صراع السياسة الجزائرية يجد طريقه إلى الكرة... مقعد واحد وعقوبات تنتظر

الجمعة 19 فبراير 202102:13 م

ولعُ الجزائريين بكرة القدم يقترب من الجنون، وشغفهم بها لا يضاهيه شيء، لذلك انشغل الرأي العام الجزائري بخبر زيارة رئيس الفيفا، التي ألغيت عقب ساعات قليلة من الإعلان عنها، بعدما تجاوز الجدل حولها، دائرة الرياضة ليدخل مربع السياسة.

الرحلة التي رآها البعض خطوة عادية في مسار جولة إنفانتينو الإفريقية، قرأها آخرون كتدخل سافر في الشأن الداخلي الجزائري، ودعم لرئيس اتحاد الكرة المحلي في مواجهته مع وزير الرياضة، عقب تصاعد حدة الخلاف بينهما يوماً بعد يوم، في صراع يمثل مرآة عاكسة لمعركة سياسية بين الحرس القديم الذي حكم الجزائر لسنوات، والحرس الجديد الطامح في بسط سيطرته على مقاليد الحكم.

الحرس القديم يواجه الحرس الجديد

عندما ترقص السياسة على أنغام الرياضة، تتلبد سماء الفيفا لتمطر عقوبات.

هذا ما يخشاه الجمهور الجزائري، بعد احتدام الخلاف بين رئيس اتحاد الكرة خير الدين زطشي، ووزير الرياضة سيد علي خالدي، على خلفية رفض السلطات الجزائرية، تعديل القانون الأساسي لاتحاد الكرة، الذي ينص على إدراج مواد متعلقة بتحديد سن المرشح وخلفيته الرياضيه ومحل إقامته.

وهي التعديلات التي أثارت تحفظ السلطات ورأتها منافية لروح الديمقراطية والتنافس على منصب الرئيس، مشيرةً إلى أن زطشي يريد تعبيد الطريق لنفسه عبر تلك التعديلات للحفاظ على منصبه، متكئاً على علاقاته في الفيفا للي ذراع الدولة.

ولمعرفة الجدل القائم حول زيارة إينفانتينو، لا بد أن نلقي نظرة على كرونولوجيا الأحداث وبداية الصراع بين الحرس القديم والجديد في حكم الجزائر.

مع بداية الحراك الشعبي، تغيرت موازين القوى، ودخل المسؤولون السابقون إلى السجن، والذين يصفهم الجزائريون بـ "العصابة" ، وهنا ضعفت شوكة زطشي في مواجهة السلطة الجديدة، التي كشفت منذ البداية رغبتها في التخلص منه، باعتباره تركة ثقيلة للنظام السابق

جاء خير الدين زطشي على رأس الاتحاد الجزائري في 27 أذار/مارس عام 2017، في ظروف وصفت حينها بالغامضة، فالانتخابات حسب المتابعين كانت شكلية، والزمرة الحاكمة آنذاك هي التي فرضت الرئيس الشاب على رأس أكبر هيئة كروية في الجزائر، بعدما أبعدت محمد روراوة الذي كان بمثابة إمبراطور الاتحاد الجزائري لكرة القدم. وأشارت أصابع الاتهام حينها لوزير الرياضة الأسبق الهادي ولد علي، بتأثيره على مجريات الجمعية العمومية الانتخابية، حسب شهادة محمد زرواطي عضو لجنة الترشيحات.

ومع بداية الحراك الشعبي، تغيرت موازين القوى، ودخل المسؤولون السابقون إلى السجن، والذين يصفهم الجزائريون بـ "العصابة" ، وهنا ضعفت شوكة زطشي في مواجهة السلطة الجديدة، التي كشفت منذ البداية رغبتها في التخلص منه، باعتباره تركة ثقيلة للنظام السابق.

رغم التتويج … زطشي يحرم من الوسام

رغم أن زطشي نجح في ما عجز عنه آخرون، عندما توج بكأس أمم إفريقيا التي احتضنتها مصر عام 2019 أغلى الألقاب القارية، الذي غاب عن خزائن المنتخب طيلة ثلاثة عقود كاملة. إلا أن تصنيفه السياسي كرجل النظام القديم حرمه من الاستقبال الرسمي، وحرمه كذلك من وسام الاستحقاق الوطني، الذي مُنح لجميع اللاعبين والطاقم الفني، في إشارة واضحة لرفض السلطة الجديدة للرجل.

هذا التوجه بات أوضح بعد تقلد الوزير الشاب سيد علي خالدي الحقيبة الرياضية، في أول حكومة للرئيس عبد المجيد تبون، إذ دخل الوزير في صراع مباشر مع زطشي، صراع يصفه الصحافي كمال مهوي لرصيف22: "بأنه شخصي أكثر من كونه بين هيئتين رسميتين"

يحاول مهوي أن ينصف زطشي وسط حملة شعواء تشن ضده شارحاً: "الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وخير الدين زطشي، وجهان لعملة واحدة، وكلاهما كان في النظام السابق، وحتى وزير الرياضة سيد علي خالدي يعتبر من الحرس القديم، فالرجل جار وصديق لرئيس الاتحاد الجزائري السابق محمد روراوة، لذلك يعمل ضد زطشي، لكنه مهما فعل، يبقى زطشي الأقرب لخلافة نفسه، ما دامت الجمعية العامة تؤيده وتساند مشاريعه".

صراعات متصاعدة

الصراع بين زطشي والوزير، أو بين ما يمثله كلٌ منهما في الخريطة السياسية للجزائر، انتقل الى مربع التصعيد الدولي والتلويح بالعقوبات.

فبعد أقل من أسبوع من إعلان السلطات الجزائرية (ممثلة في اللجنة الوطنية المشتركة) رفضها تعديل قوانين اتحادات الرياضة، أعلن الاتحاد الجزائري لكرة القدم "بشكل مفاجئ"، عن زيارة رئيس الفيفا جياني إنفانتينو إلى الجزائر، وهو ما اعتبرته الدولة تهديداً مبطناً من زطشي لها باستخدام علاقاته في الفيفا لفرض عقوبات على الجزائر من قبل الاتحاد الدولي، الذي يحظر على الأنظمة السياسية الحاكمة التدخل في شؤون الكرة في بلادها.

ذلك التصعيد من قبل زطشي استتبعه تصعيد من الجانب الآخر الذي ضم أسماء لها ثقلها الاقليمي هي الاخرى مثل: المعلق المعروف حفيظ دراجي الذي هاجم الزيارة على صفحته قائلاً: "الدولة مطالبة بعدم الموافقة على زيارة رئيس الفيفا للجزائر في هذا الظرف. القصة تحمل أبعاداً أخرى لها ارتباط وثيق بالسيادة الوطنية، التي لا تقبل المساومة أو التفاوض".

ما زاد من حدة التوتر لدى النظام الجزائري هو توقيت زيارة إنفانتينو التي كانت مقررة في 21 و 22 بالتزامن مع الذكرى الثانية لاندلاع الحراك الشعبي، الذي تخشى السلطات أن يتحول من يوم احتفالي إلى إعلان لعودة التظاهرات، التي لطالما تسببت لها بوجع رأس كبير، ارتاحت منها لقرابة عام بسبب الجائحة الصحية.

لا يدري أحد كيف سينتهي هذا الصراع بين خالدي وزطشي، الذي يحدث تحت أعين الفيفا. لكن المؤكد أن ما يحدث بينهما هو صورة مصغرة لأزمة الجزائر اليوم

وتقول بعض المصادر المقربة من اتحاد الكرة الجزائري، لرصيف22 إن إنفنتينو أراد مقابلة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بحكم المكانة الكبيرة التي يحظى بها كرئيس للفيفا، لكن السلطات الجزائرية لم توافق على هذا الطلب، بحجة أن الظرف السياسي الذي تمر به البلاد غير مناسب على الإطلاق، وهو ما أدى بإنفانتينو إلى التراجع عن فكرة زيارة الجزائر، وتأجيلها إلى وقت لم يحدد بعد.

الجزائر هي الخاسر الوحيد

في خضم الصراع القائم سواء بين وزير الرياضة ورئيس اتحاد الكرة، أو بين الحرس القديم والجديد، دخلت الجزائر معركة، الرابح فيها خاسر.

أحد المقربين من اتحاد الكرة تحدث الى رصيف22 عن ملابسات استبعاد زطشي من الترشح لمجلس الفيفا قائلاً: "استبعاد زطشي هو نتيجة منطقية للانقسامات الداخلية في الجزائر، فالذي حدث جاء بعد جراء وشاية من داخل الجزائر لرئيس اتحاد الكرة المغربي فوزي لقجع، الذي أبلغ لجنة الحوكمة في الفيفا بوجود عقوبة محلية على زطشي، إلى جانب العقوبة الإفريقية التي كان على دراية بها، وبذلك استبعد اسمه من الترشح وخسرت الجزائر". ويختم المصدر: "انقساماتنا أعطت للقجع الفرصة لضرب عصفورين بحجر واحد، أولاً قطع الطريق أمام منافسه الجزائري حول مقعد مجلس الفيفا، وثانياً توجيه ضربة سياسية قوية، في ظل الأجواء المشحونة بين البلدين، على خلفية التوتر في إقليم الصحراء، المتنازع عليه بين المغرب وجبهة البوليساريو، التي تدعمها الجزائر.

يتفق المحلل الرياضي صالح بوتعريشت مع ذلك الطرح قائلاً لرصيف22: "هذه الخلافات الشخصية والسياسية، قد تعيد البلاد سنوات إلى الخلف، وقد تعرض الجزائر لعقوبات قاسية من طرف الفيفا".

سواءٌ كنت من أنصار النظام القديم، أو الجديد، مع الحراك أو ضده، فالمؤكد أن الانقسامات تقود البلاد لخسائر تلو خسائر، في مجالات شتى وبطرق مختلفة، فالجزائر هي التي خسرت مقعداً في الفيفا وليس زطشي، والجزائر هي التي خسرت مقعداً في الكاف وليس ولد زميرلي ولا بهلول.

ولا يدري أحد كيف سينتهي هذا الصراع بين خالدي وزطشي، الذي يحدث تحت أعين الفيفا. لكن المؤكد أن ما يحدث بينهما هو صورة مصغرة لأزمة الجزائر اليوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard