إن الحب يا عزيزي...

الثلاثاء 23 فبراير 202103:55 م

أكثر ما يقلقني في العلاقات العاطفية هو الابتزاز العاطفي، أن يدخل أحدهم لحياتك فتحبّه ويبادلك الحب... ولكن احزر ماذا؟

لا يأتي بصحبة الحب فقط، وإنّما بحقيبة كبيرة مليئة بالقوالب التي لا تناسب مقاسك. فإمّا أن تكون ضيقة أو واسعة، ويطلب منك ارتداءها، سواء ناسبتك أم لا، والموافقة تكون تحت رغبتك باستمرار هذا الحب، ونعتقد أننا أحرار، ولكن أي حرية تلك التي تمارس تحت تهديد العاطفة؟

الكثير من الناس لا يعلمون شيئاً عن الحب سوى أنّه "إن كنت تحبّني فافعل هذا..."، ولا يهم إن كان الشريك يرغب حقاً بفعله أم أنه تحت تهديد حبنا المشروط!

لا أتحدّث هنا عن اختلاف لغات الحب بين البشر، ولا عن تلبية احتياجاتنا التي دفعت بنا لخوض هذه العلاقة، وحقنا بسدّ تلك الاحتياجات ما دمنا على اتفاق مع الشريك مسبقاً، ولا أتحدّث عن التزاماتنا تجاه شركائنا العاطفيين وواجباتنا تجاههم، ولكنني أتحدّث عن المساحة الشخصية للشريك، خياراته الفردية وتلك المكونات الرئيسية لشخصيته وكيانه. المكونات والتفاصيل التي لا تشكّل محوراً أساسياً في العلاقة بين الشريكين، لكننا ندور حولها بدافع التسلّط والتملّك لا أكثر، كأن نرغم الشريك على ارتداء ملابس معينة، التحدث بطريقة معينة، الخروج في ساعات محددة، انتقاء أشخاص معينين، العمل بوظيفة معينة وتقييد دائرته الاجتماعية بما نراه مناسباً، أن نقرّر له ما هو الخطأ وما هو الصواب، خارج إطار علاقتنا سوياً، نوع التجارب الحياتية التي يحق له خوضها والأفكار التي ينبغي أو لا ينبغي أن تراود ذهنه، فبمجرّد دخولنا علاقة عاطفية نعتقد أنه أصبح لنا الحق في التدخّل بما هو أبعد بكثير من العلاقة العاطفية، وتكون حجتنا دوماً هي الحب، ولا أعلم ما الرابط بين هذه الأشياء والحب؟

ما الرابط بين أن تحب إنسان وتحاول أن تصنع منه إنساناً آخر؟ أن تسجنه داخل شروطك ورؤيتك الخاصة بخوض الحياة. أنت يا عزيزي لا تشتري عبداً حين تحب، بل تكسب روحاً حرّة، تحرّرت من جسدها وأحبّتك

ما الرابط بين أن تحب إنسان وتحاول أن تصنع منه إنساناً آخر؟ أن تسجنه داخل شروطك ورؤيتك الخاصة بخوض الحياة. أنت يا عزيزي لا تشتري عبداً حين تحب، بل تكسب روحاً حرّة، تحرّرت من جسدها وأحبّتك.

ولكن يبدو أن الإنسان حين يشعر بالعبودية يحتاج لأن يصنع له عبداً آخر ليعتقد، واهماً، أنه حر! ولكن شتان ما بين الحقيقة والوهم.

لا أستطيع أن ألوم الأفراد، فنحن نعيش في مجتمعات لا تحترم الحياة الشخصية للفرد، لا تحترم قراراته ورغباته، وقد يصل الأمر لأن يتدخل حي بأكمله، أو مدينة بأكملها، للتأثير في خيار أحد الأفراد، ويأتي الشريك معتقداً أن ذلك من حقه أيضاً. فبدل أن يساندك لتتحررا سوياً، يرميك داخل سجون أعمق، والمصيبة الأكبر أن شريكك حين يبتزك عاطفياً لا يعلم أن هذا نوعاً من الابتزاز والإجبار، وأن لا علاقة له بالحب، بل قد يتطور الأمر لأن يكسر قلبه إن رفضت، ويظن أنك كنت تخدعه بكلمات الحب، ويصبح هو الضحية في عين نفسه، فنحن نسمع دوماً تلك العبارة: "إن كان يحبك سوف يتغير/تتغير".

لا يا عزيزي، إن أحببتك لن أتغيّر، لن أرتدي ملابس طويلة أو قصيرة لأثبت أنني أحبك، لن أتوقف عن المزاح مع الآخرين لأنك تحبني أن أكون جدية، ولن أتحول من شخصية جدية إلى واحدة مرحة على الدوام إن أردتني كذلك، ولن أختار العمل الذي يناسبك ويرضيك، لن أضيّق دائرتي الاجتماعية أو أوسعها تبعاً لرغبتك، لن أختارك لتكون حاكماً على كل خطواتي وآرائي وأفكاري، لن أتبعك أينما ذهبت وكيفما فكرت، ولن أكون ظلّ أحدهم لأثبت له أنني أحبه.

لا يا عزيزي، إن أحببتك لن أتغيّر، لن أرتدي ملابس طويلة أو قصيرة لأثبت أنني أحبك، لن أتوقف عن المزاح مع الآخرين لأنك تحبني أن أكون جدية، ولن أتحول من شخصية جدية إلى واحدة مرحة على الدوام إن أردتني كذلك، ولن أختار العمل الذي يناسبك ويرضيك

وإن أجابك شريكك بأن هذا هو التشارك، أخبره أنّ التشارك لا يعني الانصياع، التشارك هو أن يختار أحدكما شيئاً في الحياة، فإما أن تشاركه إيّاه بحب أو تدعه يخوضه لوحده. أن تقف لجواره بغض النظر عن أخطائه أو خياراته أو رغباته مادامت لا تؤذيك، أن لا تجبره على قولٍ أو فعلٍ بما يخص حياته ليحظى بك، أن لا تحاول جرّه من قلبه لتغيير حياته التي يحبها أيضاً، والحب، يا عزيزي، أن يدرك شريكك أن الحب بينكما هو حرية أوسع لحياته، أن يتعثّر ويحزن ويفرح ويفشل وينجح ويختار ويقرر ويخطئ ويغني ويرقص وينطوي وينطلق ويذنب، أن يدخل مرة إلى الجحيم ومرة إلى الجنة، ويبقى هناك إنسان بجانبه، يحبه ويدعمه ويدافع عنه مهما آلت إليه حياته، إنسان يستطيع أن يعطف عليه ويمنحه جناحين كلّما قصّ العالم أجنحته.




* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard