ابتذال الخطاب... خطبة جمعة موحدّة ومضخّة الإفتاء بتحديد النسل

الجمعة 26 فبراير 202111:01 ص

يضيق صدري ولا ينطلق لساني وأنا أتصدى لثلاثة عناصر يضمّها هذا العنوان، ففي تدافع العناصر الثلاثة يحدث الانسداد. سأحاول تفكيك العنوان بادئاً بخطبة الجمعة، إذ يكون توحيد موضوعها في مساجد مصر إهانة للعقل، وإساءة إلى "فقه" الواقع غير المتجانس.

يضاف إلى تعميم هذه الخطبة أن تتحوّل دار الإفتاء، بوسائل التواصل والمنابر المتاحة، إلى مضخّة تحذير من خطر الزيادة السكانية، وتسويغ فقهي لتنظيم النسل. هنا نصل إلى ابتذال الخطاب، بكثرة ترديده، والإلحاح عليه في الإذاعة والتلفزيون، وفي الشوارع والبيوت المستباحة بميكروفونات مساجد وزوايا أسفل البنايات تهتم بتوصيل خطاب بائس لخطباء اكتشفوا، جميعاً وبالمصادفة، أن مصر تعاني تكدسّاً سكانياً يوجب تنظيم النسل.

في قضية الابتذال، أدعوكم إلى تجربة؛ حاولوا أن تتوقفوا الآن عن القراءة، وبصوت عالٍ ردّدوا مئة مرة: أسماءكم، ألقابكم، أسماء أبنائكم، عنوان آخر كتاب قرأتموه. بعد هذا التكرار، تدبّروا معنى ما تسمعونه، ولن تجدوا له معنى أو دلالة؛ فابتذال الشيء مهما يكن عظيماً يُفرغه من مضمونه، وينزع من الخطاب طاقته الكامنة.

ويصيبني النفور من قراءة كلام مضغته وهضمته أجيال سابقة، ولا أسخف من مذيعي مباريات كرة القدم، باستهلاكهم تعبيرات تنتمي إلى سياقات ثقافية وجغرافية أخرى، منها "اختلاط الحابل بالنابل"، و"كرة الثلج التي تكبر بالتدحرج"، لجمهور لا يعرف الفرق بين حابل ونابل، ولا يرى ثلوجاً، ونصيبه من المطر مرّة كلّ سنة.

ابتُذِل مصطلح "الثورة الدينية"، عند إطلاقه بلسان الرئيس المصري في يناير 2015. ربما تكون هذه الثورة ضرورة، كلمة حق ابتُذلت، فانصرف عنها الناس. وزارة الأوقاف المسؤولة عن شؤون المساجد لم تتعلم من صدّ الجمهور عن أصداء صادرة من أصلٍ واحد وترددت بنغمات متفاوتة، وتبنت في يوليو 2016 مشروعاً يجسد عدم الفقه بفقه الحياة، وبشّرت بتوحيد خطبة الجمعة، وتعميمها بالمساجد.

وحيد الخطبة، بدافع إحكام السيطرة الأمنية، يجعل الخطباء آلات لقراءة بيان واحد، ويفقدهم مهارات التفاعل مع المصلّين، وينزع عن الخطب نعمة التنوع الملائم لكلّ مجتمع

إنها طرفة تعيدنا إلى أزمنة الراعي والرعية، وتعميم الدعاء في خطب الجمعة لمن يتغلّب بالسيف على غريمه. توحيد الخطبة، بدافع إحكام السيطرة الأمنية، يجعل الخطباء آلات لقراءة بيان واحد، ويفقدهم مهارات التفاعل مع المصلّين، وينزع عن الخطب نعمة التنوع الملائم لكلّ مجتمع.

قصور الفقه بفقه الواقع ينتهي بالمنابر إلى تروس لطرد مركزي أعمى، لا تعنيه طبائعُ مستقبلي الرسالة. في أحياء الأثرياء تكون الدعوة إلى الإحسان ودفع زكاة المال وزكاة التجارة. وفي المصانع تحثّ الخطبة على إتقان العمل. وفي الأسواق تنهى الخطبة عن الغش وتطفيف الميزان واحتكار السلع. وفي مجتمعات قبلية تحرم المرأة من الميراث تعنى الخطبة بتذكير الرجال باستحقاقات أخواتهن وشرح حديث "إنما النساء شقائق الرجال".

وفي تجمعات التجار ورجال الأعمال يذكر قول عمر بن الخطاب: "احتكار الطّعام إلحاد". وفي حضور المسؤولين يكون موضوع الخطبة هو الفساد واستغلال النفوذ. وأمام الدكتاتور تُعلن مقولة "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة" ولو بنسبتها إلى ابن رشد.

الإجماع في قضايا الفقه يدخل في باب تاريخ الفقه، ولا يمكن لأتباع أيّ دين أن يجمعوا حالياً إلا على العقيدة، أما تفاصيل المعاملات والعلاقات ومتغيرات الحياة فالاختلاف فيها رحمة. ولكن تنظيم النسل بلغ مرتبة العقائد، وحظي بإجماع خطباء المساجد والزوايا في خطبة الجمعة، 19 فبراير 2021، وتلك من معجزات السياسة.

وقد مهّدت دار الإفتاء للخطبة الموحّدة بإطلاق فتاوى ومنشورات تنتقي أحاديث داعية إلى تنظيم النسل، وتتجنب نهب الثروات، وغياب الشفافية، وانتهاك موادّ دستور أقرّه الشعب، ومادته المعطّلة رقم 145 تلزم رئيس الجمهورية بتقديم "إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب، وعند تركه، وفي نهاية كلّ عام، وينشر الإقرار في الجريدة الرسمية".

بعد صلاة الجمعة بساعتين، بدأت وردية عمل لمدير صفحة دار الإفتاء في الفيسبوك بوسم من ثلاث كلمات: "تنظيم النسل جائز"، مع منشور قصير يلخص للقراء استفاضات وثرثرات لم تتجاوز آذانهم في خطبة الجمعة، ويتكون الموجز من ست عشرة كلمة: "لا مانع شرعاً من تنظيم النسل أيّاً كان السبب سواءً لحاجة أو لأمر ضروري أو تحسيني".

التعليقات على المنشور كاشفة لتهافت رجل الدين، واستلابه للسياسي: "عيب كده علشان الريس قال كلمتين، نقعد نطبّل طول الليل والنهار"

ولكن هذا المدير أو ذاك، لصفحة الفيسبوك أو لشؤون المساجد بوزارة الأوقاف، شأن أعداء الثورات وهم العسكريون ورجال الدين والقضاة، تغيب عنه الفطنة، فلا يدرك أعداء ثورة 25 يناير 2011 الروحَ الجديدة السارية في الدماء. سكون المشهد العام خادع، وتكفي التعليقات الساخرة التي تنسف القداسة.

التعليقات على المنشور كاشفة لتهافت رجل الدين، واستلابه للسياسي: "عيب كده علشان الريس قال كلمتين، نقعد نطبّل طول الليل والنهار". هنا غاب العقل وحضرت الطبلة كما يرى مواطن. ولكن غيره يشكّ في قدرات مدير الحساب الفيسبوكي لدار الإفتاء، فيتساءل: "الصفحة علّقت، ولا حضرة الصول متولي بيعمل أوفر تايم؟"، في إشارة إلى عسكرة دار الإفتاء لإصدارها فتاوى تقتفي تصريحات رئيس الدولة.

وينهى مواطن آخر عن التزلّف: "خلاص بقى يا وحش، الرئيس عرف إنك بتتكلم في الموضوع". ولم يملك مواطنون إلا اتهام دار الإفتاء بالتدليس، وتمني الهلاك: "ربنا ينتقم منكم. كفاياكم تدليس على الناس. انشغلوا بظلم الحكّام وسرقة وضياع الأوطان والمساجين أولى".

في 2 يناير 2021، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو مأساوياً، مدته 45 ثانية، من داخل قسم العناية المركزة بمستشفى الحسينية بمحافظة الشرقية، لمرضى مات منهم أربعة بسبب نفاد الأكسجين، مع تعليق صوتي صارخ "كلّ الناس ماتوا، كل من هو في العناية توفي".

وفي اليوم التالي نشرت دار الإفتاء في صفحتها الفيسبوكية صورة لممرضة منهارة مع نصيحة توعية بأهمية الوقاية من فيروس كورونا، وإشادة بتضحيات أعضاء الفرق الطبية. وتوالت التعليقات تسأل عن رأي الدين في الحاكم الظالم، وحكم بناء الكباري وإهمال الصحة، وأيهما أولى بمقاصد الشرع: بناء مستشفيات ومدارس أمْ عاصمة جديدة؟ عجزت دار الإفتاء عن الإجابة، فحذفت المنشور والصورة والأسئلة.

بقي التنويه إلى أمرين؛ أولهما أنني لا أناقش رأي الفقه في تنظيم النسل، فما يهمّني الآن هو أصالة الخطاب أو تبعيته. وخطاب دار الإفتاء أثمر سخرية المواطنين، ولا أتصور أن يؤدي ابتذال قضية مهما تكن جادّة إلى الإقناع بجدواها.

والأمر الثاني أن خطاب دار الإفتاء أساء إلى من أرادوا دعمه، وفي تعليق لمواطن: "بطلب من المصريين ينزلوا يدّوني تفويض لمحاربة الإنجاب المحتمل"، ساخراً من طلب اللواء عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع، في يوليو 2013، إلى المصريين أن يعطوه تفويضاً بمواجهة "الإرهاب المحتمل".

من دروس التاريخ أن الديكتاتور يحترم النديّة، ويستهزئ بمدمني قول "نعم"، وكان حسني مبارك يسمّي أحدهم "سيد الترزي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard