إن لم نستطع المحاكمة عبر القضاء لم لا نستعمل المسرح؟

الاثنين 22 مارس 202110:57 ص

بعد ما يقارب الشهر من انطلاق الثورة اللبنانية عام 2019، نفّذ مجموعة من النشطاء، في ساحة رياض الصلح وسط بيروت، مسرحية بعنوان "محكمة الثورة"، من أجل محاكمة من سرق المال العام، وقد لبس القضاة والمدعي العام العلم اللبناني.

محكمة الثورة- ساحة رياض الصلح 

وحكم القضاة الممثلون على أحد الفاسدين بالإعدام وسط الساحة، في إشارة إلى ما يتطلّعون إليه ويحلمون به في حراكهم، وهو محاسبة الفاسدين الذين تسببوا بالأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد. لم يحمل خبر الحدث الذي نشرته العديد من وسائل الإعلام تفاصيل أكثر: عن اسم الفرقة المسرحية، أو هل طالت المحاكمات أسماء فاسدين بعينهم، أم أنها حاكمت فاسداً كرمز مطلق؟ وهل عالجت قضية محددة من قضايا الفساد من لبنان، أم أنها مجرد محاكمة للفساد المطلق رمزياً؟

محكمة الثورة- ساحة رياض الصلح 

في لقاء خاص مع رصيف 22 أخبرتنا الممثلة هلا الترك، دور محامية الدفاع في العرض: "ليس للفرقة المسرحية اسم، إنما نحن طلاب جامعيون اجتمعنا في ساحات الثورة، وكل منا تعرف على الآخر إما من خلال الجلسات الحوارية أو غيرها من النشاطات الثورية. المحكمة كانت تتناول الفساد بشكل عام، ولكن خلال العرض تم ارتجال بعض الجمل التي تركز الى قضايا مثل اختلاس المال العام وغيرها من القضايا".

بعد ما يقارب الشهر من انطلاق الثورة اللبنانية عام 2019، نفّذ مجموعة من النشطاء، في ساحة رياض الصلح وسط بيروت، مسرحية بعنوان "محكمة الثورة"، حكم فيها القضاة الممثلون على أحد الفاسدين بالإعدام في إشارة إلى ما يتطلّعون إليه ويحلمون به في حراكهم

الجمهور يتأثر ويهاجم ممثل الفساد

تساعدنا الصور والفيديوهات المتفرقة عن هذا النشاط المسرحي على تبيان أن المجموعة نصبت قفصاً حديدياً كسجن للمتهم، وضعوا منصة للقضاة مرتفعة عن الأرض، بينما وقف المحامون على مستوى الشارع خلف منابر خشبية بسيطة، لتجري أحداث المرافعات أمام الجمهور: يحضر المتهم، يتكلم الادعاء والدفاع. ومن الملفت في الخبر المنشور عن هذا العرض، الإصرار على أن اللجنة القضائية أصدرت حكمها بالإعدام، رغم أن جرائم الفساد لا تصل الجنح فيها إلى حكم الإعدام المحصور في القانون اللبناني في الجرائم "الخطيرة"، حسب التعبير القانوني. تضيف الترك في هذا الخصوص:

"حكم على الفاسد بالإعدام نظراً لتعطش الشعب لرؤية أي مسؤول يحاكم في العلن، وأن يطبق الحكم بحقه أمام أعينهم"، وتضيف تفصيلاً هاماً يشرح أثر هذا العرض المسرحي على الجمهور: "إن بعضاً من الجمهور شعر بالحماس وحاول فعلاً 'ضرب' المسؤول على سبيل المزاح".

أمام يأس المجتمع السوري واللبناني من الأجهزة القضائية في الكشف عن عدة قضايا وجرائم، ليس أولها مجازر العنف والسلاح الكيميائي في سورية، وليس آخرها انفجار مرفأ بيروت، يُطرح التساؤل عن إمكانية اتفاق مجتمعي على أن يقوم المسرح بدور المحاكمة. طبعاً، لا يمكن للمسرح أن يصدر أحكاماً قضائية، لكنه يمكن أن يسهم في الحقيقة، وبالتالي، يمكن على الأقل الوصول إلى الحقيقة دون القدرة على تطبيق العدالة، كما هو الحال في المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري أو في عملية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

الجمهور بدور القضاء

منذ بداياته الإغريقية استعمل المسرح في المحاكمات العامة، وخصوصاً مع ظهور الكوميديا التي استعملت تقنيةl’agon ، والذي يكتب عنه المسرحي روجيه عساف: "هي نوع من المشاجرة أو التعارك بين ممثلين اثنين أو بين قسمي الجوقة أو بين الممثلين والجوقة. ويتخذ هذا المشهد المركزي شكل مبارزة كلامية حافلة بكل أساليب البلاغة، من التنميق إلى الابتذال، كان يستعملها أريستوفان ليخلق مناظرات جدلية بين شخصيات حقيقية، ويعرضها ليتخذ الجمهور موقفه منها، كما هي الحال المناظرة الأدبية بين منافسيه من كتاب التراجيديا، كاسخيليوس ويوربيديس في مسرحية 'الضفادع'".  

كما كرس السرياليون فكرة المحاكمات الفنية العلنية، حيث يجتمع كامل أعضاء الجماعة السريالية لمناقشة إبقاء أو فصل أحد المنتمين إلى السريالية، على أن يجري الأمر علنياً وينشر في الصحافة والإعلام، وبما أن ليس لهذه القرارات بعداً إدارياً رسمياً، فإنها تبقى في إطار استعمال الفن للمحاكمة، طرد إثر هذه المحاكمات سلفادور دالي، ولاحقاً لويس آراغون وآخرون. بعد انفجار مرفأ بيروت بأربعة أيام، خرجت مظاهرات كبيرة حمل المتظاهرون فيها مشانق كرتونية، علقت عليها دمى وصور كرتونية للزعماء السياسيين والطائفيين. لم نشهد المحاكمة، لكن مباشرة تنفيذ الحكم علناً، تعني أن الجمهور المتظاهر هو الهيئة القضائية.

المحكمة في سوق شعبي

في الستينيات من القرن العشرين، ينصب المؤلف المسرحي الإيراني بهرام بيضائي، في مسرحيته "محكمة العدل في بلخ"، محكمة في سوق شعبي، وقد اختار من مدينة بلخ ساحة شعبية تقع في وسط المدينة، حيث يتوافد الباعة والمتجولون نهاراً. واختار أن تكون محكمة العدل المسرحية مطلة على هذه الساحة، وهذا أمر طبيعي، فالمحكمة يجب أن تكون قريبة من الناس وواقعة وسط المدينة.

إن المؤلف لا يعمد إلى العرض النقدي المباشر بسبب هامش الحرية النقدي الضيق في إيران، لكنه يجعل من المسرحية نقداً للواقع الحاضر بصورة الماضي الغابر، متخذاً الرمز وسيلة. تكشف لنا هذه المسرحية عن الخلل الذي يصيب القضاء عند تدخل أجهزة الشرطة والجيش والأجهزة الأمنية في عمله، ومن ثم تكشف لنا الفساد في السلك القضائي نفسه.

فالصراع في المسرحية يتم بين قاضٍ عادل وقاضٍ فاسد، أما رئيس المخفر فيمثل رمزياً السلطة الظالمة التي تجني من الشعب ما يحلو لها من أموال وأعراض، وكبير العسس رمز للرشوة المتفشية والعبث بمقدرات الشعب وأمنه. ومن بين الشخصيات حيدر، رمز لثورة الشباب اليقظ ضد الظلم، وهناك الحمال بخش، رمز الشعب المقهور النابع من الواقع المرير.

أمام يأس المجتمع السوري واللبناني من الأجهزة القضائية في الكشف عن عدة قضايا وجرائم، ليس أولها مجازر العنف والسلاح الكيميائي في سورية، وليس آخرها انفجار مرفأ بيروت، يُطرح التساؤل عن إمكانية اتفاق مجتمعي على أن يقوم المسرح بدور المحاكمة

لا تهدف هذه المسرحية إلى المحاكمة، بل الكشف عن الفساد في العلاقة بين السلطات الحاكمة وبين القضاء، وكيفية عمل القضاء من الداخل، وتجسد المسرحية كل ذلك بمأساة ساخرة مؤلمة، أدخل فيها المؤلف مشاهد الفكاهة.

مداولات الهيئة القضائية على المسرح

كذلك الأمر في مسرحية "12 رجلاً غاضباً" للكاتب الأمريكي ريجينالد روز، تجري أحداثها في قاعة المحلفين في محكمة الجنايات التابعة للمنطقة، في احدى مدن شرق الولايات المتحدة، وهي مسرحية من فصل واحد، شخصياتها بالكامل هم لجنة المحلّفين الذين يتناقشون في الحكم النهائي الذي يجب اتخاذه حيال القضية المعروضة عليهم.

ومن خلال الحكاية نتعرف على النقاشات التي تدور بين أعضاء لجان التحكيم القضائية أو المحلفين، وكيف تلعب قوة الإقناع والأساليب اللغوية دوراً في تغيير القرارات والأحكام بأكثر مما هي غايات البحث عن الحقيقة أو العدالة. وكما سابقتها، هي مسرحية تلجأ لتجسيد المحاكمة لكن للكشف عن آليات عمل المحاكم من الداخل.

في المسرحيات السابقة تكون الجرائم والقضايا تخييلية، أما مسرحية "آلهة البرق" للكاتب الأمريكي ماكسويل أندرسون، فهي تجسّد أمامنا أحداث قضية حقيقية وقعت في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة، واستمرت هذه المحاكمة سبع سنوات، وامتدت على ولاية أكثر من رئيس أمريكي بين عامي 1920 و1927، وانتهت بإعدام المتهمين فيها، وهما نيكولا ساكو وبارثلو ميو فانزيني، وكما هو واضح من اسميهما فهما أمريكيان من أصل إيطالي، بتهمة القتل لصراف ومساعده من أجل السرقة.

تكشف المسرحية الحقيقة من وراء تلفيق التهمة على هذين المناضلين الناشطين في الحركة الفوضوية حينها. لقد أثبتت التحقيقات القضائية والوقائع المحيطة بهذه المحاكمة، أن التهمة ثبتت على هذين المتهمين لنشاطاتهما الحزبية الأناركية التي كانت مكروهة من قبل السلطات، والتي سرعت مسار اتهامهما وتنفيذ عقوبة الإعدام فيهما رغم الاعتراضات الشعبية الواسعة، وخصوصاً جماعات الاشتراكيين والراديكاليين، على الحكم في حينها، لكن السلطات رفضت طلبات إعادة المحاكمة.

إذن، تعيد المسرحية تجسيد القضية، بالوثائق والمداولات القضائية، لتكشف أن السبب الرئيسي لحكم الإعدام هو محاولة الحد من انتشار الفكر الفوضوي في الولايات المتحدة في تلك الفترة المعادية بقوة للفكر اليساري والفوضوي.

الفارق بين الحقيقة والعدالة

في مسرحيته، "Requiem pour une nonne"، ترجمت إلى العربية بعنوان "جنّاز لراهبة" وأيضاً بعنوان "صلاة إلى بتول"، يحول الكاتب ألبير كامو المسرح إلى محكمة، وغاية هذه المسرحية العميقة هي التمييز الكامل بين الحقيقة والعدالة. لقد استلهم كامو هذه المسرحية من رواية الأمريكي ويليام فوكنر، التي تحمل العنوان ذاته. في تلك الفترة، أثّرت مقالات المسرحي أنطونان آرتو، عن مسرح القسوة والعنف وفن الصدم للجمهور، في فكر كامو المسرحي.

تكتب الدكتورة رحاب عكاوي عن هذه الفترة من مسرح كامو: "اتسمت مسرحيات كامو في حينها بأنها تعالج أوضاعاً تكون فيها الشخصية الرئيسية، منذ البداية، قد كتب عليها الموت، فهي ضحية قتل جماعي، وهي مشاركة في هذا القتل عن وعي أو غير وعي، مشاركة عن رضا". ومسرحية "جنّاز لراهبة" لا تخرج عن هذا الإطار، فالشخصية الرئيسية، نانسي مانيغو، تتمنى موتها. إنها ضحية شعائرية راضية، ولو أنها ليست بريئة، يجري شنقها حسب طقوس المجتمع المقدسة كلها.

لا يمكن للمسرح أن يصدر أحكاماً قضائية، لكنه يمكن أن يسهم في الحقيقة، وبالتالي، يمكن على الأقل الوصول إلى الحقيقة دون القدرة على تطبيق العدالة، كما هو الحال في المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري أو في عملية اغتيال الصحفي جمال خاشقجي

في هذه المسرحية ندرك أن نانسي مانيغو، وهي "زنجية" حسب نص فوكنر وكامو، قد أقدمت على قتل طفلة العائلة سيتفنس، في مدينة جيفرسون الأمريكية، وهي مذنبة حسب القانون، لكن حسب العدالة فإن هذه المربية قد أقدمت على قتل الطفلة لتنقذها من المصير التي يرسمه لها والدها.

ليست المسرحية دفاعاً عن المجرمة، بل الخطة الأساسية للمسرحية هي تحويل المسرح إلى قاعة محكمة، حيث يحاكم الناس، تسأل الأسئلة، تقدم الشهادات وتتلى القرارات. وكذلك تبيان المواجهة بين الخادمة والسيدة للتعبير عن علاقة رمزية مغروسة في تاريخ الجنوب الأمريكي الطويل. تبين الدكتورة عكاوي أن الخادمة المجرمة المذنبة هي التي تثير خيال كامو في المسرحية وليس الأسرة المالكة التي فقدت طفلتها.

أما الناقدة جرمين بري، فقد كتبت عن الخادمة القاتلة: "إنها آلهة سمراء دخلت عالم كامو المسرحي، إنها جسد الإنسانية الراعش الصامت الغامض، الذي هو هم كامو الأول في مسرحياته الأصلية. إن موضوعه الدرامي الرئيسي هو سقوط الفرد أو المجتمع عندما يفقد التماس مع لغز الوجود الإنساني الملموس".

محاكمة الإنسانية والعلم والقنبلة النووية

مسرحية "قضية روبرت أوبنهايمر" من المسرحيات الهامة في تاريخ المسرح الألماني المعاصر، وبخاصة في إطار الأدب الملتزم، وعلى وجه التحديد، المسرح السياسي في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهي تدور حول الجلسات التي عقدتها لجنة الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية، للتحقيق مع روبرت أوبنهايمر، عالم الفيزياء التي ارتبط اسمه بصناعة القنبلة النووية، والذي لقب بأبي القنبلة الذرية، لأنه كان المسؤول لسنوات عديدة عن مركز البحوث النووية الأمريكية حتى عام 1954، ثم عمل أستاذاً في جامعة برينستون.

من عروض مسرحية "قضية روبرت أوبنهايمر"

كان أوبنهايمر قد شارك مشاركة فعالة في صناعة القنبلتين الأميركتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين. أما محاكمته فهي تجري لأنه بعد إلقاء القنبلتين، تردد في إطلاق مشروع إنتاج القنبلة الهيدروجينية الجديدة، وأدى تردده الأخلاقي هذا إلى تأخر حصول الولايات المتحدة على القنبلة الهيدروجينية مقابل الاتحاد السوفيتي التي حصل عليها باكراً.

من عروض مسرحية "قضية روبرت أوبنهايمر"

جوهر المسرحية هو دور العلم، والعلاقة بين الاكتشافات العلمية والأخلاق الإنسانية. إن تردد أوبنهايمر الأخلاقي في ابتكار أسلحة الدمار الشامل هي التهمة الموجه للعالم: "هل ولاؤك للإنسانية أم للحكومة الأمريكية أكثر؟"، تطرح لجنة التحقيق السؤال. وهكذا، يفرض على أوبنهايمر الفصل بين آرائه الذاتية ومهمته العلمية الوظيفية، فيرد أوبنهايمر: "هذا الفصل معناه أن يتحول العالم والمخترع إلى آلة بلا ضمير، بلا قلب، بلا قدرة ذاتية على الحكم الأخلاقي أو الجمالي". وتتضمن المسرحية العديد من أفضل وأعمق الحوارات التي تناقش العلاقة بين المهنة، العلم والأخلاق.

المسرح الوثائقي

تحتل مسرحية "قضية روبرت أوبنهايمر" مكانة بارزة في تاريخ المسرح، كونها من أبرز المسرحيات التي كرست وطبّقت نوع المسرح الوثائقي الجديد. وهو الذي يستعمل فيه صناع المسرح الوثائقي، التقارير، محاضر التحقيق، ملفات إدارية، رسائل واحصائيات، وذلك ليس في كتابة المسرحية فقط، بل بعرضها على الجمهور خلال السرد المسرحي.

في عام 2019، قدمت المخرجة المسرحية اللبنانية سحر عساف بالتعاون مع مبادرة العمل المسرحي في الجامعة الأميركية في بيروت، وبالشراكة مع منظمة "كفى"، مسرحية بعنوان "لا عرض ولا طلب"، وتناول العرض قضية أكبر شبكة للدعارة والاتجار بالبشر في لبنان، استغلت الشبكة 75 امرأة سورية.

من عروض مسرحية "لا عرض ولا طلب"

وقد وظف هذا العرض تقنيات المسرح الوثائقي، حيث عرض على الجمهور على خشبة مسرح "زقاق" الوثائق المتعلقة بمحاكمة الجناة، من الأدلة الخاصة بالجريمة إلى محاضر التحقيق التي قامت بها الأجهزة الأمنية، وكذلك الأوراق القضائية الخاصة بالدعوة لكل متهم على حدة، كما أنها دمجت مقالات من الصحف وأبحاث استقصائية نشرت في الإعلام، إضافةً إلى ذلك، استعملت المسرحية تقنية التوصيل المسجل، حيث تلت المؤديات شهادات كتبتها الناجيات من جحيم شبكة الدعارة، اللواتي كتبن شهاداتهن لتلقى على الجمهور، ليس مباشرة، بل من قبل المؤديات.

إن الفن الأكثر تأثيراً لا يصدر أحكاماً قطعية، بل يترك للجمهور مهمة تشكيل الآراء وتكوين الأحكام. بهذه الطريقة يمكن للمسرح والفنون الأخرى اليوم أن تسهم في الكشف عن الجرائم التي تطوّق بعض الشعوب لمعرفة حقيقتها، كجزء من محاولات تطورها التاريخي نحو الأمام

من عروض مسرحية "لا عرض ولا طلب"

لا يمكن الحديث عن المسرح كمحاكمة دون التوقف عند التجربة الأساسية المعاصرة التي تطبق هذه الفكرة، وهي تجربة المسرحي السويسري ميلو راو، والذي اتبع مسرح المحاكمة في العروض التي ينتجها ويقدمها في مؤسسته المسرحية التي تحمل اسم "المعهد الدولي للجرائم السياسية". قدم ميلو راو المسرح كمحاكمة في العديد من الأعمال منها "محاكمات موسكو، محاكمات الكونغو، حوارات برلين".

وتجربته هي من أبرز التجارب في المسرح كمحاكمة، من حيث إنه يجلب إلى المسرح الأشخاص الحقيقيين المتعلقين بالقضية: محامي الدفاع عن أحد جنرالات مجزرة رواندا، فرقة الروك الروسية التي حوكمت لغنائها في الكنيسة أغانٍ ضد الحرب في سورية، مقاتلين وعمال مناجم في الحرب الكونغولية الضروس التي يعتبرها البعض الحرب العالمية الثالثة مع 6 ملايين ضحية. وكنا قد نشرنا في رصيف 22 ثقافة مقالاً عن تجربة هذا المسرحي المميزة والرائدة.

دور الفن بين الحقيقة والعدالة

يسير المخرج ديغول عيد، حاملاً الكاميرا بتسجيل حي، باتجاه رجل خارج من بيته للتو:

- "مرحباً، عرفتني؟"

- " لا"

- "أما أنا فلم أنسك. أنت قتلت أهلي".

هكذا ينتهي الفيلم اللبناني "شو صار؟" الممنوع من العرض للمخرج ديغول عيد، الذي يعود فيه المخرج بعد ثلاثين عاماً إلى قريته عبدل في الشمال اللبناني، لاستعادة أحداث المجزرة التي وقعت على عائلته حين كان عمره 10 سنوات. نجى المخرج، الطفل حينها، من واحدة من مجازر الحرب الأهلية اللبنانية، وحين احترف صناعة الأفلام عاد إلى ذاكرة الحدث لسرده سينمائياً، لتوصله التحقيقات والأبحاث التي يجريها في الفيلم إلى الجاني "الفعلي" المساهم في ارتكاب الجريمة، الذي يقرر المخرج مواجهته بالتهمة مباشرةً عبر كاميرا الفيلم.

يرد النقيب داني أبو جودة، شعبة السينما بدائرة البث المرئي والمسموع في الأمن العام اللبناني: "إن منع الفيلم تم بدعوى قضائية رفعتها الشخصية المتهمة داخل الفيلم بأنه القاتل"، ما يعني أن منع الفيلم تم بسبب توجيه تهمة مباشرة لشخص خلال التصوير الحي للفيلم، ما يسمح للشخصية المصوّرة المتهمة بالطلب قضائياً بمنع عرضه.

إن هذه التجربة تبين أن الفن لا يمكنه أن يسهم في تحقيق العدالة، أو إصدار الأحكام وتنفيذها، لكنه يسهم في البحث والكشف عن الحقيقة. وعلى أي حال، فإن الفن الأكثر تأثيراً لا يصدر أحكاماً قطعية، بل يترك للجمهور مهمة تشكيل الآراء وتكوين الأحكام. بهذه الطريقة يمكن للمسرح والفنون الأخرى اليوم أن تسهم في الكشف عن الجرائم التي تطوّق بعض الشعوب لمعرفة حقيقتها، كجزء من محاولات تطورها التاريخي نحو الأمام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard