"خليل" الذي لم يُفجّر نفسه مرة ثانية!

الثلاثاء 2 مارس 202111:19 ص

كان ضابطاً في الجيش الجزائري، وكان اسمه محمّد مولسهول، صار كاتباً، وصار اسمه ياسمينة خضرا. ترافق تغييره الجذري لنوع عمله إذن مع بروزه فيه تحت اسم زوجته، متصدّراً أغلفة رواياته إلى جانب عناوينها المترجمة إلى أكثر من 42 لغة، بما فيها العربية، فهو يكتب بالفرنسية، وهذا تغيير ثالث.

ويبدو أنه نقل معه إلى مهنته الجديدة شيئاً من مهنته الأولى، إذ إن قلمه لا يكف عن إطلاق الكلمات، كرشّاشٍ حربي من ذاك النوع الضخم الذي يبتلع سلسلة لا نهائية من الطلقات، تتراقص في كل الاتجاهات، كأفعى تنازع. نتحدث عن 38 رواية في عدد مماثل من السنوات!

كان محمّد مولسهول  ضابطًا في الجيش الجزائري، وصار كاتباً، وصار اسمه ياسمينة خضرا. ترافق تغييره الجذري لنوع عمله إذن مع بروزه فيه تحت اسم زوجته، متصدّراً أغلفة رواياته التي تُرجمت إلى أكثر من 42 لغة

هناك ما يساعدنا على فهم هذه الغزارة الإنتاجية؛ فمواضيع العديد من رواياته ترتكز على أحداث واقعية كبرى شغلت العالم، سمعناها كأخبار في النشرات، وتناولها المحللون السياسيون في الجرائد والاستديوهات، مع الإشارة إلى "الخطورة" التي يحملها عادةً هذا النوع من الكتابة "السهلة"، المتمثّلة بالوقوع في فخ التوثيق الصحفي على حساب الإبداع الأدبي:

من عودة شبح الأصولية في الجزائر، الذي لم يتراجع إلا بعد صراع دموي طويل، في "خرفان المولى"، إلى قضية طالبان في أفغانستان في "سنونوات كابول"، والنهاية الدموية للزعيم الليبي معمّر القذّافي في "ليلة الريّس الأخيرة"، وصولاً إلى الرفع الجزئي للحصار الأميركي المفروض على كوبا، بعد تنحّي فيديل كاسترو، في "ليس لهافانا ربٌّ يحميها". كذلك الحال مع "خليل"، آخر رواياته المنقولة إلى العربية، بترجمة ديمة علي فقيه، عن دار نوفل- هاشيت أنطوان.

في الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2015، أثناء مباراة كرة قدم بين منتخبي فرنسا وألمانيا، يتعرض محيط ملعب ستاد دو فرانس، وأنحاء أخرى من العاصمة الفرنسية باريس، لعدة هجمات إرهابية متزامنة. كان خليل أحد أفراد خلية انتحارية ضمّت أربعة عناصر، من ضمن عدة خلايا مهاجمة.

كان الأربعة يتحزّمون بأحزمة ناسفة: الشقيقان، اللذان لم يرهما خليل وصديق عمره إدريس، كانا سيفجّران نفسيهما في المدرّجات، إدريس عند أحد المخارج وسط الجموع الهَلِعة، وخليل داخل المقصورة الأكثر اكتظاظاً في ميترو الضواحي السريع، بين من ظنّوا أنهم نجوا وأمّنوا على حيواتهم. لكن حزام خليل لم ينفجر! سحق إصبعه الزر دون نتيجة.

الأساس هو العائلة، التفكك الأسري المسيطر، الذي ينعكس في التسرب المدرسي وتشرد الأولاد، ثم انخراطهم في تجارة الممنوعات أو أنواع الجريمة الأخرى. النقص العاطفي داخل الأسرة يدفع الشباب إلى تعويضه داخل أسر أخرى كـ"جمعية التضامن الأخوي"، يشعرون بالانتماء إليها نتيجة قواسم مشتركة، تتعدى الدين إلى الحالة الاجتماعية، فيكتسبون الثقة، يمتلئون بالقوة، يعون أهميتهم كأفراد ويتعلمون تقدير أنفسهم.

العديد من روايات محمّد مولسهول ترتكز على أحداث واقعية شغلت العالم، سمعناها في النشرات، وتناولها المحللون السياسيون، وهو نوع من الكتابة يضع صاحبها في خطر  الوقوع في فخ التوثيق الصحفي على حساب الإبداع الأدبي وهو تحد نجح مولسهول في تخطيه

خليل الذي لم يمت، لم يعد إلى الحياة أيضاً، إلى حياته التي رماها وراءه. ترعرع مع إدريس وريان في بناية واحدة، ضمن أحد الأحياء الشبيهة بالمزارع في العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث يُعامل من يتعدى حدودها بدونيّة من قبل أهل البلد الأصليين، تؤكد له أنه لن يصير أبداً مواطناً مثلهم، سيكون في أحسن الأحوال "بلجيكياً مزيّفاً"، مثل ريان، الذي يختلف عن صديقيه بأنه أكمل تعليمه ووجد وظيفة ثابتة ومحترمة.

الأساس هو العائلة، التفكك الأسري المسيطر، الذي ينعكس في التسرب المدرسي وتشرد الأولاد، ثم انخراطهم في تجارة الممنوعات أو أنواع الجريمة الأخرى. النقص العاطفي داخل الأسرة يدفع الشباب إلى تعويضه داخل أسر أخرى كـ"جمعية التضامن الأخوي"، يشعرون بالانتماء إليها نتيجة قواسم مشتركة، تتعدى الدين إلى الحالة الاجتماعية، فيكتسبون الثقة، يمتلئون بالقوة، يعون أهميتهم كأفراد ويتعلمون تقدير أنفسهم.

هذه الرواية التي تتشابه في فكرتها العامة مع روايته المثيرة للجدل "الصدمة"، تثير النقاش بشأن الحالة الإسلامية العنفيّة: العنف نتيجة، لكن السؤال إن كان نتيجة عدم الاندماج الاجتماعي في بلدان الهجرة الأوروبية، والإحساس الدائم بالغربة والعجز عن الانتماء، أم أن جذوره تضرب في صُلب العقيدة، وقد جيّشه خطباء ذوي كاريزما وتأثير؟

"إن إقصاء الشخص بسبب اختلافه يؤجج الحساسيات، والحساسيات تثير الإحباط، والإحباط يولّد الكره، والكره يولّد العنف"، بحسب أحد الآراء، المحمولة في واحد من الحوارات الكثيرة في الرواية، التي تمنحنا إلى جانب بساطة السرد وسلاسته والمشهدية المتكررة على امتداد الصفحات، إحساساً بأننا نشاهد فيلماً سينمائياً.

صار خليل، بعد عودته من باريس في ليلة فشل عمليته، كمن يطفو في حالة وسطيّة بين الحياة والموت. هو ذهب ليموت، لكنه بدل أن يبلغ فردوسه بمباهجه العامرة، عاد وهبط مرتطماً بقذارة العالم مجدداً، وها هو يعيش ليموت مرة أخرى. تآكله الشك، فلماذا لم يكن زر التفجير موصولاً إلى القنبلة، وكان هناك بدلاً من ذلك هاتف صغير مطفأ، كأنَّ هناك من يريد تفجيره عن بُعد.

صار أميره الياس، شيخه المبجّل وبقية إخوانه يعاملونه بطريقة أخرى، يرى هو فيها معاملتهم لجبان تراجع عن أداء مهمّته في اللحظة الأخيرة، وهكذا بدأ انسحابه التدريجي غير الواعي من الجمعية، ليرجع إلى المتسكع، المتشرد، عديم الهدف، الذي كانه قبل الانضمام إليها.

"إن إقصاء الشخص بسبب اختلافه يؤجج الحساسيات، والحساسيات تثير الإحباط، والإحباط يولّد الكره، والكره يولّد العنف"

وقع الاختيار عليه بعد بضعة أشهر لتنفيذ عملية ثانية في المغرب، مسقط رأس والديه، وحيث يعيش جزء من عائلتيهما، وحيث دفنت أيضاً ابنة خالته التي قضت في تفجيرات باريس. العملية الجديدة انتقام من السلطات هناك، لأنها قتلت، تعذيباً في المعتقل، إمام الجمعية صادق، الذي رحّلته الدولة البلجيكيّة إلى بلده الذي سبق أن طرده، بسبب اتهامه بالتحريض على هجمات العاصمة الفرنسية.

في فترة التحضير الذهني واللوجستي للعملية، تقع عمليتان تصيبانه في قناعاته الراسخة: أولاً تفجيرات ميترو بروكسل التي راحت ضحيتها أخته التوأم زهرة، الوحيدة التي كان يحبها ويشعر بالقرب منها من بين أفراد عائلته، وثانياً هجوم مانيكن بيس، حيث رمى رجل بنفسه إلى الموت حاملاً سكيناً في وجه رجلَي شرطة مسلحيَن.

يركب إدريس وزهرة الطائرة معه إلى مراكش. إنهما هناك في العالم الآخر، على تناقض طريقة رحيلهما إليه. الجلّاد يناديه، والضحية تنادي عليه. هو في شوق لهما، ولعل هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يجعل قناعاته تنهار، لا الظروف الحياتية القاهرة ولا الإعداد الأيديولوجي المكثّف. ظلّت الأسئلة تدور والحيرة تأكل الرأس، حتى بلوغ ليلة الهجوم المزمع على ساحة جامع القنا، حيث تُقطع برامج التلفزة قبل الوقت الذي كان مفترضاً أن تُقطع فيه، بخبر عاجل مغاير تماماً، لأن هناك من قرر عدم اقتلاع زهرات أخريات!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard