"تسعى لخلق جيل متصالح مع دورها"... طلاب عرب يحكون عن تجربتهم مع المنح التركية

السبت 7 نوفمبر 202011:21 ص

كانت رحلة خروج مروان وادي من قطاع غزة أشبه بالحلم إلى أن حلّ صيف عام 2017، وذلك عندما تمكن من الوصول إلى مصر ومنها إلى الهند وماليزيا فتركيا.

يتنقل مروان منذ أعوام بين غرف متواضعة في مدينة قيصرية، وسط تركيا، وهو واحد من آلاف العرب الذين يتواجدون في تركيا بغرض الدراسة، رغم أن مستوى التعليم التركي يأتي في مرتبة متأخرة إذا ما قُورن بالمستوى في دول غربية اعتادت تقديم منح دراسية، لكن "فيما كانت المنح الغربية تتطلب شروطاً تعقيدية، قدمت تركيا نفسها كخيار مؤات عام 2012؛ عندما طرحت آنذاك ما يسمى بـ′المنحة التركية′"، كما يقول مروان.

مروان وادي

على مدار السنوات الثماني الأخيرة، حظيت الأشهر الثلاثة الأولى من كل سنة؛ باعتبارها موعد تقديم طلبات المنحة التركية، باهتمام الطلاب العرب المتطلعين للدراسة في الخارج.

وفي آب/ أغسطس الماضي، أنهى مروان رسالة الماجستير في الجراحة في جامعة "أرجيس" التركية. يعود إلى أشهر دراسته الأولى، فيقول لرصيف22: "فور وصولي تفاجأت بفرض اللغة التركية علي كلغة للدراسة بدلاً من الإنكليزية، فحاولت التواصل مع إدارة الجامعة لتعديل بند اللغة لكنها رفضت، مؤكدة أن المنحة مقدمة بالتركية وعلي الاختيار بين تعلمها أو العودة إلى القطاع".

لم يكن لدى مروان رفاهية الرفض، كما يقول، فبدأ بالاستعداد لدخول "سنة تحضيرية تفرضها الجامعات على الطلاب غير الأتراك لتعلم التركية".

ومنذ توسعت تركيا في ملف استضافة الطلاب الأجانب، تستحدث جامعاتها أقساماً تدعى "تومر" مهمتها تعليم التركية للأجانب، فيما تهتم بتوفير مصادر إلكترونية سهلة للراغبين في تعلم لغتها، تتنوع بين كتب إلكترونية مبسّطة وتطبيقات تعليمية تُحمّل على الهواتف.

يقول مروان إنه لم يكن يرغب في تعلم التركية حتى أنه لا يزال غير مهتم بها رغم تعلمه لها؛ كونها على حد قوله: "لغة محدودة الانتشار ولن تفيدني في حال فكرت في العيش مستقبلاً خارج تركيا".

بموازاة ذلك، يشير مروان إلى أنه واعٍ لـ"هدف تركيا من فرض اللغة على الطلاب الأجانب، نتيجة الرغبة بنشر لغتها وثقافتها بين الطلاب القادمين إليها"، فضلاً عن هدفها من وراء "الإتيان به من غزة، وتوفير راتب شهري له وتعليم مجاني يتضمن أفكاراً يهم أنقرة انتشارها"، مستشهداً بأمثلة على كلامه كاحتواء المنهاج على مادة "تاريخ الانقلاب" المقررة على طلاب البكالوريوس، ومادة عن محطات من تاريخ الدولة العثمانية.  

"الأنسب لا الأفضل"

لا يرى مروان في تركيا خياراً تعليمياً مثالياً، لكنه يعتبر أنها الأنسب، كون أغلب الدول الأوروبية لا ترحب بالفلسطينيين.

في المقابل، يشير إلى أنه ليس مهووساً كطلاب عرب آخرين بتركيا، وما يهمه هو الفرصة التي تتيحها له المنحة، فيما يخطط بأن تكون محطته المقبلة الإمارات للحصول على الدكتوراه والالتحاق بوظيفة جيدة.

وإن بدت تركيا خيار مروان الوحيد، فهي لم تكن كذلك بالنسبة للمغربي هيثم أنقيتة الذي يقول إنه اختار المجيء إليها طواعية، مفضلاً إياها على دول أوروبية عدة.

وصل هيثم إلى إسطنبول قادماً من أغادير، جنوبي الرباط، في 18 آب/ أغسطس عام 2019، بهدف استكمال تعليمه الجامعي. يروي كيف تعرّف على تركيا كدولة مستضيفة للطلاب، فيقول لرصيف22: "كنت أدرس علوم الفيزياء باللغة الفرنسية في إحدى مدارس الحي، ولم يكن من بين خياراتي الدراسة في الخارج، إلى أن ظهرت درجاتي في البكالوريا، وتبيّن أنها لا تؤهلني لكليات الهندسة في المغرب".

هيثم أنقيتة

سريعاً بدأ تفكير العائلة يتجه نحو الخارج، ورغم أن فرنسا تُعد خيار المغاربة الأول سواء للدراسة أو العمل أو الهجرة، إلا أن "والدي اقترح علي تركيا كونها دولة في طور التقدم، فقررت أن أجرب، ووقع الاختيار على جامعة إسكودار الخاصة لدراسة هندسة البرمجيات".

قرار الذهاب لتركيا لم يكن مستساغاً بالنسبة لعائلة أنقيتة الواسعة، والتي يقيم بعض أفرادها في فرنسا، إذ "اقترحوا علي القدوم إلى باريس أو هولندا، لكنني رفضت رغبة مني بكسر الموروث الاستعماري"، كما يقول.

قدمت تركيا نفسها كخيار تعليمي مؤات عام 2012، عندما طرحت آنذاك ما يسمى بـ"المنحة التركية"... طلاب عرب يتحدثون عن تجربتهم في الجامعات التركية، بموازاة نقاش يدور حول الهدف من استقطابهم وحجم تداخل السياسي بالفرص التعليمية المتاحة لهم 

يدافع أنقيتة عن أهداف أنقرة من وراء المنح الدراسية على مستوى إفريقيا على سبيل المثال، فيقول إنها "تسعى لإجهاض الوجود الاستعماري الفرنسي في القارة الإفريقية"، من دون أن يدخل في نقاش عما يُحكى من أهداف سياسية وراء المنح التركية، ويكتفي بالقول "شرف لي أن أُحتل معنوياً من تركيا على أن أُستغل من فرنسا".

وعند سؤاله عن رأيه بروايات الطلاب العرب عن عنصرية نظرائهم الأتراك ضدهم، يرى أنقيتة أن "المشكلة في عشوائية الطالب العربي لا عنصرية التركي"، موضحاً رأيه بأن "التركي يميل للنظام والجدية في التعامل، ولا يحب الضجيج الذي يتسبب به طلاب عرب، وإذا عرف أي شخص كيفية التعامل معهم فلن يشعر بالعنصرية مطلقاً".

ويُعتبر أنقيتة شخصية ذات حضور في أوساط الطلاب المغاربة الباحثين عن فرص دراسية في الخارج، بفضل قناته على "يوتيوب" التي تحظى بمتابعة ما يزيد عن 14 ألف شخص، ويشجع من خلالها الطلاب على التقدم للحصول على منح دراسية في تركيا.

القوة الناعمة

يقول الباحث المتخصص في الشأن التركي في "مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية" كرم سعيد إن "نجاحاً يُحسب لأنقرة في خلق جيل شاب متصالح مع دورها التوسعي في دولهم".

ويصف سعيد، في حديثه لرصيف22، اهتمام تركيا باستقبال الطلاب الأجانب بـ"القوة الناعمة العاملة إلى جانب القوة الخشنة"، في إشارة للدور العسكري للجيش التركي في المنطقة، معتبراً أن هذا النوع من "المنح المسيسة" تقدمه العديد من الدول بغرض التدخل في اختيارات دول أخرى.

ويوضح الباحث أن تركيا توسعت في هذه المنح بعدما تزايدت الاتهامات العربية لها باحتضان الجماعات الراديكالية، في وقت "نجحت أنقرة بفضل هذه المنح بدرجة ما في تحسين صورتها المرتبطة بالمتطرفين لدى بعض الشباب العربي".

طموحات حزبية

"استراتيجية ترتبط بالطموحات السياسية للعدالة والتنمية"، كان هذا جواب مدير "منتدى شرق المتوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية" محمد حامد عند سؤاله ملف المنح التركية.

يرى حامد، في حديثه لرصيف22، أن تركيا قبل إدارة "العدالة والتنمية" لم يكن من بين أهدافها الحضور في المجتمعات العربية، مشيراً إلى أن الأمر تغيّر منذ حلمت أنقرة بزعامة العالم الإسلامي، فـ"حتى مطلع الألفية الثانية كانت تركيا تقصر مناطق قواها الناعمة على البلقان وآسيا الوسطى".

ويتابع حامد شرح وجهة نظره، قائلاً: "حدث تحول عام 2009 عندما انسحب أردوغان من منتدى الاقتصاد العالمي (دافوس)؛ بعدما مُنع من التعليق على حرب 2008 على غزة في حضور الرئيس الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز"، مردفاً "هنا لمع نجم أردوغان عربياً، ومن وقتها تتعامل تركيا مع المنطقة العربية المتعطشة لزعامة كمنطقة تمدد يسهل التوسع بها عبر دغدغة المشاعر، فكانت الهوية الإسلامية والدراما والمنح الدراسية".

ويلفت أنه نتيجة لهذه السياسيات ظهرت لدينا شريحة "المستتركين العرب" الذين يدافعون عن المصالح التركية حتى لو ستمس مصالح دولهم.

ويعتقد حامد أن مسيرة أردوغان في هذا الملف تُقابَل برفض شديد من المعارضة الداخلية التي "تستشعر خطراً على الهوية التركية في ظل متاجرة أردوغان بالهوية الإسلامية".

على مدار السنوات الثماني الأخيرة، حظيت الأشهر الثلاثة الأولى من كل سنة؛ باعتبارها موعد تقديم طلبات المنحة التركية، باهتمام الطلاب العرب المتطلعين للدراسة في الخارج... نقاش حول التسهيلات التعليمية التي تقدمها تركيا للطلاب العرب وأهداف أنقرة المرجوة منها

وتطرق رئيس منتدى شرق المتوسط إلى مسألة الكلفة المادية التي يتحملها المواطن التركي لتغطية هذه المنح وتشييد جامعات تفوق احتياج الأتراك، إذ استُحدثت على سبيل المثال 32 جامعة بين حكومية وخاصة في السنوات العشر الأخيرة، بإجمالي 208 جامعة على مستوى تركيا.

وبحسب حامد، خسر أردوغان بفعل هذا الخطاب رئاسة بلديات مهمة مثل إسطنبول، في حزيران/ يونيو 2019، متوقعاً أن يُهدئ الرئيس التركي من وتيرة المنح قبيل الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2023، لكسب الجبهة الداخلية، بالرغم من الطموحات الرسمية في رفع عدد الحاصلين على منح إلى 25 ألفاً بحلول عام 2023، بدلاً من 17 ألف حالياً.

الارتباط بتركيا

يظهر الطلاب الأجانب في الصحافة التركية في مناسبات مختلفة، كما في تقرير صحافي لموقع "تي أر تي" التركي، في 10 تموز/ يوليو الماضي، لمناسبة الذكرى الرابعة لما يعرف بـ"الانقلاب الفاشل"، بعنوان: "كنا ليلتها هناك... محاولة الانقلاب بعيون طلاب ومقيمين أجانب بتركيا".

في التقرير، استعادت طالبة إعلام وصحافية فلسطينية تدعى مي خلف ذكرياتها للموقع التركي عن ليلة "الانقلاب"، قائلة: "في تلك اللحظات بدأت أكتشف شيئاً جديداً أسفر عن وجهه مع الأزمة؛ الحب الجارف لبلد لا تربطك به شهادة ميلاد ولا تسلسل عائلة".

وتتحدث بفخر عن انتمائها الحديث، فتحكي: "رفعنا النجمة والهلال على شرفة بيتنا بكل فخر، وما اكتشفته تلك الليلة لا يزال يتجدد قلقاً عند كل شبح خطر يستهدف تركيا سياسياً واقتصادياً؛ إنه شعور بالانتماء".

في السياق ذاته، يتحدث المصري عمرو طرزان الذي سافر لتركيا قبل ثلاث سنوات، وكان في الخامسة عشر من عمره. يحكي عمرو المنحدر من مدينة الإسكندرية لرصيف22 عن ارتباطه بتركيا التي كانت حلم طفولته والذي دفعه لنقل دراسته الثانوية إلى هناك.

التصورات الإيجابية التي شكلتها طفولة عمرو عن تركيا، وجدت طريقها للتثبت خلال السنوات الثلاثة التي قضاها فيها حتى الآن، قائلاً: "هنا وجدت تعليماً جيداً وفرص عمل تنتظرني".

لا يقبل عمرو الذي يدرس الترجمة بالروايات الشائعة حول تعنت الجامعات التركية ضد الطلاب العرب وتعمد ترسيبهم، ومع ذلك يقر بأن "الأجواء غير مثالية يتخللها بعض الحساسيات المتبادلة".

عمرو طرزان

وعند سؤاله عن رأيه حول أهداف تركيا من استقطاب الطلاب العرب، يقول عمرو إنه لا يمانع في استخدام تركيا له أو التأثير في أفكاره، معتبراً أن فرضها لتعلم اللغة التركية على الطلاب العرب يحسب لها كونها تعتز بهويتها وتسعى لنشرها.

السياسة في ملف المنح

يشير الكاتب السياسي محمد فراج أبو النور في تعليقه لرصيف22 على حديث عمرو بالقول إنه "النفوذ التركي الروحي" الذي تحدث عنه أردوغان في خطاب قديم يعود لتشرين الثاني/ نوفمبر عام 2016، لافتاً إلى أن تركيا تستند إلى مفهوم الوطن الوجداني كمقدمة لأي تحرك اقتصادي أو عسكري في المستقبل، وطبقت ذلك مثلاً في ليبيا وكازاخستان.

لا يعتقد أبو النور أن سياسات تركيا في ملف التعليم ستتأثر بهزتها الاقتصادية الراهنة، قائلاً إن "ذلك سيكون صحيحاً لو كانت أنقرة تخوض حروبها منفردة، لكنها تتلقى الدعم من حلفائها مثل الحكومة القطرية وحكومة الوفاق الليبية التي أودعت منتصف العام الجاري 8 مليار دولار لدى البنك المركزي التركي من دون فوائد، فضلاً عن دورها المشبوه في سوريا سواء من خلال تسلل الأموال الواردة إلى الفصائل إلى خزينتها، أو سرقة البترول السوري".

يحذر الكاتب مما أسماه بـ"الغفلة العربية"، قائلاً: "أنظمتنا لا تزال تفتقد لرؤية جادة لمواجهة التمدد الروحي التركي، سواء بعدم اتخاذها موقفاً صارماً من الدراما التركية أو بترك العقول العربية للمعلم التركي".

في المقابل، يقترح أبو النور أن تفرض الحكومات العربية بعض التعديلات لوقف تدفق الطلاب على تركيا، ومنها "سحب حكوماتنا اعترافها بشهادة الجامعات التركية، وعمل الجامعات العربية وفق نظام المنح المتبادلة للحفاظ على طلابنا داخل المنظومة العربية".

وفقاً لدراسة تعود لعام 2017 للكاتب السياسي الإرتري المتخصص في الشأن التركي عبد القادر محمد علي، يصل الطالب الأجنبي إلى تركيا عبر خمسة طرق تتمثل في برنامج "منح تركيا"، والمنح المقدمة من الجامعات، وطلاب يأتون على نفقتهم الخاصة، وطلاب يحضرهم البنك الإسلامي للتنمية أو وقف الديانة التركي، وطلاب يأتون عبر برامج التبادل الطلابي.

ويوضح في الدراسة المنشورة في "منتدى العلاقات العربية الدولية"، بعنوان "التعليم العالي والمنح الدراسية، قوة ناعمة في السياسة الخارجية التركية" أن برنامج "منح تركيا" مكون من مشروع "الطلاب الكبير" الذي انطلق عقب سقوط الاتحاد السوفياتي لاستهداف طلاب دول البلقان وآسيا الوسطى، إلى جانب مشروع منح الحكومة الذي انطلق عام 2003- 2004 الدراسي، ليشمل طلاب الدول التي تجمعها اتفاقيات ثقافية بتركيا.

ويشير الكاتب إلى تغلغل السياسة إلى أقصى حد في ملف المنح، مدللاً بدراسة لمدير "مركز الأبحاث الاستراتيجية (بوسام)" سعيد بلماز بعنوان "ما هي القوة الناعمة، وكيف تًطبق؟" أوصى فيها بمواكبة مجالات دراسة الطلاب الأجانب مع احتياجات تركيا من دولهم.

ووفقاً لكاتب الدراسة، تخطى عدد المنح منذ عام 1992 إلى 2010 الأربعين ألفاً، ووفقاً لآخر تحديث، يحصل طالب المنحة البكالوريوس على 700 ليرة تركية شهريًا (84 دولاراً)، و950 ليرة لطالب الماجستير (114 دولاراً)، و1400 ليرة للدكتوراة (168 دولاراً).

ومع تراجع قيمة الليرة مقابل الدولار، سمحت تركيا للطلاب الأجانب بمزاولة المهن لتحسين الدخول، فيما يضمن القانون التركي للطالب الأجنبي الحصول على الجنسية في حال أكمل خمس سنوات من الدراسة في تركيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard