جلال برجس... الكتابة بالتعرّي

الجمعة 12 مارس 202101:36 م

لم يكن كتاب؛ فن الرواية للروائي التشيكي ميلان كونديرا مجرد جمع للحوارات التي أجريت معه، بل كان مسحاً لرؤيته النظرية والتطبيقية في الرواية، حيث يمكننا أن نجد في الكتاب مفاتيح لكيفية قراءة رواياته، أكان على صعيد الألفاظ أم الحبكة الروائية، وغير ذلك من شرفات سمح لنا من خلالها أن نطل على عالمه الروائي.

ومن هذا المنطلق نحاور الروائي والشاعر الأردني جلال برجس، لنستطلع رؤاه ونستجلي  خفايا صنعته الروائية، وخاصة أنّه عن طريق روايته "دفاتر الوراق" وصل للمرة الثانية، وبشكل متتابع، للقائمة الطويلة لجائزة البوكر 2021.

يكاد تيري إيغلتون أن يعرّف الأدب بأنه أيديولوجيا وخاصة في عصرنا، وذلك في كتابه نظرية الأدب. ما هي الأيديولوجيا التي يرجوها جلال برجس من كتاباته؟

ليس هناك من نص روائي يخلو من الأيديولوجيا، بل إن فن الرواية هو ردة الفعل الأدبية الثقافية خلال تنامي البرجوازية الأوروبية كموقف أولي. سادت مرحلة كانت الأيديولوجيا فيها تسيطر على كثير من النصوص الروائية، فألغت الفني لصالح السياسي، وبالتالي تحولت تلك الروايات إلى ما يشبه البيانات الثورية، لكن تلك المسارات تغيرت، وبات الانتصار للفني مع الأيام دافعاً أولاً.

ومع تعدد الأيديولوجيات وتراجعها، بل حتى سقوط مجملها، ما عاد هناك سوى أيديولوجيا الإنسان التي يمكن الرهان عليها، وهذا ما أؤمن به، إذ إنني أكتب نصّاً أسعى إلى أن يكون صالحاً للقراءة في كل مكان من هذا العالم، فمع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية، إلا أن الإنسانية الآن تواجه المعاناة ذاتها، فما يحدث في عَمّان يحدث في الشرق وفي الغرب.

جلال برجس: "أؤمن أنه إذا ما تلاشت المتعة في القراءة حجزت الرواية لها مكاناً في خانة النسيان، من هنا أعمل كثيراً على البناء الفني، وعلى كل العناصر التي تبقي القارئ في لحظة المتعة"

تبدّل العالم وولج مسارات جديدة لم تكن متوقعة على مختلف الصعد. في كتابتي الروائية أنظر إلى الإنسان، وأسعى إلى أن تكون هذه النظرة من زاوية بعيدة عن كل الزوايا الأيديولوجية السابقة. الإنسان أيديولوجيتي الأولى والأخيرة.

يرى  جاكبسون أن المضمون في الأدب هو محفّز يخدم الشكل الأدبي. في رواياتك نجد الأجواء البوليسية موجودة، فهل هي محفّز من أجل جذب القارئ أم أن اختلال الوضع الاجتماعي هو من قاد إلى وجود الجريمة في روايتيك الأخيرتين: "سيدات الحواس الخمس" و"دفاتر الوراق"؟

لنتفق أولاً أنني لا أكتب رواية بوليسية بالمعنى المتعارف عليه، إنما أكتب رواية فيها بعض عناصر الرواية البوليسية، وتعتني بالجانب السيكولوجي عند الشخصيات. وما أقدمت على هذا إلا لأنني أرى حقيقة أن المجتمع العربي تبدل هو الآخر، واعترته عدة اختلالات أدت الى هزّات على أكثر من مستوى، فكيف لي- بما أن الرواية ترصد وتستكشف وتستشرف- أن أقصي قلمي عن هذه المناطق وأنا في خضم تأملي لما يحدث، ستبدو خطوة ناقصة برأيي.

من جانب آخر، أؤمن أنه إذا ما تلاشت المتعة في القراءة حجزت الرواية لها مكاناً في خانة النسيان، من هنا أعمل كثيراً على البناء الفني، وعلى كل العناصر التي تبقي القارئ في لحظة المتعة، ليتسنى لي أن أمرر له فكرة الرواية ومقولتها الرئيسية.

تمتلك "سيدات الحواس الخمس" و"دفاتر الوراق" رؤية درامية تصلح لأن تكون دراما تلفزيونية، فهل كان هذا خياراً منك وخاصة وأننا نعيش في زمن الملتيميديا، أم أن طبيعة الحدث الروائي فرضت هذه الدرامية؟

 حينما أضع القلم على الورق لا يكون أمامي سوى خيارات الكتابة الروائية، وفي هذه الحالة، إن طبيعة الحدث تفرض لغة الرواية وأسلوبها والبناء الفني وتقنياتها. بالطبع اتكاء على خبرة الكاتب ووعيه بما حوله وما يؤمن به على صعيد الفن الروائي، الذي أرى فيه وأؤمن أن الرواية صارت فضاء لشتى أنواع الفنون والآداب.

من هنا سيجد القارئ أن هذا العمل أو ذاك قابل لأن يكون عملاً درامياً. وحدث قبل جائحة كورونا أن تشكلت نية لدى مؤسسة إعلامية عربية مهمة لإنتاج مسلسل يحمل نفس عنوان "سيدات الحواس الخمس" ومأخوذ عنها، لكن ما تمخض عن الجائحة أجّل هذا المشروع.

 يقول جوناثان رايت (مستشرق ومترجم بريطاني) من حديث مع عبده وازن في "إندبندنت عربية": الروائيون الذين يكتبون باللغة العربية، إذا أرادوا أن يتم الاعتراف بهم دوليًا، يحسنون صنعاً، إذا هم ركزوا على مهاراتهم في السرد والتخييل والتقليل من التباهي بالبراعة الأدبية والبلاغة. ما هو ردك عليه ونحن أهل البلاغة واللغة؟

ليس من الصواب أن نأخذ بهذا الرأي بشكل مطلق، وليس من الإنصاف أن نتجاهله بأكمله. أولاً دعنا نتفق على أن الترجمة مهما كانت ذات حرفية عالية، وقام بها مترجم عارف بشؤون اللغة، فإنها لن تكون صورة طبق الأصل عن النص الأصلي، لماذا؟ لأن الرواية ليست حدثاً فقط، وليست مبنيَة فقط على عنصر اللغة، إنها ذلك المزيج الساحر الذي يحمل روح الفكرة ويضعها في روح القارئ، لهذا يحدث التعلّق القرائي أو لا يحدث، إن اختل ذلك المزيج.

من هنا أعتقد أن جوناثان رايت قد أشار إلى أولئك الذين أختل مزيجهم الروائي، فحفلت رواياتهم بذلك المستوى الغنائي وبتلك الشعرية الزائدة عن مستواها الطبيعي، فكان ما رآه رايت براعة أدبية وبلاغة، لكن ماذا لو افتقرت الرواية إلى جمالية اللغة، ما الذي يحدث؟ برأيي سيتحوّل النص الروائي إلى ما يشبه محضر شرطة. أشبّه الرواية بإنسان يمشي على قدميه، وأشبّه كتابتها بابتكار هذا الإنسان.

الفكرة الروائية بأحداثها هي الهيكل العظمي، أما اللغة، بكل توزيعاتها بين الحوار، التداعي، المونولوج والسرد الحر، هي اللحم الذي يكسو هذا الهيكل، فإن زاد هذا اللحم عن مستوى تناسقه مع الطول سنرى إنساناً بديناً مترهّل الجسد. إذن، يكمن الأمر في إتقان تلك النسب، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم قولبة الكتابة وتصنيعها. ولابد هنا أن أشير إلى أن الكثير من الروايات الأجنبية تحفل بجماليات اللغة مثل رواية "التحوّل" لميشيل بوتور، وذلك لمن قرأها بلغتها الأصلية.

جلال برجس: "ليس هناك من روائي حقيقي يرى أنّه نتاج نفسه فقط"

 كيف ترى العلاقة بين الجيل الجديد؛ جيلك من كتاب الرواية، وبين الأجيال السابقة؟ هل هي متصلة أم مبتورة؟

ليس هناك من روائي حقيقي يرى أنه نتاج نفسه فقط: أنا نتاج سنين عمري وما شهدته خلالها، ونتاج سلسلة القراءات التي حظيت بها، وعبر سرّ الكتابة قلت كلمتي. الزمن خط متقدم في حركته، وتلك الحركة لا تعترف بالثابت، بل إن هناك تحولات وتطورات كثيرة تطرأ على حياتنا، منها الرواية، وما يكتب اليوم ليس منقطع الصلة بالأمس، ولكنه ينحو إلى الاختلاف وخلق الجديد.

هذه النقطة تحديداً بترت العلاقة بين الجيلين عند البعض ولا أقول الكل، بل تشكلت حالة من عدم الاعتراف، أو لنقل محاولة ليست ناجحة في هذا الصدد، فالزمن مختلف وأدواته مختلفة.

أما عند البعض الآخر، فهناك قناعة برؤى الجيل الجديد ومراميه وأساليبه في الكتابة. لكن برأيي أن هذه الفئة المتصالحة مع إبداعها قليلة، إذ تسود المشهد حالة غريبة من النرجسية واللهفة في التسيّد والوصاية، دون الالتفات إلى أن الرواية فن غير ثابت وغير مقولب.

 لقد اشتغلت على روايتك "دفاتر الوراق" في خضم عزلة كورونا، كيف ترى مستقبل الرواية  بعد ما لحق بالإنسان جرّاء هذه المواجهة الصعبة؟

من المتعارف عليه، أن التبدلات الكبرى تفضي إلى تبدلات أكثر، وأن ما من زلزال إلا ويؤدي إلى انزياح في إحدى طبقات الأرض، بما أنه جراء انزياح لطبقة أخرى، وتفشي وباء كورونا وما تمخض عنه من آثار سلبية على الإنسان بكل هذه الكارثية، لابد وأن يؤدي إلى انزياحات كثيرة، منها انزياحات على صعيد الرواية التي باتت في هذه الأيام من أكثر الأنماط الأدبية تداولاً على صعيد الكتابة والقراءة، ولا بد لما سيجيئ من انزياح/تبدل إلا ويكون خارجاً عن السائد لا مستمراً به.

لهذا أزعم أن الراوية في المستقبل القريب ستبنى على تأمل الإنسان لذاته وعبر أدوات جديدة، ربما تُبقي على بعض ملامح ما كان منها، إلا أنها ستكون ذات شكل ولغة وأسلوب جديد: رواية تأملية ستطرح المزيد من الأسئلة حول مصير الإنسان.    

نصيحة جلال برجس لمن يودّ أن يكتب رواية: "اكتب كأنك تتعرّى من ملابس لها رائحة منفِّرة، أو كأنك تسير عاريًا في طقس بارد، تنظر إلى ملابس من وراء زجاج المتجر وتحلم بارتدائها"

هل من نصيحة لمن يود أن يكتب الرواية؟

ليس لدي من نصائح سوى أن أقول: اكتبْ كأنك تتعرّى من ملابس لها رائحة منفِّرة، أو كأنك تسير عارياً في طقس بارد، تنظر إلى ملابس من وراء زجاج المتجر وتحلم بارتدائها.

سيرة ذاتية للكاتب جلال برجس

في الرواية: مقصلة الحالم (2013)، أفاعي النار (2016)، سيدات الحواس الخمس (2017). حكايات المقهى العتيق/رواية مشتركة (2019)

في الشعر: "كأي غصن على شجرة" (2008) و"قمر بلا منازل" (2011). 

وفي القصة: "الزلازل" (2012)،  وفي أدب المكان: "شبابيك مادبا تحرس القدس" (2017).

الجوائز

حصلت مجموعته القصصية (الزلزال)  عام 2012 على  جائزة "روكس بن زائد العزيزي للإبداع"، ونال عن روايته "مقصلة الحالم" عام 2013 جائزة "رفقة دودين للإبداع السردي"، وحازت روايته "أفاعي النار/ حكاية العاشق علي بن محمود القصاد" على جائزة كتارا للرواية العربية 2015. كما وصلت روايته "سيدات الحواس الخمس" للقائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية 2019.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard