دبلوماسية الدجاج... من بوش الأب إلى أردوغان

الأحد 14 مارس 202101:40 م

على نحو ساخر ومؤلم في الوقت نفسه، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في تونس، في 12 آذار/ مارس، بصور حفل في إحدى القرى القصيّة، غرب البلاد، وُزعت فيه أقفاص دجاج وعلف للطيور تحمل العلم التركي، على سكان القرية من النساء، تحت عنوان "مشاريع صغرى''.



دافِع السخرية لم يكن في حركة المساعدة، على تواضعها، بل من حجم التغطية الإعلامية التي رافقت الحدث، فقد انتشرت صور على عشرات صفحات الفيسبوك القريبة من تركيا، وخاصة صفحات التيار الإسلامي، في نوع من الاحتفاء بهذه "المشاريع"، التي تمثلت في منح "27 دجاجة وثلاثة ديوك لكل مستفيدة".

وتجاوز الأمر فيسبوك نحو مواقع تركية ناطقة بالعربية، فيما زادت الوكالة الحكومية التركية للتعاون والتنسيق المعروفة اختصاراً بـ"تيكا"، والتي قامت بتوزيع الدجاج على النساء القرويات، في طنبور الدعاية نغماً، بعد أن أصدرت بياناً رسمياً بشأن "المشاريع"، وزعته وكالة الأنباء الرسمية "الأناضول" وأعلنت فيه عن "مد يد العون لقرويات تونسيات".

وقالت الوكالة إن المشاريع "جاءت بالتعاون مع المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالقصرين (غربي تونس)، التابعة لوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري التونسية"، وأوضحت أن المشاريع "جاءت لصالح 30 امرأة ريفية بمنطقة العيون في الولاية، وتضمنت تزويدهن بمعدل 27 دجاجة و3 ديوك لكل مستفيدة".

تيكا... القوة الناعمة التركية

لا شيء خارج السياسة في نظر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: الدين والجغرافيا والثقافة وحتى العمل الخيري. لذلك أصبحت السياسات التركية مثاراً للجدل في كل مكان، وأكثرها جدلاً اليوم، في تونس وفي كثير من الدول الإفريقية، هي أعمال "تيكا" التي باتت تمثل الذراع "الخيري" للسياسة الخارجية لأردوغان.

تأسست "تيكا" عام 1992، في عهد الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال، في سياق العودة الخجولة إلى البلقان، بعد الفراغ الذي تركه انهيار الاتحاد السوفياتي، كأداة جديدة تخدم سياسة خارجية تركية استباقية للاقتراب من الجمهوريات التركية المستقلة الجديدة (أذربيجان، أوزبكستان، تركمانستان، قيرغيزستان، كازاخستان)، أو الدول المجاورة الجديدة، ولا سيما في البلقان.

هدفت الوكالة إلى تعزيز "النموذج التركي" والاستجابة للتحديات العديدة التي واجهتها هذه الدول الجديدة في ذلك الوقت، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومع ذلك، ظل نشاطها معتدلاً إلى حد ما خلال العقد الأول. وإلى حدود العام 2002، كان لدى تيكا 12 مكتباً فقط في الخارج، كلها في آسيا الوسطى والبلقان.

ومع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة، أصبحت السياسة الخارجية التركية أكثر نزوعاً إلى التوسع من خلال "سياسات حسن الجوار والتعاون"، التي نظّر لها وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو، إذ كان يعتقد أن القوة التعاونية الناعمة لا تقل أهمية عن قوة القيادة الصلبة، وأنه إذا تمكنت دولة ما من جعل سلطتها تبدو مشروعة في نظر الآخرين، فستواجه مقاومة أقل لرغباتها، وإذا كانت ثقافتها وأيديولوجيتها جذابة، فسيتبعها الآخرون بمحض إرادتهم.

خلال هذه الحقبة، توجهت تركيا نحو بناء شبكات التأثير في الخارج من خلال شبكات دينية ومدنية، من بينها وكالة "تيكا". كانت أنقرة تريد أن تنتقل من مجرد قوة إقليمية نشطة، لتؤكد نفسها كدولة ناشئة ترغب في أن يكون لها تأثير على الساحة الدولية.

وفي هذا السياق، تعدَّلت القوانين المنظمة للوكالة ومُنحت نظام تنسيق مع المؤسسات الدبلوماسية والمنظمات غير الحكومية الأخرى، وصارت تكتسب دوراً مركزياً في تنظيم مساعدات التنمية، ومنذ نيسان/ أبريل 2005، روّج رئيس الوزراء حينذاك رجب طيب أردوغان لـ"تيكا"، باعتبارها المؤسسة الوحيدة المسؤولة عن تنسيق المساعدات العامة لتنمية تركيا.

وعام 2011، أصبح للوكالة كيانها القانوني الخاص ولديها ميزانيتها الخاصة من أجل تنفيذ عملياتها المختلفة وهي: "تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والفنية والاجتماعية والثقافية والتعليمية في البلدان المتلقية للمساعدات" وتقديم المنح الدراسية والدعم للمسؤولين والأفراد الذين يأتون إلى تركيا للتدريب أو المشاركة في برامج تعاون ثقافي، والتعاون مع المراكز التي تقوم بأنشطة تتعلق بالثقافة التركية.

واللافت أيضاً دور "تيكا" في "دعم البلدان التي تربط تركيا بها روابط تاريخية وجغرافية واجتماعية وثقافية بغض النظر عن مستوى تنميتها"، أي الدول التي كانت تابعة للدولة العثمانية كتونس والجزائر وليبيا ومصر وبلاد الشام والعراق.

المشاريع "الرائدة" التي نفّذتها الوكالة التركية في تونس، من خلال توزيع "27 دجاجة وثلاثة ديوك" على 30 مستفيدة، لم تُعد بها اختراع عجلة "دبلوماسية الدجاج"، فقد سبق أن دشنها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في نهاية ثمانينيات القرن الماضي

وبحسب بيانات نشرتها الوكالة، وصل عدد مكاتب برامج التنسيق الخاصة بها من 12 في عام 2002 إلى 25 عام 2011، ثم ارتفع إلى 33 بحلول عام 2012، أي خلال فترة اندلاع الثورات العربية التي استغلتها تركيا بقوة لتغيير نهجها السياسي من "صفر مشاكل مع الجوار" إلى "سياسات توسعية" مباشرة في ليبيا وسوريا، وغير مباشرة في تونس والقرن الإفريقي والسودان وغرب إفريقيا.

وتقول الوكالة إنها تقوم اليوم "بمواصلة أنشطتها عبر 62 مكتباً تنسيقياً في 60 دولة، وتشمل نشاطاتها حوالي 150 دولة، بعد أن رفعت تركيا من حجم مساعداتها التنموية من 85 مليون دولار أمريكي في عام 2002 إلى ثلاثة مليارات و913 مليون دولار في عام 2015 ومن ثم إلى 8.7 مليار دولار في عام 2017.

وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت الوكالة تتخذ من إفريقيا مجالاً لعمل أكثر عمقاً، إذ تنتهج تركيا استراتيجية شاملة في القارة تستند إلى ركائز سياسية ودينية واقتصادية وتعليمية وثقافية. ففي الشمال، تحاول العمل على زيادة التأثير التركي في الولايات "العثمانية السابقة"، وفي جنوب الصحراء تحاول الاستفادة من العامل الديني لتحقيق أسبقية على المنظمات الخيرية الدولية.

وأصبح لتركيا حوالي 20 مكتباً منذ عام 2016 في أهم العواصم الإفريقية، في كوناكري ودار السلام ودجوبا ومابوتو وموروني وبريتوريا، وأصبحت تلعب في العمق الاستراتيجي الفرنسي التاريخي. حتى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبّر عن خشيته من هذا التمدد التركي في غرب إفريقيا، متهماً في مقابلة صحافية، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تركيا باتّباع "استراتيجية" تهدف إلى تأجيج مشاعر معادية لفرنسا في إفريقيا، واستغلال "نقمة ما بعد حقبة الاستعمار".

دبلوماسية الدجاج

المشاريع "الرائدة" التي نفّذتها الوكالة التركية، من خلال توزيع "27 دجاجة وثلاثة ديوك" على كل مستفيدة، لم تُعد بها اختراع عجلة "دبلوماسية الدجاج"، فقد سبق أن دشنها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، عندما توجه "القناة الهضمية السوفياتية"، كما وصفته إحدى الصحف في ذلك الوقت، ليحقق اختراقاً أمريكياً كبيراً في خاصرة الخضم الشيوعي المريض.

ويُذكَر أن الوكالة التركية تأسست على شاكلة "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" (USAID)، شكلاً ومضموناً.

في آخر أيام الاتحاد السوفياتي، أبرمت الولايات المتحدة صفقة لإرسال كميات كبيرة من أفخاذ الدجاج الأمريكي السمين إلى روسيا. كانت "أرجل بوش" ضخمة وبيضاء على عكس الدجاج السوفياتي المصاب بالهزال، في مفارقة شديدة الرمزية

بدأت القصة في الشوط الأخير من عمر الاتحاد السوفياتي. في ذلك الوقت، كانت الدولة العظمى تتحلل شيئاً فشيئاً، وسلسلة الإمداد الغذائي تنهار، وكان الروس يقفون في طوابير طويلة للظفر ببعض المواد الأساسية. وفي عام 1990، أبرمت الولايات المتحدة صفقة لإرسال كميات كبيرة من أفخاذ الدجاج الأمريكي السمين، لأن الأمريكيين يفضلون صدور الدجاج، وأعلن عن الصفقة في وسائل الإعلام على أنها من "ثمار التعاون الجديد بين الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس بوش، وميخائيل غورباتشيف رئيس الاتحاد السوفياتي"، وأصبح الاسم الشعبي للبضاعة الأمريكية الجديدة في أسواق موسكو "أرجل بوش".

كانت "أرجل بوش" ضخمة وبيضاء ومعالجة بالكامل بالمكملات الغذائية، والأهم أنها كانت متوفرة بكميات كبيرة في الأسواق الروسية وبأسعار مقبولة، على عكس الدجاج الروسي المصاب بالهزال، والباهظ الثمن. كانت ثورة الدجاج الأمريكية القوية شديدة الرمزية في مقابل هزال الدجاج السوفياتي، لكأنها تلخص الصراع السياسي بين معسكرين، أحدهما يسير نحو حتفه والآخر يزداد قوة.

ولم تنتهِ حقبة البيريسترويكا (1985-1991) حتى استوردت روسيا حوالي 40 في المئة من أفخاذ الدجاج الأمريكي، ليدخل مصطلح "دبلوماسية الدجاج" حيّز التداول الإعلامي، وليتسرب لاحقاً إلى الحقل الأكاديمي في توصيف العلاقات بين واشنطن وموسكو في تسعينيات القرن الماضي، حاله حال العديد من المصطلحات السياسية التي ارتبطت بالأطعمة كـ"جمهوريات الموز" أو " حرب الشاي" أو "حرب التوابل".

لم يدم الهوس الروسي بأرجل بوش طويلاً، وبحلول عام 2000، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشتكي من استخدام الأمريكيين للمضادات الحيوية والهرمونات والتعقيم في الدجاج الأمريكي، وإلى ذلك التاريخ كانت روسيا قد استحوذت على 22 في المئة من صادرات الدجاج الأمريكية، لكن المخاوف بشأن الجودة أدت إلى تقليص الواردات الروسية.

ويبدو أن جورج بوش الابن أُعجب بأسلوب والده الدبلوماسي، وحاول أن يعيد إنتاج "دبلوماسية الدجاج" مرة أخرى في عراق ما بعد صدام حسين. يشير الموظف السابق في السلك الدبلوماسي الأمريكي، بيتر فان بورين، في مذكراته "قصدنا حسناً: كيف ساعدت في خسارة المعركة من أجل قلوب وعقول الشعب العراقي" (2001)، في فصل بعنوان "دجاج الدجاج"، إلى الجهود المبذولة لإحياء صناعة الدجاج المجمد العراقية.

ويصف فان بورين التمويل السخي الذي تلقاه مصنع دجاج عراقي من واشنطن للحصول على معدات جديدة وتوظيف أشخاص، ليتضح لاحقاً أن المصنع كان بلا قيمة، فلم تكن فيه ثلاجة لأنه لم يكن فيه كهرباء، مما يجعل فكرة مصنع الدجاج المجمد محل نقاش.

ولكن بدلاً من الاعتراف بالفشل، أنشأ فان بورين وفريقه بالفعل مصنعاً مزيفاً عند قيام كبار الشخصيات بجولة، وتوظيف أشخاص عشوائيين للجلوس على خط الإنتاج أثناء معالجة دجاج لا قيمة له ولا يمكنهم بيعه أبداً، وكل ذلك لإقناع وفد أو إدارة في الكونغرس بأن الاقتصاد العراقي كان مزدهراً تحت الاحتلال الأمريكي.

ولحقت السمعة السيئة للدجاج الامريكي المجمد أفغانستان. فقد حاولت حركة طالبان حظر بيع الدجاج المجمد، وبل وقامت بحملة غير مسبوقة عام 2010 في ولاية غزنة، جنوب غرب العاصمة كابول، ضد الدجاج الأمريكي الذي أغرق أسواق الولاية، لاعتبارات دينية تتعلق بطريقة ذبحه المخالفة للطريقة الإسلامية.

"دبلوماسية الدجاج" التي اتبعتها عائلة بوش وسار على نهجها أردوغان لا تقلّ غرابة عن حادثة أخرى حصلت في تونس منذ أيام وأطلق عليها نشطاء على الشبكات الاجتماعية اسم "دبلوماسية النبيذ"، بعد أن "تداولوا رسالة توجهت بها وزيرة الفلاحة والموارد المائية إلى المدير العام للاتحاد المركزي لتعاضديات الكروم (أكبر تجمع لصناعات الخمور) تطلب فيها منه أن يهبها عشرين زجاجة نبيذ لتقديمها كهدايا للسفراء بمناسبة العام الجديد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard