طقّ البراغي عبر التاريخ

الخميس 11 مارس 202111:03 ص

"طق البراغي" هو مصطلح حداثوي يقوم فيه فاعِلُه بأساليب التفافية، تُشبِه تثبيت البرغي في الجدار، بغية أن ينال ما لم يستطع نيله بالطرق المباشرة. والهدف منه إما الترقية الوظيفية أو الإيقاع بالزملاء أو إحداث شرخ في علاقة متينة أو لمجرد الأذى. وهو يختلف عن "دق الأسافين" بأنه موارب وغير مباشر، ومفعوله أقوى وأشد، على الرغم من أنه يتم في بعض الأحيان على مهل، لكي يصبح البرغي مُحْكَماً، ومن الصعب جداً نزعه، إلا بحركة التفافية مُعاكسة. هذا إن لم يستطع الفاعل إتمام فعلته بطقّ رأس البرغي، بحيث أن أكبر مِفكّ سيقف عاجزاً عن حَلْحَلَتِه.

"كتابة التقارير"، أيضاً، ومهما كان خط صاحبها حلواً، لا تضاهي "طق البراغي" بأثرها، إذ تبقى وسيلتها "القلم"، الذي، وإن سال حبره مدراراً، سيبقى قليل الهيبة أمام قسوة المعدن. فضلاً عن أن الصّوت أكثر بلاغةً من الكلمة المكتوبة، لا سيما إن كان محملاً بالغل والحقد والرغبة المتوقدة بحرق الأخضر واليابس. علماً أن "طقيق البراغي" ينتمي إلى الشخصيات المكيافيللية بامتياز، فهو يستخدم الآخرين سلماً يصعد عليه من أجل الوصول إلى مبتغاه، مُركِّزاً على الخداع والمكر والتلاعب، التزلف والتودد والمراءاة وتمسيح الجوخ، وغير ذلك من الوسائل المتاحة، بما فيها الغدر، للمحافظة على سلطته أو مكانته وللارتقاء بها. كما أنه يتقن المراوغة والكذب، ولديه شعور مبالغ بالغطرسة، ومُفرِط الإعجاب بنفسه. ومهما كان ناجحاً، فإنه يرى في وجود أشخاص ناجحين حوله تهديداً مباشراً له.

رغم حداثة هذا المصطلح، إلا أن له جذوراً ممتدة في التاريخ. وليس في الوشاة والنَّمَّامون، حاملو الضغائن الكبيرة، إلا إحدى التمثُّلات التاريخية لـ"طقِّيقي البراغي"

ورغم حداثة هذا المصطلح، إلا أن له جذوراً ممتدة في التاريخ. وليس في الوشاة والنَّمَّامون، حاملو الضغائن الكبيرة، إلا إحدى التمثُّلات التاريخية لـ"طقِّيقي البراغي"، ففي العهد القديم، ضمن سفر الأمثال جاء في الآية السادسة الإصحاح 28: "رجل الأكاذيب يطلق الخصومة والنمام يفرق الأصدقاء". أما الآية الحادية عشرة الإصحاح 13 فتقول: "الساعي بالوشاية يفشي السر والأمين الروح يكتم الأمر"، وفي كلا الآيتين تحذير من أذى الواشي ونتائج فعلته. أما "داوود" فقال في مزاميره في "الآية 15: "أن من منزل الرب ممنوع عن الوشاة" إذ قال: "يا رب، من ينزل في مسكنك؟ من يسكن في جبل قدسك؟ السالك بالكمال، والعامل الحق، والمتكلم بالصدق في قلبه. الذي لا يشي بلسانه، ولا يصنع شراً بصاحبه، ولا يحمل تعييراً على قريبه". بينما في العهد الجديد يُلقَّب "الشيطان" بـ"إبليس"؛ وهي كلمة من أصل يوناني معناها "الواشي" أو "المشتكي" أو "المُشهِّر"، أي أن الإنجيل ساوى بين أفعال الشيطان وقرينه الواشي.

وفي القرآن، كذلك، هناك الكثير من الأوصاف التي تنطبق على "طقِّيق البراغي"، ومنها ما جاء في سورة "القلم" "هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ"، وفي تفسيرها قال الرازي: "همّازاً وهو العيَّاب الطعَّان، الذي يهمز الناس، أي: يذكرهم بالمكروه، ويمشي بالنميمة بين البشر ليفسد بينهم". وأيضاً في افتتاح آية "الهمزة" هناك تحذير بالقول: "وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ"، ومعنى الهمزة الذي يعيب ويطعن في وجه المرء، بينما اللمزة الذي يغتاب ويطعن من خلفه. ومن تفسير "المراغي" لهذه الآية: "أي سخط وعذاب لكل طعّان في الناس، أكَّال للحومهم، مؤذ لهم في غيبتهم أو في حضورهم". وكذلك في سورة "المسد" وتحديداً الآية الرابعة منها "وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ"، وفي إحدى وجوه تفسيرها "أنها كانت تمشي بالنميمة"، إذ يقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: "يحلّ الحطب بينهم" أي: "يُوقد بينهم بالنار، حاملاً الشر وساعياً إلى الأذية والوقيعة".

إن "كتابة التقارير" أو "دق الأسافين"، أو "طق البراغي"، يرجع إلى إحساس الفاعل بالدونية تجاه الآخرين، وعدم قدرته على تخطيهم بالطرق المشروعة. لذلك يلجأ إلى الأساليب الملتوية

ومن أبرز الشخصيات المسرحية الشهيرة بـ"طق البراغي" شخصية "ياغو" في مسرحية "عطيل" لويليام شيكسبير، الذي استطاع بدهائه، وبسبب غيرته من "كاسيو"، أن يقنع "عُطيل" بأن صديقه المقرب على علاقة مع زوجته، سارداً له عدداً من الوقائع شكَّكته من محبة "ديزدمونة" له. وجعلت الشياطين تلعب في رأسه وتزعزع كيانه، وصولاً إلى قتله لزوجته رغم حبه الكبير لها، قبل أن يطق "ياغو" ذاك البرغي "المَاكِنْ"، مغيّراً السيرورة النفسية لمعظم الشخصيات من حوله.

نقرأ انعكاس "طق البراغي" أيضاً في إحدى قصص "كليلة ودمنة" لابن المقفّع، إذ بعد أن قرَّب "دمنة" وهو من فصيلة ابن آوى، الثور "شتربة" إلى الأسد، بعد خوف الأخير من خواره الذي كان مجهولاً بالنسبة له، أحس بأن الثور احتل مكانه في قلب الأسد. فانزعج من ذلك كثيراً، فبدأ يفتن بين الاثنين، ويعبئ رأسيهما كل ضدّ الآخر، بأن كل منهما ينتظر الفرصة السانحة للانقضاض على الثاني وافتراسه. وعبر سلسلة طويلة من الإقناعات، تمكَّن من إضرام نار الفتنة بين الصديقين، ورغم لوم "كليلة" له بأن ذلك أضرَّ بالأسد على خلاف ما كان متوقعاً، إلا أن "دمنة" بقي على موقفه. وشحذ الوهم بين الأسد والثور بألاعيبه الكلامية وأمثلته الكثيرة، وعزَّز مخاوف كل منهما من الآخر، لتنتهي القصة بصراعهما ومقتل "شتربة" على يد "الأسد" الذي ندم كثيراً بعد فوات الأوان. 

وفي كتاب "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي، هناك فضح لطقيقي البراغي وتحذير منهم، إذ يقول: "ما فيهم إلا من وَكَدَهُ الرِّجس والإفساد، والأخذ بالمُصانعة وإغراء الأولياء بما يعود بالوبال على البريء. هؤلاء سِباع ضارية، وعقارب لساعة، وأفاعٍ نهاشة".

وفي الشعر أيضاً هناك العديد من الأبيات التي جاءت على ذكر الوشاة الماكرين، ومنهم قول الأعشى: "ومن يطع الواشين لا يتركوا له صديقاً وإن كان الحبيب المقرّبا"، وأيضاً قول سابق البربري: "إذا الواشي بغى يوماً صديقاً... فلا تَدعِ الصديق لقول واشِ"، حتى أن الإمام الشافعي قال ذات مرة: "احذر هؤلاء الثلاثة: من نمَّ لك نمَّ عليك، من نقل إليك نقل عَنْك، من إذا أفرحْتَهُ قال فيك ما ليس فيك وإذا أغضبته قال فيك ما ليس فيك".

في أسباب انتشار "طقطقة البراغي"، يقول محلِّل اجتماعي أنه يُشعر فاعل تلك الفعلة المرذولة بنشوة الانتصار، ويزيد عنده هرمون "الدوبامين" المسؤول عن رفع منسوب السعادة

وفي أسباب انتشار "طقطقة البراغي"، يقول محلِّل اجتماعي أنه يُشعر فاعل تلك الفعلة المرذولة بنشوة الانتصار، ويزيد عنده هرمون "الدوبامين" المسؤول عن رفع منسوب السعادة، خاصةً إن كانت "الطَّقّة ماكنة"، بحيث تترك المفعول به منصوباً على همه وظلمه وسوء مآله لأطول فترة ممكنة قد تمتد مدى الحياة.

وللتحليل النفسي رأي في هذا الموضوع، إذ يعزوه إلى مجموعة من عُقد النقص، التي لا تكتمل من دون الإساءة والأذى. ومنشؤها قد يعود لجينات "كيدية" يحملها الإنسان من أمِّه أو أبيه أو من أسلافه السافلين، وتالياً لا يتحقق التوازن الواهي لـ"طقِّيق البراغي" بلا المحاولات المتكررة لتبخيس الآخرين حقهم، والسعي لخلخلة توازنهم وزعزعة استقرارهم، سواء أكان ذلك على الصعيد الاجتماعي أو الوظيفي أو حتى الاقتصادي.

محلل إداري يوضح من جهته أن "كتابة التقارير" أو "دق الأسافين"، أو "طق البراغي"، يرجع إلى إحساس الفاعل بالدونية تجاه الآخرين، وعدم قدرته على تخطيهم بالطرق المشروعة. لذلك يلجأ إلى الأساليب الملتوية، ويعزز مقدرته في تخطي الحواجز غياب معايير التقييم الوظيفية الواضحة والدقيقة، ما يساهم في تحقيق غايات صاحب "الخط الحلو"، لاسيما إن كان الجالس على كرسي المسؤولية ومُستلم زمام القرارات وصل إلى منصبه نتيجة "طقة برغي" من النوع الحارق الخارق فيصبح عنده الترفع الوظيفي مرتبطاً بسوية وطول البرغي والمهارة في "طقه"، لدرجة أن الرجل المناسب لا يعود في المكان المناسب، وإنما طقيق البراغي المناسب في المكان المناسب. وتتعدل الكثير من الأقول المأثورة فتصبح "طريق الألف ميل يبدأ بطقَّة برغي" و"برغي وقاية خير من قنطار علاج"، و"برغي الصديق وقت الضيق"، وغيرها الكثير. ويرافق ذاك الانزياح في انزياح آخر في كل القوانين المنطقية لاستلام سير الأمور الإدارية، ليحل محلّها أنظمة "الوُشاة" و"كتِّيبة التقارير" و"دليل المستخدِم في طق البراغي المتقدِّم"، نجّانا الباري منهم ومن براغيهم، وجعلها من النوع المرتد على أصحابها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard