أما نحن، فلم نتجرأ على الحلم

الاثنين 8 مارس 202108:41 ص

الساعة الثانية عشر ودقيقة بعد منتصف الليل، بداية شهر آذار هو تاريخ اعتيادي مثله مثل أي يوم آخر بالنسبة لجميع شعوب العالم. أمّا في سورية فهو الموعد الرسمي لانطلاق حرب الشعارات بين طرفي النزاع السوري. ذلك الموعد الذي يقضي أغلبنا فيه بخسارة رقم جديد من الأصدقاء الذين يخالفونه الرأي. هذا الحال الذي كانت تقوم عليه حياتنا في السنين الأخيرة، أقصد في السنين الأخيرة عندما تبلور شكل النزاع في بلادي وأصبح واضحاً للعلن سلبيات وإيجابيات كل طرف من الأطراف، لدرجة أصبح من غير المنطقي أن تقف مع طرف منهم في وجه الآخر. اليوم، وبعد مرور عشر سنين على "ذلك التاريخ"، أصبح غريباً بالنسبة لي- بعد كل التغيرات التي طرأت على حال معظمنا وحال بلادنا، سيّما في فترة انتشار وباء كورونا- أن نقف في بداية هذا الشهر ونطلق الشعارات التي تصب في مصلحة جهة معينة. لم أعتبر نفسي في أي يوم من الأيام متحدثاً باسم جهة ما، لكني أعتقد أنني أستطيع التحدث باسمي واسم الحياة المعيشية التي رافقتها خلال كل هذه الفترة.

بعد عشر سنين، أعتقد أننا، من نسكن في الداخل، "لم نتجرأ على الحلم ولم نصمد ونتصدى"

في بداية عام 2011، كنت أنتمي لعائلة مؤمنة تماماً بفكرة المؤامرة الكونية التي تشهدها سورية، وأن من أشعل فتيل الاحتجاجات هم مجموعة من الأشخاص المغرر بهم من الخارج. كانت كل العوامل التي تحيط بي تجعلني بشكل أو بآخر منقاداً كلياً تجاه هذه الصورة. أشاهد عناصر الجيش الذين فقدتهم عائلاتهم في تلك الفترة، ومنهم أشخاص ينتمون إلى عائلتي؛ لم نحمل أكفانهم لعدم العثور على جثثهم حتى يومنا هذا. لذلك، احتجت لسنتين من حياتي لأبدأ بالتعرف على الشكل المقابل لما يحدث داخل البلاد. عام 2013 كان بداية دراستي الجامعية في دمشق؛ العاصمة التي كانت معظم شوارعها آنذاك مغلقة ومليئة بالمتاريس الرملية نظراً لشراسة المعارك والوضع الأمني الخطير. كنت اتخذت حينها قرارً بأن أمحو كل ما كنت أفكر فيه مسبقاً؛ مسيرات التأييد، أفكار المؤامرة، البرامج الكاشفة للتضليل الإعلامي التي كانت تبثها القنوات الرسمية. وأبدأ ببناء مخزون جديد من الواقع الحقيقي، كما اعتقدت.

لم أحتج سوى شهرين لتحدث الحادثة الأولى؛ استوقفني أحد عناصر القوات الرديفة في حاجز قرب جامعتي، وأخذ يوبخني ويطلق عليّ الشتائم لأني من محافظة طرطوس وشعري طويل، قال بأنني شاذ جنسياً وأني لا أمثّل تلك المحافظة بأية شكل. في تلك اللحظة، لم أكن قوياً لأقوم بأي رد فعل. تلقيت الشتيمة أمام كل من تواجد، "من تم ساكت"، كما يقال. تابعت طريقي وأنا أسأل نفسي هل شعري الطويل هو الحرية التي كانوا يخرجون وينادون من أجلها؟

استوقفني أحد عناصر القوات الرديفة في حاجز قرب جامعتي، وأخذ يوبخني ويطلق عليّ الشتائم لأني من محافظة طرطوس وشعري طويل، وقال بأني شاذ جنسياً

فيما بعد تتالت الأحداث والمواقف. كان معظم أصدقائي آنذاك ممن خرجوا إلى الساحات ليطالبوا بمطالبهم المحقة. كثرت الروايات وبدأت الذاكرة الجديدة بالوصول إلى ذروتها. عند كل رأي أريد أن أدلي به أمام أي شخص، كانت تأتي صورتين في رأسي لا ثالث لهما؛ جثمان ابن خالي الذي لم نحمله بعد أن استهدف صاروخ حراري مركبته العسكرية وهو ابن 24 سنة في جسر الشغور التابع لمحافظة إدلب، وصورة والد صديقي الذي تم اعتقاله لتكون صورة جثمانه من برّاد أحد المشافي هي آخر ما وصل إلى أهله منه. كانت الخسارات متساوية؛ كذلك حجم خسارتنا أنا وصديقي. لم نطلق على بعض أية تهم على الرغم من اختلاف أفكارنا واختلاف طائفتنا. ها أنا أتحدث عنها الآن، لكني لم أتحدّث قبلُ عن تلك الاختلافات كي أعزز فكرة "التعايش" التي تم زرعها في رؤوسنا منذ الصغر. كنّا نحاول صناعة شيء ما في هذه البلاد، على الأقل أن نستمر في أحلامنا؛ كل منا بحسب وجهة نظره.

ما دفعني لكتابة هذا النص، هو أنني منذ بداية عام 2015 لم أقحم نفسي في أي صراع سياسي. كنت أدخله فقط مع أبي كنوع من الاستفزاز الذي طالما أحببت أن أسلكه معه. لم أقحم نفسي لأنني أصبحت أرى أن كل شخص في هذه البلاد معرّض للموت بشكل أو بآخر بسبب أي كلمة من الممكن أن تصدر عنه.

اليوم، بعد عشر سنين، لا أعتقد أن من حق طرف من الأطراف إطلاق أي نوع من الشعارات، مهما كان شكلها، لأن ما تعيشه البلاد في وقتنا الحالي هو نتيجة لتراكم سلبيات كلا الطرفين. لم يعد يعنيني أن أشارك في فعالية ما وأنا أرى الجوع يخيّم على وجوه معظم الناس. لم أعد مهتماً بمستقبل البلاد السياسي وأنا أرى المستشفيات تكتظ بمصابي الكورونا والوفيات ترتفع يومياً وبلادي محاصرة بعقوبات "ما حدا بيرضاها للعدو تبعو". لم أعد أرى أن هنالك سبب يدفعني للاستنكار والحلم لأن هنالك كتل وأكوام بشرية مرمية في الطرقات لساعات طويلة تنتظر وسائل نقل لتقلها إلى بيوتها.

وصلنا إلى حقيقة واحدة؛ أن كل الشعارات التي نحلم بها مرتبطة بألا نفقد قدرتنا على الحياة.

كل ما أريد قوله هو أن معظم ما قيل باسم الشعب، لم يكن يوماً مهماً أو موثوقاً لهذا الشعب. بعد عشر سنين، أعتقد أننا، من نسكن في الداخل، "لم نتجرأ على الحلم ولم نصمد ونتصدى". لم يكن في أيدينا سوى أن نستمر في هذه الحياة بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أحلامنا.

شعاراتكم الدائمة كانت في مرحلة ما طريق للاستمرار. لكن اليوم، بعد كل هذه المدة الطويلة، وصلنا إلى حقيقة واحدة؛ أن كل الشعارات التي نحلم بها مرتبطة بألا نفقد قدرتنا على الحياة. لم نعتد حتى يومنا هذا على شكل الحياة التي نتجت عن كل ذلك السلوك المُمارس بحقنا. حجم الخسارات صار كبير جداً ويشكل ضغطاً نشعر بأثره مع كلّ وقت يمضي. بعد عشر سنين، كل ما نريده ألّا نموت بسبب نقص الدواء أو نقص الطعام. لم نكن من هواة الموت من البرد. نريد أن نعيش لنستمر بأحلامنا في الحياة لا لكي نطلق شعارات لا قيمة لها. اليوم، تُصنّف دمشق كأسوأ دول العالم معيشة. هذه نتيجتنا التي طالما أردنا الهرب منها، لكنّها اليوم أصبحت واقعنا الوحيد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard