اعتداءات السودانيين على أطبائهم... فحص علاقة

الخميس 18 مارس 202104:30 م

تفاقت أزمة الأطباء في السودان وشكواهم بكثرة وتكررت الاعتداءات عليهم من قبل المرضى وذويهم، وهو الأمر الذي استدعى عقد اجتماع في مجلس الوزراء لبحث الأزمة في أعقاب الأزمة الأخيرة الناجمة عن فقدان طبيب الامتياز محمد هاشم عينه في مستشفى مدني بولاية الجزيرة جنوب العاصمة الخرطوم.

في المقابل، يشكو المرضى وذووهم من سوء معاملة الأطباء، يشكون مما يرونه إهمالاً ولا مبالاة، تُضاف إليهما جرعة من التعالي، مع بعض الجهل أحياناً.
بالفقرتين أعلاه، يمكن ترسيم حدود العلاقة بين السودانيين وأطبائهم، فجميعهم يبكون (فمن سرق المصحف)؟

اجتماع مفصلي

في السادس عشر من آذار/ مارس 2020 اجتمع وزير الصحة، والنائب العام، ومدير عام قوات الشرطة، وممثل وزير شؤون مجلس الوزراء، بحضور ممثلي مكتب الأطباء الموحد، واللجنة التسيريية لإتحاد أطباء السودان ولجنة أطباء الامتياز. وذلك لمناقشة ظاهرة التعتداءات على الأطباء والكوادر الصحية بالمستشفيات.
وخلص الاجتماع إلى: تعميم قانون حماية الأطباء والكوادر الصحية، وتكوين لجنة مشتركة بين وزارة الصحة والشرطة لدراسة مشروع شرطة المؤسسات الصحية، ووضع آلية إسعافية إلى حين الوصول للحلول النهائية، بجانب تحسين بيئة العمل في أقسام الطوارئ.
في أيار/مايو 2020، إبان الموجة الأولى لجائحة كورونا، أقرت السلطات العدلية، قانوناً لحماية الكوادر الطبية. ينص القانون على السجن عشر سنوات والغرامة ضد كل من يعتدي جسدياً أو لفظياً على طبيب أو كادر مساعد، وضد كل من يقوم بتحطيم أثاث المنشآت الصحية أو ينشر معلومة غير صحيحة تساهم في الاعتداءات، ومع ذلك لم تتوقف الاعتداءات على الأطباء في المستشفيات السودانية.

نماذج

في حين لا يوجد إحصاء دقيق لحالات تعرض الأطباء للإعتداء، هناك شبه إجماع على أنها ظاهرة تغطي كل أنحاء البلاد، وتشمل المشافي الحكومية والخاصة وحتى العيادات، وفي منصات التواصل السودانية ما يكفي من القصص المنثورة عن تحول هذه العلاقة من ساحات الإنسانية إلى حلبات الملاكمة.

أحد أكثر الاعتداءات وقعاً للألم، كان ضد طبيب الإمتياز محمد هاشم، الذي تعرض للاعتداء بمشفى مدنى، حيث ضربه مرافقو مريضة وهشموا زجاج نظارته، ما أدى لاحقاً لفقدانه إحدى عينيه.
في موازاة ذلك، تحتشد منصات التواصل الإجتماعي، والحكي الشعبي، بروايات الإهمال الطبي المتعمد، والأخطاء الطبية القاتلة، والتشخيص الخاطئ، والمغالاة في الأسعار.
ومع وصول كورونا زادت الشكوى بين المرضى وذويهم، من توقف الأطباء عن أداء مهامهم خشية من العدوى بالفيروس، بل توقف عدد كبير من المرافق الصحية، وهذا أدى إلى وفاة عدد من المرضى في رحلة البحث المضنية عن العلاج، ولذا لا غرو أن تسمع مقولة (من لم يمت بالكورونا مات بالإهمال) في تبيان لما هي عليه الأحوال.

من هذه الحكايات، ما يرويه زوج المريضة (ن. ع) التي خضعت لعملية ولادة قيصرية في أحد أكبر المشافي المتخصصة في هذا الشأن، في فترة الإغلاق الشامل، خلال شهر حزيران/ يونيو العام الماضي.
يقول أيمن مكي لرصيف22 إنهم شعروا أن حالة من الإعياء الشديد تسيطر على (ن)، مع آلام في البطن، ولكن الطبيب المختص أخذ يطمئنهم بأنه أمر اعتيادي، وصدقوه بحسبان أنه الاِبن الأول لهم.
ويضيف: "بعد مرور ليلة بدأ الألم يزيد، في ظل إرتفاع الحمى، ومع ذلك كتبوا لنا إذن خروج من المستشفى، في ظل إصرار الاختصاصي على تشخيصه الأول".
في حين لا يوجد إحصاء دقيق لحالات تعرض الأطباء للإعتداء، هناك شبه إجماع على أنها ظاهرة تغطي كل أنحاء البلاد، وتشمل المشافي الحكومية والخاصة وحتى العيادات، وفي منصات التواصل السودانية ما يكفي من القصص المنثورة عن تحول هذه العلاقة من ساحات الإنسانية إلى حلبات الملاكمة
وبتابع: "إزاء ذلك ذهبنا إلى عيادة طبيب اختصاصي قريب من المستشفى، وبعد إجراء فحوص على منطقة البطن، تبين وجود مشاكل في عملية الإغلاق، ما يعني احتمالية تكون (صديد) والتهاب حاد وخطير".
ويواصل: "أجرينا عملية ثانية في أقل من 48 ساعة على الولادة، ولكم أن تتصوروا ما كان يمكن أن يحدث في حال غادرنا إلى المنزل مباشرة".
هل قدّم أيمن شكوى في الطبيب المتابع لحالتهم؟ يرد: "طبعاً لم أفعل ذلك، الأطباء لا تتم إدانتهم من قبل الجهات المختصة (المجلس الطبي)".

أسباب ودواعي

السؤال الأهم هنا هو عن سر توتر علاقات المواطنين والأطباء في السودان؟
وهذا أمر يمكن قراءته في سياقات عديدة، أبرزها السياق الاجتماعي، حيث يقول الباحث في الدراسات السودانية، سالم مصطفى، إن مهنة الطب تُصنف بأنها إحدى أرقى المهن في البلاد، وأكثرها إدراراً للدخل، يكرّس لذلك أن نسب دخول كليات الطب هي الأعلى في نتائج القبول للجامعات.
ويضيف:" انسحب ذلك مباشرة على الأطباء أنفسهم، ومكانتهم الاجتماعية، حيث يجري وضعهم في أعلى قوائم الشرف (مجالس الأباء في المدارس نموذجاً)، بل يتم قبول عروضهم للزواج بكل سعة صدر".
ويتابع: "في المخيال الشعبي، هناك تبجيل للأطباء، يظهر ذلك جلياً في الغناء (يشتغل دكتور/ يبقي المرض ماضي/ ويعالج أمراضي/ يحقق الآمال/  ويحقق أغراضي)".
ويخلص سالم إلى أن رفع الأطباء في تلك المكانة العليّة، مع الطرق المستمر على تميزهم العالي بالنبوغ، أسهم لاحقاً في خلق فجوة كبيرة بينهم وبين المجتمع.
وزادت تلك الفجوة عقب لعب الأطباء دوراً مهماً في الثورة التي أطاحت الجنرال عمر البشير (حزيران/يونيو 1989 – نيسان/ أبريل 2019)، وهو ما يرونه أمراً يستحق تقديراً أكبر -بحسب سالم- بدلاً من مهاجمتهم عند كل موقف.
ويستدل سالم على ما يسميه حالة تعالٍ تظهر في إخفاء كثير من المعلومات الطبية عن المريض وذويه، والإكثار من التعامل باللغة الإنجليزية، أضف على ذلك المنظر المعتاد في إنخراط الأطباء بحالات دردشة وتناول للأطعمة في مقار عملهم، بل في ساعات تستدعي تحركهم السريع.
وينوه سالم بأن تصحيح تلك العلاقة يحتاج إلى وضع الطب في سياقاته الطبيعية كأي مهنة، مثله مثل المحاماة، والمحاسبة، والزراعة والفنون، وكرة القدم. حاثاً جميع الأطباء على إظهار التواضع، وعدم إغفال المسحة الإنسانية التي يفترض أن تطغى على أعمالهم.
بدوره ينكر نائب الاختصاص فؤاد عبد الكريم، تعاليهم على المجتمع، ويذكر في حديثه مع رصيف22 أن مهنة الطب في الأساس تسرقك من المجتمع، بل من الأسرة، حيث تقضي معظم الوقت بين المشافي والورديات المتواصلة والكتب الضخمة، والمؤتمرات اللانهائية.
ويشير إلى أن الأطباء رغم ذلك يؤدون رسالتهم المجتمعية بتفانٍ، فتجدهم حاضرين في معظم الأعمال الوطنية والخيرية والطوعية، ويخصصون أياماً علاجية مجانية بالمركز والولايات، وبعضهم ينشط في أداء رسالته ببيئات قاحلة وصعبة.


منحى اقتصادي

في ظل التردي الاقتصادي الكبير، وارتفاع معدلات التضخم لحدود 330% فإن الصرف على الأطباء زاد بوتيرة كبيرة.
وبلغت مصاريف القبول الخاص للراغبين في الالتحاق بكليات الطب الحكومية للعام الجاري، حوالى مليون جنيه (قرابة 3 آلاف دولار)، بينما بلغت تذكرة الدخول لمقابلة بعض الأطباء خمسة آلاف جنيه، في ظل ارتفاع جنوني لأسعار التحاليل والأدوية.
تقول أستاذة الاقتصاد سارة النويري إن ارتفاع كلفة العلاج في السودان هو أحد أهم مظاهر تراجع الاقتصاد المحلي.
مع وصول كورونا زادت الشكوى بين المرضى وذويهم، من توقف الأطباء عن أداء مهامهم خشية من العدوى بالفيروس وتوقف عدد كبير من المرافق الصحية، وهذا أدى إلى وفاة عدد من المرضى في رحلة البحث المضنية عن العلاج، ولذا لا غرو أن تسمع مقولة "من لم يمت بالكورونا مات بالإهمال"
وتنظر سارة إلى أن حاجة الطبيب لسداد فواتير تعليمه، وسعيه الدؤوب للتطوير المستمر، والعيش بمستوى محدد، واهتمامه بنوعية التعليم الذي يتلقاه أبناؤه، مع التزاماته تجاه الأسرة الكبيرة والممتدة، هذه كلها أمور تدفعه لفرض رسوم تناسب هذه الواجبات، وهو ما يكون في العادة أمر غير مقدور عليه بالنسبة لكثير من فئات المجتمع الواقعة غالبيتها تحت خط الفقر.
عند هذه النقطة يعود د. فؤاد عبد الكريم ليقول إن الأطباء يجري عادة تحمليهم أوزار الآخرين.
يفسر ذلك بالقول إن عملية الصرف على العلاج، يجري مناظرتها فقط من زاوية ما يتم دفعه للطبيب، دون النظر المتمعن لحجم الإنفاق على الصحة في الموازنة العامة، ودون النظر إلى أن الأطباء في معظمهم محض (شغيلة) في مستشفيات ومستوصفات بعضها مملوك لرجال أعمال ومستثمرين.
ويواصل: "حين يقرر مستشفى رسوماً كبيرة لبدء معاينة مريض حالته خطرة، ويشترط الدفع قبل إتخاذ أي إجراء، وبدلاً من الإحتجاج لدى إدارة المستشفى، يتم صب جام الغضب على الأطباء المناوبين، ممن يدفعون الثمن غالباً بكلمات موجعة، وتارةً بلكمات أشد وجعاً".
ويرفض عبد الكريم وصفهم باللامبالاة، ويقول إن غياب أدوات التشخيص في المشافي الحكومية يجعلنا عاجزين عن تقديم يد العون في الكثير من الحالات، ويجري إرغامنا على دفع تكاليف أي تشخيص وعلاج لا تقرهما إدارة المشافي الخاصة، وهذا ما يحول دون شروعنا في أي إجراءات طبية.
ويلخص: "توجد حالات لأطباء قضوا جراء تفانيهم في أداء مهامهم، إذاً (نحنا ضحايا في هذه العلاقة)".

بيئة سيئة

يلفت فؤاد إلى أن الأطباء يعملون ببيئات سيئة، وفي ظل نقص كبير للكادر الطبي، جراء عمليات الهجرة الكبيرة التي دفعت مسؤولاً بالنظام البائد إلى القول (السودان يصدر الذهب والنبق والدكاترة).
ويستطرد: "ذلك وضع يجعلنا نضع أطباء الامتياز في أقسام الطوارئ ذات الطبيعة الحساسة، وبالتالي نعرضهم لمشكلات كبيرة، ولكن لعن الله نقص الكادر والمعينات".
ويؤكد أن كل هذه الضغوط مضاف إليها التعامل مع جمهور كبير من المرضى والمرافقين، يجعله يبحث عن فرصة للهجرة شأنه شأن بقية الزملاء، هروباً من هذا الواقع القاتم، إلى دول مقتدرة تحترم الطب والأطباء.

روشتة علاج

كيف يمكن علاج الالتهاب الذي يصيب نسيج العلاقة بين الأطباء والمواطنين؟ يرد الباحث في الدراسات السودانية، سالم مصطفى، بأن ذلك أمر يحتاج إلى خلق ندية في العلاقة بين الطبيب والمريض، بحيث يعود الطب إلى تعريفه الإنساني المتمثل في تقديم يد العون للمجتمع وأفراده، بالتركيز في الكليات الطبية على مناهج التعاطي السليم مع المرضى، واحتمال ضغوط العمل المتزايدة.
وترى استاذة الاقتصاد سارة النويري أن العلاج يتمثل في مزيد من الإنفاق والصرف على قطاع الصحة، وفي الارتقاء الرأسي بالتعليم الطبي وجعله يتناسب مع حاجة سوق العمل المحلية بدلاً من التوسع الأفقي الكبير في الكليات الطبية.
بدوره يعتقد نائب الاختصاصي فؤاد عبد الكريم أن الحل يكمن في تأهيل مشافٍ حكومية مجهزة، وفي ظل تواجد دائم للاختصاصين لا سيما في أقسام الطوارئ، وفي تحصين الأطباء بقانون حماية رادع.
أما أيمن مكي فحمل لواء المواطن المغلوب على أمره بالقول إنه يريد حين يتوجه للمستشفى أن يشعر بأنه في أيدٍ أمينة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard