"سحق الزعفران"... لم تساهلت العصور الوسطى الإسلامية مع المثلية بين النساء؟

الاثنين 11 مايو 202002:29 م

"قال بعض الرؤساء لبعض المجّان، وقد جرى بينهم ذكر السحاق: والله إني لأشتهي أن أعلم كيف تتساحق النساء؟ فقال: إذا أحببت ذلك فادخل بيتك قليلاً قليلاً"، نزهة الألباب للتيفاشي.

انطوت النظرة الغربية للعالم الإسلامي في العصور الوسطى على أنه "مكان للفجور الجنسي" حيث يغلف الأمكنة، دور السكن والقصور غلالة رقيقة من المتعة الغرائبية، تسير النساء عاريات في القصور يحرسهن جمع من الخصيان الجاهزين للممارسات الجنسية الغريبة والممتعة، هكذا تكتب سحر عامر، في مقالتها "المثليات العربيات في العصور الوسطى"، فتدرس الآثار الأدبية أو النصوص التي تذكر المثليات أو الممارسات المثلية النسائية في العالم العربي.

كان يتم التعامل مع المثلية بين النساء بشكل مختلف تماماً عن المثلية بين الرجال، فكانت المجتمعات الإسلامية تتساهل مع المثليات ولا تعتبر علاقتهن "جنساً حقيقياً"، بينما تعاقب المثليين بشدة وحزم لا تردد فيهما 

المثلية العربية الأنثوية في القرون الوسطى

تتناول سحر عامر، أستاذة الدراسات الشرقية والدولية في جامعة نورث كارولينا، موضوع المثلية الأنثوية في النصوص العربية المختلفة في القرون الوسطى، كان يتم التعامل مع "السحاق"، كما يطلق عليه في الأدبيات العربية في القرون، ليس باعتباره مرضاً أو مساً من الشيطان أو انحرافاً عن جادة الدين القويم، بل كانوا يعتبرونه اضطراباً فطرياً لاإرادياً ويوصى بعلاج له. ونرى صدى هذا الاعتقاد في الخرافة التي نواجهها في مجتمعاتنا اليوم، والتي تعتبر المثلية خللاً ينبغي معالجته

وتذكر بعضاً من تفسيرات الأطباء المسلمين في تلك الأيام لأسبابه وطرق العلاج منه، كما جاء في كتاب نزهة الألباب للتيفاشي: "فذكر بعض الأطباء أن أصل هذا الداء خِلقة في النساء"، وكلمة سحاق هي من المصدر سحق أي طحن أو فرك، كما يورد ابن ماسويه أن السحق يتولّد من تغذي المرضعة بالكرفس والجرجير والحندقوق، فإذا أكثرت منه وأرضعت انتقل إلى شفري المولودة فتتولد هناك حكة"، وبالتالي إن المثلية الأنثوية، بناء على وصف ابن ماسويه ومن سبقه من الأطباء والعلماء، هي مشكلة فطرية ودائمة تتطلب مداومة الفرك، أي ليست عملاً غير سوي، ويعيد التيفاشي مرة أخرى في الكتاب نفسه، نقلاً عن بعض الحكماء، التأكيد على أن "السحق شهوة طبيعية، تكون بين الشفرين، فتتولد منه بخارات تتكاثف وتولد حرارة وحكة، لأن ماء المرأة بارد والذي يخرج من الرجل حار، فلهذا لا تنتفع إلا بماء المرأة الذي لا يخرج إلا بالسحق".

وتورد "سحر عامر" العديد من القصص الأخرى التي وردت في الكتب العربية، مما ورد أيضاً في حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها، للدلالة على أنه في العالمين العربي والفارسي، كان يتم التسامح مع العلاقات الجنسية المثلية بين النساء بشرط عدم التفريط بالعذرية، فالعلاقات تلك هي عبارة عن انتظار أو نوع من تسكين الشهوة لحين عودة الرجال، لبدء النشاط الجنسي "الفعلي". 

إذ كانت المثلية بهذا المعنى نوع من الألعاب الجنسية المتسامح معها لا أكثر، بانتظار الزوج الغائب أو العريس المنتظر، حيث يبدأ الجنس الحقيقي الذي يتضمن اختراقاً والتفافاً وقذفاً، وهذا يسجّل لتاريخ الأب العربي، كما تقول سحر تجاه المثلية الجنسية للإناث، فالعلاقات تعتبر هنا مصادر رضا وفرح بانتظار السعادة الكاملة في الزواج. بينما لم يكن الأمر في قرون وسطى العالم الغربي، على هذا الشكل من التسامح. ولكن الموقف المتسامح كان مدفوعاً بنظرة ذكورية، لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم في مجتمعاتنا، حيث "الجنس يُساوي الإيلاج"، ولذلك لا يعتبر الجنس بين النساء جنساً حقيقياً. 

وتذكر هنا قصة "الست بدور" الواردة في حكايا ألف ليلة وليلة، من أنها بعد فقدانها زوجها قمر الزمان تنكرت بثياب الرجال، وضربت خيمتها قرب مدينة تدعى مدينة الأبنوس وملكها أرمانوس، فعند رؤيتها استحسنها كذكر، وكانت له بنت وحيدة تدعى "حياة النفوس"، فطلب منها أن تتزوجها وتصبح ملك البلاد، لم يكن بمقدر بدور أن ترفض لئلا تنكشف شخصيتها وتمّ الأمر، لكن العروس "حياة النفوس" تتعجب من أن العريس لا يقربها أبداً ولا يفض بكارتها، بل يقوم بتقبيلها فقط واحتضانها، والنوم إلى الصباح، حيث يكتفى، تلميحاً من النص الأصلي وليس تصريحاً، بالاكتفاء بالمداعبات والاحتضان بما يشي بنوع من الألعاب الجنسية المثلية فحسب، إلى أن يحضر الزوج قمر الزمان ويتخذهما معاً زوجتين.

المثلية الذكورية والمثلية الأنثوية

وفقاً لسحر عامر، فإن أخطر جريمة في الإسلام هي الزنا، وهي عملية تتوجب حصول اختراق مهبلي، والكبيرة الأخرى هي "المثلية الذكورية"، ومن الطبيعي أن تكون الممارسة المثلية مكبوتة، لكن المثلية النسائية لم تذكر في القوانين الإسلامية التي تمنع بشكل لا لبس فيه "إتيان الرجل كما النساء"، ويعاقب عليها بالموت للـ"فاعل والمفعول به"، حيث ورد ذكر الأمر في القرآن، كما جاء في صحيح الترمذي عن النبي: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"، ويقول الشافعي إن "لا لواط إلا بإدخال الذكر في الدبر"، ولم تذكر النصوص شيئاً عن المثلية الأنثوية بمثل التجريم نفسه، كدليل عن التسامح مع تلك الممارسات واعتبارها أمراً غير ضار، طالما لا تتأذى به العذرية ولا يتم فيه اختراق.

كما تتناول سحر عامر موضوعاً آخر هو انتشار التشبه بالذكور من قبل النساء بمشيئة القوى السياسية النافذة في ذلك الوقت، فتذكر مثلاً أنه في العصر العباسي، ظهرت "الغلاميات"، أي الفتيات اللواتي يرتدين ملابس الصبيان، وتقول إن والدة الأمين هي من بدأت بإدخال هذه المزية من أجل تحويل ميول ابنها عن ملاحقة الخصيان والمرد، حيث كانت الفتيات يتنكرن بملابس العبيد الذكور، بل كن يرسمن الشوارب واللحى ويتعطرن بعطور الذكور، لإكمال السياق وجعل الخليفة ينسى ميوله "المنحرفة"، لذلك، كما تقول سحر، إن هذا التوجه متناقض للغاية، فهو من جهة يشجّع على التسامح مع الغلاميات وميولهم الجنسية المثلية، وبنفس الوقت يقوم بتركيز رغبات الرجال تجاه النساء.

يختلف التعامل مع مثلية الذكور، فالأمر ممنوع ومحاط بقيود الزجر والمنع، فالذكورة يجب ألا "تخترق" وألا يُفعل بها، بل تكون فاعلة على الدوام، فسيادة الذكور، جزء لا يتجزأ من الإيمان، وتعزيز الجنس الذكوري واجب أخلاقي، لزيادة النسل و"مباهاة الأمم" بالكثرة

وهناك العديد من القصص المشابهة التي تتحدث عن حب بين امرأتين لكن ليس بين ذكرين، مثل قصة هند بنت النعمان وقصة ولادة بنت المستكفي وغيرها، فقد كان الأمر ليس فقط مقبولاً إنما وكان من ضمن المستحسن، حيث يرد في كتاب التيفاشي أنه "قيل لمزيد: امرأتك تساحق، فقال: أنا أمرتها بذلك، قيل: ولم؟ قال: لأنه أنعم لشفرها، وأنقى لفم فرجها، وأجدر إذا ورد عليها الأير أن تعرف فضله".

وكتب العديد من المؤلفين من القرن التاسع إلى القرن السادس عشر، عن انتشار تلك العادة بين الطبقات العليا في المجتمع، عن "مدارس السحق" حيث تتعلم النساء كيفية توفير المتعة لبعضهن ويطلق عليه اسم "طحن الزعفران"، حيث جاء في نزهة الألباب للتيفاشي: تنام السفلى على ظهرها وتمد فخذها الواحد وساقها وتضم الأخر وتفرج عن فرجها مائلة لإحدى شقيها، وتأتي العليا فتحتضن الفخذ وتضع أحد شفريها بين شفري السفلى وتحك ذاهبة وجائية، في طول البدن، سفلاً وعلواً ولذلك يشبهونه بسحق الزعفران، لأن الزعفران يسحق على هذا المنوال"، بل يورد التيفاشي أيضاً العديد من الأشعار التي تبيّن فضل "السحاق" على الممارسة الغيرية، للخلاص من خشونة الذكورة، سهولة القيام به خفية، عدم الخوف من الحمل كما من إقامة حدّ الزنا على الممارسين، جاء في اللزوميات:

وكم قد سحقنا، أخت تسعين حجة/ أسرّ وأخفى من دخول الفياشل

ومن حبل يرضي العدوّ ظهوره/ وأعظم من هذا ملام العواذل

وليس علينا الحد في السحق كالزنا/ وإن كان أشهى منه عند القوابل.

لكن يختلف الأمر عند الحديث عن مثلية الذكور، فيصبح الأمر ممنوعاً ومحاطاً بقيود الزجر والمنع، فالذكورة يجب ألا "تخترق" وألا يُفعل بها، بل تكون فاعلة على الدوام، فسيادة الذكور، كما تقول سحر عامر، جزء لا يتجزأ من الإيمان، وتعزيز الجنس الذكوري واجب أخلاقي، لزيادة النسل و"مباهاة الأمم" بالكثرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard