لا أحد حولك سيلعب دور الكاهن

الجمعة 5 مارس 202105:14 م

لو أنّ المعاناة تجلس مستقلةً، في منزل خاص بها، دون صديق وظِلّ، لعبّرتْ عن قسوتها بجرأة. لا أعلم إن كانت تلك هي البداية أم أنها النهاية؛ هل يبدأ مفهوم القيود بأن تُقيَّد معاناتنا فلا نستطيع البوح وتتوالى من بعدها المخاوف؟ أم أنَّ القيود بلغت شدتها حتى بتنا نخشى التعبير عن المعاناة؟

إن كنتَ لا تستطيع أن تقف على شرفة منزلك لترقص تحت النجوم أو أن تقف في الشارع لتعانق حبيبك أو حتى آلتك الموسيقية، فكيف عساك تصيح قائلاً: "أنا جائعٌ... أنا خائفٌ... أنا أُعاني... أنا أُريد أن أعيش... أنا أُريد أن أكون أنا"؟

لا استطيع أن أُجزئ الخوف. لا أحد يستطيع تجزئته. فالخوف بحد ذاته هو معتقلٌ كبير يجمعنا سوياً في مكانٍ واحد. لا يهم إن كنتَ تخاف إعلان الحب أم تخاف إعلان رأي أم إعلان وجع أم إعلان ذنب، فأنتَ قد وقعت داخل هذا المعتقل وانتهى الأمر.

أنظُرُ إلى طفلٍ في السادسة من عمره، يُوقِع كأساً. تنكسر الكأس. توبخه والدته لحظة رؤيتها الكأس مكسورة، يُخبِرها أنه ليس هو من فعلها! وفي الحقيقة أنَّني كنتُ يوماً ذلك الطفل. وكُلَّما دخلت مطعماً، على سبيل المثال، أتخيل نفسي أوقع كأساً وأكسرها وأنظر في عيون جميع من ينظر نحوي لحظة وقوعها وأتخيل نفسي أصيح أمامهم "نعم أنا من كسرتها"، دون أن أصاب بنوبة خجل وقلق وخوف من نظرة الآخرين لي في المطعم. لكن هذا الأمر لا يحصل؛ فجميع الذين يكسرون كأساً أمام الآخرين يرغبون بإخفاء وجوههم ويتمنون لو أنّ بإمكانهم التملص من تلك المسؤولية. ذلك لأنّنا نخشى بعضنا أكثر مما نخشى أفعالنا.

هكذا تبدو منازلنا؛ منازل نعيش داخل جدرانها ولكن بصورتنا المقنَّعة وبخوف من سقوط ذلك القناع. والأسوأ أن كل ذلك يبدو طبيعياً

هل تعتقد أن الخوف بدأ حين نضجنا ولحظة معرفتنا للسياسة في بلادنا؟ لا، لقد بدأ قبل ذلك بكثير. بدأ من غرفنا ومنازلنا. بالعودة إلى الماضي قليلاً، ومتابعة العقلية التي غالباً ما تمت تنشئتنا من خلالها، وهو ما أرغب بتسميته "معتقلات أُسرية"، فقد كان علينا أن نفعل كل شيء وفقاً لما يمليه علينا آباؤنا. وغالباً ما تفتقر الكثير من العائلات لمفهوم الشرح والحوار والتخيير، فيكون الشرح الوحيد هو "لأنني والدك" أو "لأنني والدتك". وتُضاف عبارة "لأنكِ فتاة" للإناث، "عليك أن تسمع الكلمة... عليك أن تنفذ ما أطلبه".

في الحقيقة، كل شيء تعلمناه بتلك الطريقة هو "الطاعة العمياء" لا أكثر! وإخفاء جميع آرائنا ورغباتنا. لا شك بأن الوالدين قد يدركان مصلحة أطفالهم أكثر من أطفالهم في أعمار معينة وهذا يعود لفارق العمر والخبرة والتجربة. حيث أن الطفل يكون لا يزال بحاجة لأن يسلك طريقاً طويلةً من أجل أن يبني خبرته الخاصة من تجاربه الخاصة. لكن في أي عمر سنحت لك الفرصة لتفعل ذلك؟

في طفولتنا كنا نخاف دوماً؛ نخاف عقاب الوالدين، فخشينا الصفع وخشينا الصُراخ وخشينا الحرمان من الأشياء التي نحبها أو نرغب بفعلها تحت بند "العقاب". أذكُر دوماً تلك العبارة المُستخدمة في الطفولة عند ارتكاب أي خطأ سواء من قبلي أو من قبل باقي الأطفال في عمري: "سيغضب والدي... ستغضب والدتي". لم نكن نخشى شيئاً إلا خوفاً من تلك السلطة التي يملكها الوالدين لصفعنا. ولم يكن بدافع الحب أو بدافع فعل الصواب. هل فكرت يوماً كم هو سيء أن يطيعك طفلك لأنه يخشاك لا أكثر؟ ليس رغبةً منه بالإطاعة وليس لأنه اختار ذلك، بل لأنه مُرغم ومكره ولا يريد أن تصرخ في وجهه أو تصفعه على خده، أو أن تحرمه محبتك. وهنا كان طريقنا نحو معتقل الخوف. لم يكن لدينا أي خيار سوى أن نسير وفقاً لخططهم. والمصيبة الأكبر هي الخوف من فقدان محبتهم والشعور بالذنب لو قمنا باختيار شيء معاكس لرغبتهم، حتى وإن لم يكن خاطئًا، الشعور بالذنب من أن نكون نحن من نحن وليس هم. وكأنه أمر سيفطر قلوبهم إن لم نكن هم.

نتعلم الاتكالية لأننا لم نتعلم في الطفولة كيف نختار. ومن لا يختار لا يحمل مسؤولية أفعاله

تأتي المرحلة الثانية وهي ضرورة اكتشاف الذات لدى الإنسان. ولأن الإنسان يحتاج للتجربة ليكتشف ذاته، ولأن التجربة تحتمل الخطأ والصواب فجميعنا وقعنا في الخطيئة. تلك الخطيئة التي تبدو موجودة فقط لأن هناك من يرفضها ويعاقب عليها فتتفاوت من عائلةٍ لأخرى بحسب القوانين والممنوعات والمحظورات وبحسب توقعات الوالدين وخططهما. وهنا جاءت عدم مقدرتنا على مواجهة ذنوبنا إلا أمام المرآة، لأننا تعلمنا بعد سنوات كيف نحتفظ بأسرارنا وخطايانا وأفكارنا، فتلك العائلة التي يجدُر بها أن تكون الملجأ الأول والبيئة الأكثر أماناً واحتضاناً قد تنبذكَ وتصفعكَ وتوبخك إن اعترفت لها بالخطيئة كي تُزيح ثقل الذنوب عن صدرك.

لتعترف بخطاياك لديكَ وسيلة يؤمن بها ملايين البشر، تذهب إلى كاهنٍ لا يراك، لا يعلم هويتك، تخبره بآثامك كلِها، تُصلي ويصلي لمغفرتك. ليست المُشكلة في الخطيئة إذاً ولا في المغفرة. المشكلة أن لا أحد حولك سيلعب دور الكاهن، لتكون بريئاً عليك أن لا تعترف بذنبك، هكذا تبدو منازلنا؛ منازل نعيش داخل جدرانها ولكن بصورتنا المقنَّعة وبخوف من سقوط ذلك القناع. والأسوأ أن كل ذلك يبدو طبيعياً. يصبح الأمر طبيعياً أن نكذب على أنفسنا وعلى أحبتنا وأن تبنى أول علاقة وأجمل علاقة لدينا على الكذب والتمثيل والخوف. وليس ثمّة ما هو أسوأ من أن تجد منزلك يتحوَّل لبلاد ومجتمعات كاملة، فلا الهروب إلى الخارج ينفعك ولا البقاء في الداخل ينفعك.

إن كنا جميعنا لا نمنح الحرية لجميعنا، إن كنا نخاف من "الحيطان يلي إلها أدان"، إن كنا نحن كلنا تلك "الحيطان يلي ألها أدان"، وإن كنا نخشى أن نقبَل الذنوب لأن هناك من يسميها ذنوباً وليس بالضرورة أن يكون الإله الذي تؤمن به. وإن كنتَ لا ترضى إلا أن ترى وجهك في كل الذين حولك فما الذي تبقى لنا لنطالب به؟

يصبح الحب لدينا مشروطاً وبصورة طبيعية، تصبح الطاعة العمياء هي الصورة الأكثر كمالية، كذلك الخضوع للسلطة سواء كانت على صواب أم على خطأ. نتعلم الاتكالية لأننا لم نتعلم في الطفولة كيف نختار. ومن لا يختار لا يحمل مسؤولية أفعاله، وتصبح كل فكرة جديدة وكل محاولة تغيير أو محاولة لقول "لا" مهددة بالعقاب. عقاب لا نعلم من أين سيأتي ولكننا نعلم أنه سيأتي لأنه جاء نحونا في الطفولة وبكامل القسوة وباستخدام كامل للسلطة الممنوحة للأبوين.

لا شيء بإمكانه تحريرك يوماً سوى عقلك، أن تسمح له بأن لا يخشى جموحه وأن لا تلبسه ثوب الرذيلة حين يقتل فكرة متوارثة ويأتيك بواحدة يحبها

يُبنى لدينا مجتمع قائم على هذه المفاهيم، فيصبح الابن هو أباه أو أمه، لأن الفرصة لم تسنح ليكون هو ويتحرر منهما. ومهما مرت عليه من سنوات وتجارب، يبقى خائفاً بطريقة أو بأخرى بوعي أو دونه من أن يكون هو أو هي، بل وقد لا يعلم طوال حياته كيف يكون هو. لا شيء بإمكانه تحريرك يوماً سوى عقلك، أن تسمح له بأن لا يخشى جموحه وأن لا تلبسه ثوب الرذيلة حين يقتل فكرة متوارثة ويأتيك بواحدة يحبها، أن لا تكبت بقية العقول الجامحة حولك وتقيدها لأن هذا الأمر لن يعود عليك إلا بالمزيد من القيود حول رقبتك.

تعالوا نعود للخوف والمُعتقلات. رأسي ثقيل وكل ما بداخله صاخب وشرس. لكن الوحوش البرية لا يجب أن تُروَّض، رهبتها تكمن في شراستها، هويتها تكمن فيها. لا أُحب أن ألد وحوشاً ذليلة من رأسي، فيغدو مُعتقلاً للأفكار، فالخوف كما المُعتقل. ولو أن المعاناة التي تتشكّل بفعل هذا الخوف تجلس مستقلة، في منزلٍ خاص بها، دون صديق وظلّ، دون رقيب يحسب حدة صوتها، يحاسبها على صرختها، يُجلسها على مقاعد الأعراف والعيب، لعبَّرَت عن قسوتها بجرأة. لجعلتكَ تعلم حقيقتها. لاستطاعت بعدها، بعد تحرّرها المدوّي هذا، أن تتحوَّل إلى ابتسامة راضية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard