"بدنا خبز وعلم ومسرح"... هل المسرح في لبنان في طيّ النسيان؟

الخميس 25 فبراير 202104:00 م

تندرج المقالة ضمن مشروع "بيروت بلا نوافذ" وهي مساحة مخصصة لشابات صحافيات يتحدثن عن بيروت بعد الانفجار. يقدم رصيف22 السلسلة ضمن منحة "قريب" من CFI، الممولة من قبل AFD.

المسرح هو عبارة عن هذا الشغف الكبير الذي يقود المسرحيين، قبل أقدامهم حتى، ليعتلوا الخشبة، متعمدين بدموع المتفرجين/ات وضحكاتهم، فيفجّرون أقصى طاقاتهم ومشاعرهم وانفعالاتهم.

فالمسرح هو بوابة العبور الى الضوء، والغوص داخل كل مشاهد بهدف تبديد غيمة الصيف في قلبه، مع العلم بأن وراء المقل الدامعة مأساة أو فرحاً يجسدها شخص ما بجسده العاري وبأطرافه وصوته.

وفق المؤرخين، بدأت رحلة المسرح عند الإغريق والفراعنة، ليحط المسرح رحاله في لبنان من خلال مسرحية موليير "البخيل" في العام 1848، الذي قام بعرضها مارون النقاش في مسرحه المنزلي في بيروت، لتكون بذلك أول مسرحية في الوطن العربي بعد عصر النهضة.

حقبة الازدهار

تعتبر فترة الستينيات حقبة ازدهار المسرح مع ما رافقه من ازدهار اقتصادي، اجتماعي وسياسي.

خلال هذه الفترة تأسست 3 مسارح في لبنان: مسرح بيروت في عين المريسة، مسرح شوشو في ساحة البرج ومسرح الأشرفية.

وفي وقت لاحق، تأسس مسرح المدينة الذي لا يزال صامداً حتى اليوم، "البيكاديللي" الذي كان مقراً لعروض الرحابنة المسرحية والغنائية و"المسرح الكبير".

"المسرح هو بمثابة الرئة التي تسمح لنا بالتنفس، بخاصة وأنه فسحة للتعبير عن داخلنا وعن الواقع الخارجي"

شهدت هذه الفترة انطلاقة وتحولاً كبيراً في المسرح، وكانت المسرحيات تقدم باللغات الأربع: العربية، الفرنسية، الإنجليزية والأرمنية، وكانت البيئة اللبنانية الحاضنة للتنوع الديني، الطائفي والاجتماعي، أرضاً خصبة للإنتاج الفكري والمسرحي المتنوع والغني بثقافات شتى.

واللافت أنه خلال الفترة عينها، بات فرع من فروع الجامعة اللبنانية يعُنى بالمسرح والفنون الجميلة، حيث تخرج المئات، بعضهم من الوجوه المعروفة والمواهب الصاعدة.

لا شيء يبقى أو يدوم...

في العام 1975 اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، وبدأ المسرح بالتراجع مع تزايد وتيرة الموت في بيروت التي أضحت "مدينة منكوبة".

وهكذا، انقسم المسرح وتطايرت منه شظايا صارخة على هيئة أسئلة ومحاولات حثيثة للخروج من هذه الأزمة.

وفي تلك الفترة، ظهرت موهبة زياد الرحباني الاستثنائية، على شكل "قنبلة" غطت مساحة وطن كامل وانطلقت نحو البلدان العربية، لكن الضربة الكبرى التي أصابت المسرح، كانت عقب الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة الحزينة في العام 1982، حيث دُمّرت غالبية المسارح، وكان مصيرها الإهمال لاحقاً.

شغف لا ينضب

وبالرغم من كل المآسي التي لحقت بالمسرح اللبناني عبر السنين، إلا أنه يبقى في عيون المسرحيين عشقاً لا نهاية له.

"إنه شغف مستمر لا ينضب"، هكذا وصف المسرحي والممثل فادي أبي سمرا، المسرح، في حديثه مع موقع رصيف22.

واعتبر أبي سمرا أن "المسرح هو بمثابة الرئة التي تسمح لنا بالتنفس، بخاصة وأنه فسحة للتعبير عن داخلنا وعن الواقع الخارجي"، منوهاً بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أصابت هذا القطاع بالشلل، بخاصة مع جائحة كورونا وقرارات الإغلاق، التي تقتضي بأن يكون المسرح من أواخر القطاعات التي يسمح لها بفتح أبوابها.

هشم الانفجار ذاكرة بيروت، التي جسدناها على المسرح

ورداً على السؤال المتعلق بدور السلطة في إنهاض المسرح، أكد فادي أنها تسجل دوماً غيابها في جميع القطاعات: "إن السلطة بعيدة كل البعد عن مفهوم الاهتمام بالأماكن الثقافية والحفاظ عليها. تبقى الجمعيات المدنية والدولية من تجعل النهوض ممكناً".

وبحسب أبي سمرا، فإن مهنة التمثيل هي من أكثر المهن صعوبة، كونها لا تقدم ضمانات أو حقوقاً: "نستذكر الكثيرين من الأشخاص الذين قدّموا حياتهم على خشبة المسرح، ورحلوا على أبواب المستشفيات لاستثنائهم من حق الطبابة".

وأشار أبي سمرا إلى أن انفجار بيروت كان له أثر كبير لجهة تهشيم ذاكرة المدينة، شوارعها وأشخاصها: "لقد هشم الانفجار ذاكرة بيروت، التي جسدناها على المسرح. بالطبع تضررت مسارح عديدة، كمسرح الجميزة الذي دمر بالكامل ومسرح مونو".

وفي الختام، شدّد فادي أبي سمرا على أهمية التحلي بالأمل، رغم كل الوضع المأساوي الذي تمرّ به البلاد: "عندما نعود الى الوراء، نلاحظ جلياً تبلور حركة المسرح ونشاطها، إلا أن المفارقة اليوم أننا بتنا نعاني على كل الأصعدة، فالوضع مأساوي رغم محاولة انتشال أنفسنا من هذه الإحباطات، ويبقى أمل الاستمرار حاضراً".

أحلام الطفولة المهملة

على الرغم من اختلاف الطاقات والخبرات بين أبناء المسرح، الا أن حال هذا القطاع واحد لدى الجميع دون استثناء: الخضوع لإهمال السلطة.

في حديثها مع موقع رصيف22، اعتبرت آية أبي حيدر، طالبة مسرح في الجامعة اللبنانية، أن جائحة كورونا لم تكن وحدها السبب في "انطفاء" شعلة المسرح، بل "إهمال هذا القطاع منذ زمن بعيد، وعدم تأمين أبسط ما يلزم من احتياجاته كمسرح وطني، لأن إيجار المسرح اليوم هو عبء على أي مسرحي"، على حدّ قولها.

وكشفت آية أن العديد من المسارح الوطنية "أصبحت خارجة عن الخدمة" و"في طيّ النسيان"، كالمسرح الكبير في وسط بيروت، الذي توقفت عروضه بعد بداية الحرب الأهلية بسبع سنوات، مشيرة إلى أنه "ورغم إصرار ومجهود المسرحيين على إعادة افتتاحه عوضاً عن إقامة ذكرى تأبينية له، إلا أن المحاولات لم تنجح، وأصبح رهناً للشركات الخاصة، وحتى اليوم لا يزال مصيره الإهمال".

واعتبرت أبي حيدر أن دور السلطة غائب من الأساس، كما أشارت إلى أن العديد من المدارس الحكومية تغيب عنها حصص التمثيل، كونها من "الكماليات"، ولا تتحمل أعباءها إلا المدارس الخاصة والمرموقة: "منذ صغري كنت أحب المسرح، إلا أنه لم يكن خياراً في المدرسة الرسمية، وبالتالي لم يكن هنالك فرصة للدخول مبكراً الى هذا العالم، الذي يجعل الفرد منّا ينسى حزنه وقلقه، ونخرج من أنفسنا مرتدين كاراكتير آخر لا يشبهنا"، وتابعت بالقول: "في الكثير من الأحيان، نعود من أحلام اليقظة إلى الواقع عبر تصفيق الجمهور، ما يزيدنا سعادة".

هذا وعادت آية بالذاكرة إلى أجمل فترات المسرح، حيث كانت قبل عامين تعرض كل ليلة مسرحيات مختلفة مجانية، خلال فعاليات مهرجان المسرح الوطني، الذي بذلت فيه المجموعات والجمعيات ونقابة المسرح، رغم إمكانياتها الخجولة، جهوداً كبيرة.

المسرح حاجة إنسانية ملحة

تحدث المخرج كريم دكروب، صاحب الخبرة الواسعة في مسرح الدمى والأطفال، عن كيفية تأثر المسرح عقب ثورة 17 تشرين اللبنانية التي فجرتها الأزمة الاقتصادية: "بعد فترة من الإقفال، أعدنا فتح أبوابنا للمشاهدين الذين أبدوا اهتماماً كبيراً بالعروض".

وأوضح دكروب لرصيف22 أنه بعد التخفيضات بأسعار البطاقات أصبح الإقبال على المسرح أكبر، وبخاصة مسرحيات الأطفال، "بحيث شعر الأهل بضرورتها لأولادهم لنموّهم النفسي، خصوصاً عقب الأحداث الأمنية".

وأضاف كريم: "أغلقنا أبوابنا مجدداً عند التصريح عن أول حالة كورونا في لبنان لضمان سلامة الجميع، واستمر الإغلاق لثمانية أشهر، وعندما عادت الحياة مجدداً الى المسرح، عاد الناس بشغف مضاعف بعد غياب قسري".

"على غرار كل النكسات الماضية، المسرح مرادف للإبداع والابتكار، ورغم العاصفة التي نحن في خضمها الآن، بالتأكيد لا مجال للتشاؤم. سنجتاز الصعاب بالإبداع"

وأشار دكروب إلى أنه في الأزمات فإن أولى القطاعات التي تتأثر هي القطاعات الثقافية، بالرغم من أنها ليس فقط وسيلة إمتاع أو ترفيه، بل هي أساس بناء كل مجتمع وهويته، إلا أن العديد من الحكومات لا تراعي مدى أهميته، وتبقى المأساة تلاحق من اتخذ المسرح سلاحاً وحيداً يواجه به عثرات الحياة.

هذا وقد وصف كريم المسرح بأنه "اجتماع، لكونه يسمح للأفراد بالتفاعل والتشارك" مضيفاً: "على الرغم من زعم العديد بأن عصر المسرح قد انتهى، إلا أنني أقول إنه يولد ويبعث من جديد، ويواكب كل تطور".

هذا واعتبر كريم دكروب أن جائحة كورونا قد تستمر لبضع سنوات، لكن المسرح سيتعايش مع كل جديد: "على غرار كل النكسات الماضية، المسرح مرادف للإبداع والابتكار، ورغم العاصفة التي نحن في خضمها الآن، بالتأكيد لا مجال للتشاؤم. سنجتاز الصعاب بالإبداع".

خلال فترة الانتفاضة اللبنانية برزت عبارة تقول: "بدنا خبز وعلم ومسرح"، ولأن الهدف من المسرح هو "مواجهة الحدود"، كما كتب أحدهم داخل المسرح الكبير المهجور، فمن المحتمل أن ينهض المسرح من جديد متسلحاً بالإبداع فقط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard