المحامي المومني.

منسق هيئة "همم" لمؤسسات المجتمع المدني نضال منصور، يقول لرصيف22: "ننظر بقلق لبعض الممارسات من الجهات المسؤولة مؤخراً، مثل حلاقة شعر أولئك الطلبة، وهو ما يعد مخالفة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وامتهان للكرامة الإنسانية، المشكلة ليست فقط في الحكومة بل أيضاً في المواقف المجتمعية التي تعطي تفويضاً لجهات إنفاذ القانون للقيام بمثل هذه الإجراءات، باختصار: "هم الذين هيّجوا الحكومة على الشباب".

ويؤكد على جزئية أن أي ظرف طارئ يجب أن يتحقق فيه التناسب، الضرورة والشرعية، حتى الاستثناءات في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ليست استثناءات مفتوحة بالمطلق.

سأختم بتعليق أسفل تغريدة نشرتها عن تطبيق "كاردار"، والتي ضمّت تعليق سائق التاكسي، يونس جبارين: "بدنا تطبيق اكشف الفاسدين والمرتشين والواسطات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard