محاكمة سعيد جاب الخير... هل تفتح باب العنف الذي لا يُغلق في الجزائر؟

الجمعة 12 فبراير 202102:05 م

منذ أن أُعلن قرار إحالة المفكر الجزائري سعيد جاب الخير للمحاكمة في 25 شباط/ فبراير الجاري، على خلفية اتهامه بـ"الاستهزاء بالمعلوم من الدين"، والقلق سيّد الموقف بين المهتمين بحرية الفكر والتعبير، إذ يرون أن القضاء الذي نأى بنفسه لعقود طويلة عن التورط في القضايا الفكرية ها هو اليوم يفتح باباً في الجزائر قد لا يغلق.

الخوف من التضييق على الحريات، والحساسية البادية من الوصاية الدينية على التفكير، لها ما يبررها في الجزائر، حيث بدأ الفكر الإسلامي يتنامى في ثمانينيات القرن الماضي، وبلغ أوج مراحله مطلع التسعينات، حين نجح حزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في اكتساح الانتخابات التشريعية، عام 1991، قبل أن يلغي الجيش نتائجها، لتدخل الجزائر إثر ذلك في حرب أهلية، وتتحول إلى مستنقع دم غرق فيه ما يقرب من 200 ألف قتيل.

مخاوف مشروعة

رغم انتهاء العشرية السوداء بانتصار أجهزة الدولة وإحكام قبضتها، ورغم الخلافات والانشقاقات السياسية التي أضعفت تنظيمات الإسلام السياسي، إلا أن الفكر الإسلامي بقي متجذراً ويمتلك تأثيراً قوياً داخل المجتمع الجزائري، وبقيت معه حساسية المثقفين والساعين إلى الحداثة من شبح تغوّله مرة أخرى.

هذا السبب تحديداً هو ما أضفى زخماً ممزوجاً بالقلق على قرار إحالة الباحث الجزائري سعيد جاب الخير للمحاكمة جراء أفكاره وكتاباته.

يشرح أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الجزائر ناصر جابي هذه المخاوف لرصيف22 قائلاً: "نحن في تراجع مستمر في مجال حرية التعبير، ودخول القضاء في مثل هذه القضايا الفكرية مؤشر خطير، فالأفكار تعالَج بالأفكار، وليس بالتهديد بالقضاء، وبالنسبة إليّ أرى أن سعيد جاب الخير لم يقم إلا بالتعبير عن قناعاته كباحث ومفكر، ولا يحق لأي أحد أن يحجر على رأيه، وخاصة إذا بلغ الأمر أروقة العدالة".

ويضيف جابي محذراً: "ما يحدث في هذه القضية هو بداية لتبرير العنف، ويذكّرنا بالاغتيالات التي حدثت في العشرية السوداء، والتي راح ضحيتها مفكرون وأساتذة جامعيون وصحافيون".

منذ أن أُعلن قرار إحالة المفكر الجزائري سعيد جاب الخير للمحاكمة في 25 شباط/ فبراير الجاري، على خلفية اتهامه بـ"الاستهزاء بالمعلوم من الدين"، والقلق سيّد الموقف بين المهتمين بحرية الفكر والتعبير

الخوف من التصفية الجسدية، وشبح عودة الدم مرة أخرى، هي النقطة التي تؤرق كثيرين من مفكري الجزائر ومثقفيها اليوم، وهو ما عبّر عنه بوضوح الرئيس السابق للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان صالح دبوز كتب على صفحته على فيسبوك: "أحمِّل مسؤولية السلامة الجسدية لسعيد جاب الخير، ولكل مفكر حر للدولة الجزائرية".

أفكار مغايرة تثير الأصوليين

أزمة جاب الخير يمكن قراءتها في عمقها كمواجهة حادّة بين الحداثة والأصولية.

يرى الرجل أن من حقه بل وربما من واجبه طرح أسئلة مسكوت عنها، مثل سؤاله: هل حقاً كان النبي محمد مهووساً بالجنس كما يرى البعض أم أن معظم زيجاته كانت للأسباب أخرى، كالسياسة لكسب حلفاء من قبائل العرب؟ أو تناوله للصيام كشعيرة اختيارية وليست إجبارية، مستنداً إلى أن بعض صحابة الرسول محمد لم يصوموا، قائلاً: "لم يُجبَر المسلمون على الصيام، كما لم يُجرّم المفطرون، فضلاً عن أن تعويض الصوم بالصدقة متاح بنص القرآن".

هذه الأفكار التي يمكن وصفها بـ"الحداثية" لم تجد هوى لدى الكثيرين من المسلمين التقليدين بالطبع، لكنها ومن المؤكد لاقت رفضاً أشد من الأصوليين، فتحركت حفنة منهم، على رأسهم بويجرة عبد الرزاق، الأستاذ في جامعة جيلالي اليابس، وقدموا شكوى بحق الرجل.

وبعد سماع الشهود من طرف قاضي التحقيق، وُجّهت لسعيد جاب الخير تهمة "الاستهزاء بالمعلوم من الدين وشعائر الإسلام، والتهكم بآيات بيّنات من القرآن الكريم".

قوانين فضفاضة

السؤال هنا: هل من حق أي شخص أن يطعن في إيمان آخر أو يحرّك دعوى قضائية مثل الدعوة المذكورة إزاءه؟ هل القانون الجزائري يسمح بذلك؟

المحامي طارق يحياوي يجيب رصيف22 على هذا السؤال بقوله: "المشكلة المطروحة حالياً أن هناك عدة مواد قانونية صياغتها غير دقيقة وتحتمل أي تأويل أو قراءات، مثل تهمة ‘تهديد الوحدة الوطنية’ أو ‘الاستهزاء بالمعلوم من الدين’. هذه تهم يمكن أن يندرج تحتها أي تصرف أو منشور أو كتابة دون أن تحدَّد الضوابط لتطبيقها".

يرى المفكر الجزائري سعيد جاب الخير أن من حقه بل وربما من واجبه طرح أسئلة مسكوت عنها، مثل سؤاله: هل حقاً كان النبي محمد مهووساً بالجنس كما يرى البعض أم أن معظم زيجاته كانت للأسباب أخرى، كالسياسة لكسب حلفاء من قبائل العرب؟

ويلفت يحياوي الانتباه إلى أن مثل هذه التهم التي تتعلق بالدين والمجتمع، يجب أن تحركها النيابة العامة بصفتها ممثلةً للحق العام وليس الأشخاص، فلا يملك أي شخص صفة المتحدث باسم الدين. ورغم ذلك فإن السلطات الجزائرية تتعامل مع محاكمة جاب الخير كوسيلة لكسب تأييد الرأي العام الداخلي.

ترسيخ الانقسام والتحزب

إذا كان هناك حشد أصولي للهجوم على سعيد جاب الخير وتشويهه بل والسعي إلى ملاحقته قضائياً، إلا أنه ظهر الجانب الآخر حشد مضاد يهدف إلى دعمه ويتكوّن من شريحة واسعة من المجتمع والفاعلين السياسيين والحقوقيين.

تحوّل الرجل بين عشية وضحاها إلى أيقونة لدى التيار العلماني في الجزائر، وانبرى عدد من رؤساء أحزاب وجمعيات ونشطاء سياسيين لدعمه، كما تأسس فريق من المحامين للدفاع عنه وعن حرية الفكر والتعبير.

وأصدر حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بياناً وقّعه رئيسه محسن بلعباس، دافع فيه عن سعيد جاب الخير، مشيراً إلى أن "الأمر يتعلق بتجريم الفكر والنقاش وهو ما سوف يزيد من تقهقر البلاد".

كما رفع كثير من المراقبين والحقوقيين أصواتهم للتنديد بما وصفوه بتراجع مؤشر حرية التعبير في الجزائر، خاصة في القضايا المتعلقة بالرأي، أو مَن يُصطلح على تسميتهم بـ"سجناء الرأي"، إذ يقضي عدد من نشطاء الحراك ومعتقلي الرأي شهوراً في السجون الجزائرية.

وكتب الروائي الجزائري المعروف عبد الرزاق بوكبة محذراً من خطورة جر التنويريين إلى فخ شديد الخطوره قائلاً: "التنويريون مطالبون بأن يدرسوا المزاج العام الذي يتحركون داخله، حتى يستطيعوا تجنب الفخاخ الجاهزة، منها التكفير، وأن ينتبهوا إلى أن المتطرفين دينياً يحسنون تقديم بضاعتهم، على فسادها، بينما لا يملك التنويريون ذلك، رغم بهاء البضاعة".

وأضاف بوكبة: "إن استفزاز الضمير الديني العام بلهجةٍ عاريةٍ لا يؤدّي إلا إلى عكس المراد، فضلاً عن أن السلطة السياسية، من خلال منابرها المختلفة، تستغل فرصة الهجوم الشعبي على مسعى تنويري ما، فتجامل الشارع، بانخراطها في تشويهه والتشهير به، من باب مسعاها إلى المتاجرة بالدين".


أما جاب الخير نفسه فلم يعلّق كثيراً على هذه الحادثة. بدا الرجل واثقاً في أفكاره، غير آبه للسيل المنهمر من الانتقادات، واكتفى بمنشور على صفحته الرسمية على موقع فيسبوك قال فيه: "أتقدم بالشكر الجزيل لكل المحامين الذين يتأسسون للدفاع عني وكل الأصدقاء المتضامنين معي".

كما قال جاب الخير لقناة العربية الحدث، إنه "يثق في العدالة الجزائرية"، وإنه لم يسيء إلى الدين فهو باحث يعبّر عن أفكاره.

وتساءل الرجل: أنا جزائري مسلم باحث في الدين، كيف أسيء إلى النبي محمد؟!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard