الكتاب الذي غيّر حياتي

الجمعة 19 فبراير 202111:49 ص

الجميع سيمر يوماً ما ببعض التغيرات، وقد تكون هذه التغيرات جذرية أو سطحية، لكن دائماً وأبداً هنالك سبب وراء هذا التغيير. التغير إمّا للأفضل أو للأسوأ. أنا شخصياً لم أود التراجع، فلم يكن أمامي إلّا التقدم، والثبات في مكاني لم أكن لأحبذه.

لكل منّا طرقه الخاصة في قضاء وقت فراغه، بعضنا من يلعب الألعاب الإلكترونية، يمارس الرياضة، الاستمناء أو حل مشاكله مع والديه، والبعض ليس لديه وقت فراغ أصلاً. لم أستطع المتابعة في ملاحقة شغفي بوقت فراغي، لذا شرعت أقرأ.
يقولون عندما تقرأ كتاباً كأنك تحاور عقلاً، وعند وجود مكتبة في المنزل فاعرف أنك لست وحيداً، فلديك عقليات مختلفة أو مشابهة على رفوف المكتبة، "يتناقر" كل منهم مع الآخر دفاعاً عن نظريته، وعلى مدى قرون، لم يستطع أي كتاب إيقاع زميله عن رف المكتبة. هناك عدة آراء تناقشها وتحللها بينما تقرأ الكتب. بعض الكتب ستمر مرور الكرام، ومنها ستحبها لأنها لم تضيّع وقتك، وهناك بعض الكتب التي ربما لا تناسب ذوقك لذا لا يمكنك إكمالها. هناك كتب جافة وهناك كتب تحمل في سطورها معلومات كافية لتجعلك معلماً بإحدى الجامعات، وفي النهاية هناك كتاب سيغير حياتك.

يقولون عندما تقرأ كتاباً كأنك تحاور عقلاً، وعند وجود مكتبة في المنزل فاعرف أنك لست وحيداً، فلديك عقليات مختلفة أو مشابهة على رفوف المكتبة، "يتناقر" كل منهم مع الآخر دفاعاً عن نظريته، وعلى مدى قرون، لم يستطع أي كتاب إيقاع زميله عن رف المكتبة

هناك كم هائل من الكتب في هذا العالم، عدد لا بأس به هو رديء، وبعضها تتفاجأ بوجوده على رفوف المكاتب، لكن أيّاً كان الكتاب الذي تقرأه، بغض النظر عمّن يكون الكاتب، وبغض النظر عن جودته، فكل كتاب يفيد، الكتاب الرديء سيجعلك تميّز الجيد، والكتاب الجيد سيجعلك تتعرف على عالم لا يدخله إلّا الذين يقرؤون ويقرؤون بلا كلل أو ملل.
اقتُرح عليّ من قِبَل شخص عزيز وموثوق، أن أقرأ كتاب "المحارب" بأسرع وقت. المحارب يصل متأخراً دوماً قبل سمعته، ولأنه محارب فلا شك أن الحرب قد بدأت. نعم... حربي مع نفسي أخلاقياً، وحربي مع تأسيس مبادئي قد بدأت، حربي لوضع حجر الأساس لمجابهة العالم الخارجي قد حانت ساعتها، علمت أنني سأفتح الآن صفحات يُحكى بها كثيراً، ولا يُستهان بما في سطورها، وحذاري مما بينهم. 

كنت مجرد شاب أعزل، يحارب بلا ترس وسيف، فارس بلا فرس، ورامٍ بلا قوس ورمح، كنت متورطاً بحرب لا أعرف مراكز عدوي فيها، وبالمقابل هو يعرفني أكثر مما أعرف نفسي. دخلت حرباً أتعامل معها باستهانة، أتعامل معها كأنني سأحقق النصر لا محالة، وكنت متأكداً أنني شاب قادر على مواجهة أي شيء يقف بوجهي، حرفياً أي شيء، بغض النظر عن الأدوات.
لقد كان هذا الكتاب كالمعلم، أو بالأحرى، كان المعلم، قائد الجيش، الموجّه والمدير، كان كل مراكز السلطة نوعاً ما، إلّا إرادتي بإغلاق الكتاب ونسيان كل شيء، وإنهاء هذا الخضوع والذل الذي أعيشه، فأنا تحت إمرة كل هؤلاء، لا أظن أنني سأقبل هذه الحال بسهولة.
 لنفتح كتاباً كهذا يجب علينا أن نصل لمرحلة ما وندرك من نحن حقاً، يجب علينا أن نعرف أننا أتينا لنتعلم، وغير ذلك، فلما نضيّع وقتنا بالقراءة والتنظير على الكاتب؟ لنترك كل مبادئنا خارج هذا الكتاب، ونرحب بكل ما هو جديد.

كل يوم كنت أقرأ فصلاً واحداً، لم أقرأ بوتيرتي المعتادة، بل متريثاً، خوفاً من أي فكرة تحاول التمرد على دماغي فلا أستوعبها، أكررها مراراً محاولاً قمعها لفهمها جيداً، بعد خمسة عشر يوماً أجد نفسي مدهوشاً، أقارن نفسي الآن مع نفسي قديماً، وأدهش أكثر: لم كنت بهذا الجهل؟ َرفت حينها أنني لم أكن أعزلاً فحسب، بل كنت عارياً!
لقد كان من الطبيعي ألا أستطيع تذكر كل ما ورد في الكتاب، لكنني بدأت حياة شبه جديدة، ليس بهذه السرعة طبعاً، بل ما زلت حتى الآن أتمرن وأتدرب لأصبح محارباً، لكن مفهومي لكلمة محارب قد تغير، توسّع جداً وتعمّق كثيراً. بالعموم، لم أعد ذاك الشاب "المبتدئ".

لقد كان من الطبيعي ألا أستطيع تذكر كل ما ورد في الكتاب، لكنني بدأت حياة شبه جديدة، ليس بهذه السرعة طبعاً، بل ما زلت حتى الآن أتمرن وأتدرب لأصبح محارباً، لكن مفهومي لكلمة محارب قد تغير، توسّع جداً وتعمّق كثيراً

 لنعد لفكرة التغيير، لقد طوّر العالم النفسي والاجتماعي إيساك أجزن، نظرية تُعرف بالسلوك المخطط، وهذه النظرية تؤكد على أن حدوث السلوك الفعلي يتناسب مع مقدار السيطرة التي يمارسها الفرد على سلوكه، وقوة نوايا هذا الفرد لتنفيذ هذا السلوك، كما يجب أن يكون له نية للتغيّر السلوكي، وتلك النية تعرف بالنية السلوكية. لذا إن لم تكن لدينا نية صادقة للتغيير والتعلم، فلما نضيّع وقتنا؟
شكراً لك أيها الصديق العزيز والموثوق أحمد الإبراهيم، وشكراً لك على ترجمة كتاب "المحارب" من التركية.  
شكراً لكاتب كتاب "المحارب من أجل حياة مفعمة بالحيوية والحماس والمعنى"، دوغان جوجل أوغل، لكتابته هذه الصفحات التي غيّرت حياتي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard