"الفايك نيوز"... طريق مختصر إلى قلوب الملايين

الجمعة 5 مارس 202108:41 ص

يتفق العديد من الباحثين وعلماء الآثار والحفريات على أن صاحب كتاب "فن الحرب" هو القائد الصيني "سان تسو"، أو "المعلم سان"، الذي عاش تقريباً في القرن الخامس قبل الميلاد، في زمن "الخريف والربيع" والحروب الطاحنة بين الممالك في الصين القديمة.

تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه أقدم كتاب حربي في التاريخ، وكتب على أوراق مستخرجة من نبات البامبو. في زمن حروب ملحمية شديدة الدموية، رأى سان تسو أن أهم الانتصارات الحربية هي التي تُنجز بأقل الخسائر البشرية والمادية. ولتحقيق ذلك، يجب التمكن من أنظمة المعلومات والتحكم بها قصد اتّخاذ القرارت بناءً عليها في مرحلة أولى، وتحويرها أو حجبها لمغالطة الخصم وتضليله في مرحلة ثانية.

ربما يكون هذا الكلام أوّل مدوّنة حول أهمية المعلومة وحول توظيفها في تحقيق الأهداف وإحراز الغايات.

ما إن ألقت الأزمة الخليجية بظلالها على رمال شبه الجزيرة العربية في صيف 2017، حتى اشتدت الأصابع وشحذت لوحات المفاتيح من الطرفين للانطلاق في فتح صفحة جديدة في سلسلة صراعات الشرق الأوسط التي لا تنتهي، لكن بشكل جديد: حرب إلكترونية.

وككل حرب ومعركة، كان لها صداها وآثارها: ملايين التغريدات والترندات في الاتجاهين وجماهير من المدوّنين، آدميين وروبوتات، تجتاح منصات التواصل الاجتماعي، تعاضدها وسائل البروباغندا التقليدية. وذخيرة هذه الحرب كانت: الأخبار الكاذبة، أي "الفايك نيوز".

ظاهرة الفايك نيوز التي تطل برأسها في سجالات كثيرة، دفعت إدارات تويتر وفيسبوك إلى نصب راداراتها وتشديد سياسات الاستعمال، لضبطها ومحاربتها. فكيف تكونت هذه الظاهرة؟ وما هو خطرها؟ وإلى مدى يمكن أن تؤثر على أرض الواقع؟

التكنولوجيا... بخبيثها وطيّبها

ربما البحث في أصل ظهور "الفايك نيوز" هو ضرب من العبث، أو في أحسن الحالات سعي للإجابة عن سؤال فلسفي كان من عوامل ظهور مدرسة الفلسفة الأخلاقية: متى وكيف ظهر الكذب؟

لكن لهذه المسألة سياق عالمي وتاريخي معاصر يمكن ربطها به، إذ تتخذ شكلاً من أشكال الدعاية/ البروباغندا الحديثة. ويحيل مفهوم البروباغندا، في المخيال العام، إلى الأنظمة الشمولية. لكن سنة 1928، كتب إدوارد برنايز نصاً بعنوان "بروباغندا"، دلل فيه على استعمال تقنيات فرويدية (نسبة لسيغموند فرويد، وهو قريبه)، للتلاعب بالمعلومة والخبر قصد توجيه الرأي العام في الأنظمة الديمقراطية المتباهية بالشفافية وبمواطنيها "الأحرار".

يمكن اعتبار هذا الكتاب سيرة ذاتية لبرنايز الذي كان وراء عدد من الحملات الدعائية/ الانتخابية في الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الغربية، وكان كذلك مهندس العلاقات العامة لعمالقة الاقتصاد في العالم النيوليبرالي.

"ملكي أكثر من الملك". هكذا كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تجاه خصومه من الديمقراطيين الذين يجيدون اللعب في حقل الإعلام والميديا، خاصة مع تصاعد موجة الصواب السياسي والملاءمة الثقافية في آخر عقدين.

في مقال لنيكولاس كار، سنة 2015، نشره في مجلة بوليتيكو Politico بعنوان "كيف تدمّر وسائل التواصل الاجتماعي السياسة؟"، يحلل الكاتب ظاهرة التعصب من خلال تحضيرات ترامب لخوض انتخابات 2016: "المرشح الأول للرئاسة ملائم جداً لخوارزميات غوغل". فتغريداته القصيرة العاطفية الملغّمة بالتهكم، والعنف والاستفزاز هي بمثابة قنابل انفعالية.

لماذا؟ حسب دراسة لمجموعة باحثين من جامعة بنسلفانيا، سنة 2009، بعنوان: "ما الذي يجعل المحتوى الافتراضي عنيفاً؟"، تبلغ درجة تداول مقال ذي محتوى عنيف/ مستفز 34% أكثر من أي محتوى عادي.

"نظرية المؤامرة تقدّم إجابات سهلة لتساؤلات مزعجة... ما دام هناك خاسر، فهناك رابح وله حيلة ومؤامرة. إجابة سهلة ومقنعة. وإلا، كيف يمكن أن تنهزم ‘خير أمة أخرجت للناس’؟ في هذا المناخ، نشأت نظرية المؤامرة وعششت في أدمغة كثير من المواطنين العرب"

بعد 558 يوماً من فوزه، أطلق ترامب 4229 كذبة/ مغالطة حسب مقال في واشنطن بوست. وانتهى الأمر بتسبب تغريداته في اجتياح مناصريه للكونغرس في كانون الثاني/ يناير 2021، ما أدى إلى حجب حساباته عن مواقع السوشال ميديا.

ربما "ليس ترامب سوى الشجرة التي تخفي الغابة"، حسب تعبير نولان هيغدون، صاحب كتاب The anatomy of fake news. لعب الديمقراطيون ورقة "الفايك نيوز" أيضاً من خلال عاصفة الاتهامات بوقوف روسيا وراء ترامب وإشاعة فكرة تحكم "هاكرز" روس بالرأي العام الأمريكي.

الأمريكيون ليسوا استثناءً. شهدت دول أخرى عدّة مثل هذه الظواهر. لم تخلُ الانتخابات الفرنسية عام 2017 من هذه الظاهرة التي تسمى في فرنسا بـ"Intox". كل مكان تتوفر فيه الحرية والسوشال ميديا يصير حقلاً خصباً للفايك نيوز. وإنْ غابت الحرية، عادت الفايك نيوز إلى طورها الأول وهو بروباغندا النظام، وهي عموماً جملة من الحقائق المحرّفة أو الدعاية الموجهة، لكن في اتجاه واحد، كما فعلت الصين مع الاحتجاجات في هونغ كونع حين اعتبرت المتظاهرين عملاء للسي آي إيه، وأن ما يجري مؤامرة.

المؤامرة الكونية الكبرى... الخيالية

في إجابة على سؤال "ما سر شعبية نظريات المؤامرة؟"، يقدّم محررو مجلة الفلسفة الفرنسية وجهة نظر أربع مدارس فلسفية. ففي تأمّلاته الميتافيزيقيّة، وبناءً على مبدأ "الشكّ طريق إلى اليقين"، طرح رينيه ديكارت فكرة وجود مخلوقات فضائيّة تتلاعب به وبأفكاره، لينتهي إلى نفيها. فيما يرى غاستون باشلار أن نظرية المؤامرة تقدّم إجابات سهلة لتساؤلات مزعجة. أما نيتشه فلا يقرّ بوجود الحقيقة بمعناها التقليدي، ولكن بوقائع وافتراضات. وبالتالي، كل شيء وارد، بما في ذلك المؤامرة. وأخيراً، يعتبر كارل بوبر البشر شكّاكين بالطبع ما يفتح مجالاً لروايات التآمر.

"ربما البحث في أصل ظهور ‘الفايك نيوز’ هو ضرب من العبث، أو في أحسن الحالات سعي للإجابة عن سؤال فلسفي كان من عوامل ظهور مدرسة الفلسفة الأخلاقية: متى وكيف ظهر الكذب؟"

ساهم الإنترنت في تغذية الشعور بالمؤامرة الكونية على الإسلام والمسلمين من قبل "الآخر"، هذا "الآخر"، الجحيم كما وصفه جان بول سارتر، والذي ألصقت به كل خيبات العرب، والمسلمين، وهزائمهم.

ما دام هناك خاسر، فهناك رابح وله حيلة ومؤامرة. إجابة سهلة ومقنعة. وإلا، كيف يمكن أن تنهزم "خير أمة أخرجت للناس"؟ في هذا المناخ، نشأت نظرية المؤامرة وعششت في أدمغة كثير من المواطنين العرب عموماً، والشباب خصوصاً.

في كتاب "الشباب والجهادية: التحولات الممنوعة"، يرى مجموعة من الباحثين أنه مع انتشار الإنترنت في العالم العربي، مطلع القرن 21، زاد عدد المواقع التي تتداول محتويات حول الماسونية، معركة أرمجدون، تحالف الدول المسيحية، المارد الصيني، الحكام العملاء، مخططات التقسيم... بالاستناد إلى بعض الحقائق كاتفاقية سايكس بيكو وخروج الأرشيف البريطاني إلى العلن بما يحويه من مراسلات واتفاقيات. شكل كل هذا مادة دسمة وظفتها جماعات وأنظمة سياسية، بالاستعانة بعوامل أخرى، لاستقطاب العديد من المتحمسين إلى ساحات القتال كجهاديين وانتحاريين.

مع تزايد التطورات التكنولوجي، تعمّق مستنقع الفايك نيوز مع ظهور الـSpam Bots، وهي روبوتات رقمية من خوارزميات معززة بالذكاء الصناعي ومستندة إلى قواعد البيانات الضخمة (Big Data)، قادرة على إطلاق تغريدات وتدوينات، مع إرسال الرسائل والتعليق والتفاعل والمشاركة وصولاً إلى الإبلاغ، لتكون المحصلة جيوشاً من الذباب الإلكتروني بكل ألوان الطيف السياسي.

بذلك، عمّت ظواهر التشهير، الشتم، التنمر، التضليل والمغالطة... ومع معضلة "العقل العربي"، يدفعنا الأمر للتساؤل عن مصير السلم الاجتماعي العربي، وعمّا إذا ما زال بالإمكان الحديث عنه. وزادت أزمة الاغتراب عند المواطن العربي.

لتلافي هذا التضليل الإعلامي وتقليص أثره، تُسارع مواقع التواصل الاجتماعي لتعديل شروط الاستعمال وملاحقة الأخبار الزائفة كما فعل تويتر بإضافة خدمة "كشف الحقيقة" Get the fact. لكن أي حقيقة؟

حسب البروفيسور في جامعة كاليفورنيا نولان هيغدون، بَنَت هذه المواقع نجاحها على تداول الأخبار الزائفة، فهل يعقل أنها فعلاً ستحاربها؟ لهذا يقترح الحل في التعلم والتحقق، والتساؤل والتثبت من المصادر، واستعمال المعلومة مع الحذر من أن نكون ضحيتها، بل يجب أن نبقى في تساؤل مستمر: لماذا أتفاعل/ أشارك أي منشور/ تدوينة؟ ألأنه يغذي قناعاتي؟ أم لأنه يعجبني؟ أم لأنه صحيح؟ هذا هو الجوهر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard