عقد على الثورة الليبية... بدأت بخروج مضطهَدين وانتهت بإنتاج مضطهِدين جدد

الأربعاء 17 فبراير 202109:51 ص

عقد على ثورة المضطهَد على المضطهِد، المُنتِجة لمضطهِدين جدد، وعقد على إغلاق سجن أبو سليم، المفتوحة من بعده سجون عديدة، وعقد على عودة الجنرال من المَهجَر، المُهَجَّر من بعده آخرون.

أصبح جليّاً أن قدامى محاربي الثورة أمام معضلة، ففريق مؤيد لمخرجاتها عابد لها، وفريق مُتبرِّئ منها. 

اتّسم نظام حكم القذافي بالشمولية، فسَجن وهَجّر واغتال، وحاول تعريب غير العرب، ومَيّز الرجل على المرأة في الأحوال الشخصية والجنائية، فانتفض الشعب مطالباً بالعدالة الاجتماعية، ولكن قبل استكمال عام ثورتهم الأول، عادت عجلة الاضطهاد بالدوران، فهُجِّر أهل تاورغاء، وعُزِل عن السياسة من عُزِل، وفُتحت سجون التعسّف بدل السجن الواحد، وانتشر الإخفاء القسري والتصفية على الهوية، لتتجاوز حصيلة الظلم في عقد فبراير العقود الأربعة من سبتمبر.

بمناسبة مرور عقد على الثورة، سألتني صديقتي التي كانت متطوعة ذلك الوقت فيها، ثم كفرت بظواهر الاضطهاد الناجمة منها لاحقاً: "لو رجعت لأول يوم في الثورة، هل ستؤيدها؟"  

عقد على ثورة المضطهَد على المضطهِد، المُنتِجة لمضطهِدين جدد.

مهجّر

كُتِب عليا التهجير قسراً، فكان للنار الداخلة لداري دور في استيعاب مشاعر يهودي ليبي مُشَيطَن عام 1967، أو مشاعر تاورغي مودعاً مدينته عام الثورة، فما قرأته وشاهدته من أعمال فنية عن الحروب الأهلية والتهجير لم يكن كافياً لاستيعاب مشاعر شخصياتها إلا عندما أصبحت جزءاً منها.

يُعرِّف تقرير الأمم المتحدة المُهجَّرين/النازحين داخلياً أنهم:

"الأشخاص أو مجموعات الأشخاص الذين أجبروا أو اضطروا على الفرار أو مغادرة منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة، ولا سيما كنتيجة أو من أجل تجنب آثار النزاع المسلح أو حالات العنف المعمم أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الكوارث الطبيعية أو التي من صنع الإنسان، والذين لم يعبروا حدود دولة معترف بها دولياً".

لأنظمة الحكم الليبية تاريخ متجذر مع ظاهرة التهجير القسري، فيهود ليبيا هُجّروا تحت حكم المملكة، وحركاتها الإصلاحية هُجّرت تحت حكم القذافي، وأهل تاورغاء ودرنة وبنغازي وغيرهم، هُجِّروا تحت حكم حكومات فبراير.

تعتبر المليشيات إحدى أهم أدوات حكومات ما بعد الثورة في تعزيز نفوذها، وتعتبر أيضاً مسؤولة عن إنتاج ظاهرة التهجير القسري. ونتيجة لتورط الحكومات المتنازعة في هذه الظاهرة، صار المُهَجَّر الليبي من المجموعات المهمشة حقوقهم في المجتمع.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، كان للظواهر الاجتماعية القول الفصل في مدينتي بنغازي. بدأت معركة بنغازي الثانية منتصف الشهر، واستُهدِف كل من كان "هم" ولم يكن "نحن"، أما عن "هم" فهم كل من خالف شرط الرؤية الكونية، وأما عن "نحن" فهم كل من وافقها، وأما الشرط، فهو أمير الحرب الذي دخل على المدينة.

بمناسبة مرور عقد على الثورة الليبية، سألتني صديقتي التي كانت متطوعة ذلك الوقت فيها، ثم كفرت بظواهر الاضطهاد الناجمة منها لاحقاً: "لو رجعت لأول يوم في الثورة، هل ستؤيدها؟"  

حاول بعض من علماء النفس الاجتماعي تفسير هذه الظواهر بنظرية "إدارة الرهاب Terror management theory"، والبعض الآخر بنظرية "الهوية الاجتماعية Social identity theory"، أما الواصفون أنفسهم بعلماء المدينة، فقد حرموا تدريس هذه النظريات في أقسامها. سألت أختي، خريجة علم النفس، عن سبب التحريم، فأجابت بأن هناك أوامر في القسم تمنع تدريس أي نظرية تفسّر تعصب الجماعات البشرية، و إن كانت هذه النظريات لا تستهدف الجماعات الدينية بشكل مباشر.

بعد المجازر التي حصلت لعائلتَي آل صويد والكرشيني، بدأت العائلات المعارضة لأمير الحرب بالخروج تباعاً. فبعد خروجي من المدينة عام 2015، لم أُقدّر كمية العائلات المهجّرة إلا بعد أشهر من وصولي للغرب الليبي، فيوماً أتقابل مع صديقي في الثانوية، ويوماً مع أستاذي في الجامعة، ويوماً آخر مع شيخ مسجدنا القديم.

وفي شباط/ فبراير 2018، نشرت هيومن رايتس ووتش تقريراً أجرته مع 27 مهجّر/نازح من مدينة بنغازي، وتحدثت فيه عن تعذيب وإخفاء قسري واستيلاء للممتلكات داخل المدينة.

مع تكثيف الحملات الممنهجة من قبل إعلام الحرب على المهجّرين، حاول كثير منهم الهروب من الوصم والشيطنة، فمنهم من استطاع تغيير لهجته الأم بلهجة جديدة، وآخرون استخدموا تاريخاً مختلفاً لوقت وصولهم. تفاجأت وأختي عندما قالت لنا طبيبة أسنانها إنها أيضاً مهجّرة من بنغازي، فقد كان من الصعب علينا التفرقة بين لهجتها ولهجة أهل طرابلس.

أدركت بعد فترة أن للمهجّر نصيب لا بأس به من الوصم الاجتماعي، فأغلب العائلات ترفض التصاهر مع عائلة مهجّرة بسبب معارضتها السياسية، وبالطبع، كان لعائلتي تجربة مع هذا النوع من التمييز.

ولا يتوقف تمييز المهجّر هنا، بل يتعداها للتمييز الممنهج في قطاع التعليم. فبعد سيطرة الأمن الداخلي على جامعة بنغازي أُغلِقت "الاستضافة"، التي كانت خاصية للاستمرار التعليمي للطالب المنتقل من مدينة لأخرى بسبب الظروف المختلفة. ولكي تستمر الدراسة كان أمام الطالب المهجّر، إما خيار البدء من جديد أو خيار الرجوع من المنتصف عن طريق المعادلة، الأمر الذي يتطلب حضوراً شخصياً للجامعة لسحب كشف الدرجات، فقوبل هذا البروتوكول بالرفض من معظم الطلبة.

في البداية، ظننت أن التمييز الممنهج الممارس من قبل جامعة بنغازي موجّه فقط ضد مهجّري المدينة، لأكتشف لاحقاً أنه حتى صديقي، من العرق التباوي، لم يستطع إكمال دراسته الجامعية في مدينة الكفرة منذ عام 2015، فالحرب العرقية التي شهدتها المدينة بعد اندلاع الثورة، جعلت إدارة جامعة بنغازي، فرع الكفرة، والتي يسيطر على إدارتها العرب، يتخذون قرار نقل فرع الجامعة لمناطق لا يمكن للعائلات التباوية دخولها.

الاضطهاد العرقي

 تبقى صفة "الربيع العربي" لثورات الشمال الأفريقي كافية لأعراق الشمال المتعددة للكفر بها، فقد كان من المفترض بالثورة أن تكون حداً فاصلاً بين حقبة الاضطهاد العرقي التي مورست فيها ألوان من الاستعلاء العرقي والاستعراب على السكان الأصليين، وبين حقبة العدالة والمساواة الاجتماعية.

طيلة عقود القذافي الأربعة، دُمِّرت معالم التبو الأثرية، وعُرِّبت أسماؤهم الشخصية، ومُنعوا من استخدام لغتهم الإثنية، فنتج عن ذلك احتجاجات متكررة، انبثقت على أثرها جبهة التبو لإنقاذ ليبيا في يونيو/حزيران 2007، والتي كان هدفها حماية حقوق ومصالح الشعب التباوي.

بعد عام بعد ثورة فبراير، صعد الصراع العرقي في الجنوب الليبي، ففي فبراير/شباط 2012، اندلعت الاشتباكات بين التبو والعرب، لتودي بحياة 17 من مدينة تازر (الكفرة)، ما اتضح لاحقاً أن نظام القذافي في اضطهاده للعرق التباوي وتقوية العرب عليهم، كان مؤشراً على أن اضطهاد أربعة عقود لن يختفي في عامين.

يعتبر عام 2015 أحد أكثر الأعوام اضطهاداً في مدينة تازر (الكفرة)، فما نجم من تصعيدات حاصلة بين العرق التباوي والعربي، أسفر عن منع الأول من التعليم الجامعي بنقل إدارة الجامعة لمناطق غير حيادية.

بسبب ذلك، لم يتوقف نشطاء التبو عن المطالبة بحقوقهم الأساسية، ما أسفر عن انتشار حالات الإخفاء القسري، وكان من بينهم صديقي التباوي، فبعد إخفائه قسراً في يناير/كانون الثاني 2016، أطلق سراحه لاحقاً بعد 9 أشهر من الإخفاء.

ورغم رحيل نظام القذافي، مازالت منظومته القومية متجذرة في المؤسسات والنخب الليبية، فمشروع مسودة الدستور، الذي من المفترض أن يجمعه خبراء ومختصون ليبيون، أظهر فشله بمقاطعة السكان الأصليين له، نتيجة استحواذ "العنصريين" وإصرارهم على تمرير "مواد عنصرية" في مشروع المسودة، كما يقول أعضاء اللجنة المقاطعون لها.  

كُتِب عليا التهجير قسراً، فكان للنار الداخلة لداري دور في استيعاب مشاعر يهودي ليبي مُشَيطَن عام 1967، أو مشاعر تاورغي مودعاً مدينته عام الثورة

اضطهاد مضاعف 

تعتبر المرأة الليبية عامة، والليبية من السكان الأصليين خاصة، من أكثر المجموعات اضطهاداً، فحدة الاضطهاد تزداد مع تقاطع أشكال التمييز عند الفرد، فما يُمارَس على صديقي التباوي من اضطهاد لا يساوي ما يُمارَس على صديقتي الأمازيغية، ولا يساوي ما يُمارَس على التباوية.

عام 1988، نشرت عالمة الاجتماع ديبوراه كينج، ورقتها البحثية التي صاغت فيها نظريتها "خطر متعدد Multiple jeopardy"، ففيها فسّرت الدكتورة أن العوامل المختلفة لهوية الفرد التي تؤدي إلى التمييز أو الاضطهاد، مثل الجنس أو الطبقة أو العرق، لها تأثير مضاعف على التمييز الذي يتعرض له الشخص.

في عهد القذافي، اشتهرت قوانين الأحوال الشخصية والجنائية بالمواد التمييزية على المرأة والسكان الأصليين، فقانون 375 الجنائي يخفض عقوبة القتل على من قتل زوجته أو ابنته أو اخته، وقانون 424 الجنائي يُبرّئ المغتصب في حال تزوج ضحيته ولم يطلقها لمدة 3 سنوات. أما عن عقد فبراير الأول، فقد أظهر ان عقلية المُشرِّع وحاشيته البائدة حاضرة في لجنة مشروع المسودة، خاصة حول مادة تمرير الجنسية لمن تزوجت بالأجنبي.

حاولت المرأة الليبية لحظة سقوط النظام بالمسارعة لأخذ نصيبها من كعكة الفضاء الاجتماعي والسياسي، الموزعة مسبقاً بين أنصار النظام الأبوي والقومي والشمولي الإسلامي، فكانت الحصيلة اغتيال وتهديد واخفاء قسري لكثير ممن دخلن هذا السباق.

بادرت انتصار بالإصلاح فاغتيلت، وعارضت سلوى الميليشيات فقتلت، رفضت سهام الحرب فأخفيت قسراً، وكشفت حنان عن الفساد فصُفِّيت جسدياً. ورغم كل تلك التهديدات وحملات الشيطنة الموجهة ضد النساء الليبيات اللواتي مازلن يمارسن نشاطهن الحقوقي مستمرة، وأذكر منهن حركة "النساء الأمازيغيات Tamazight Women's Movement" التي أسستها مجموعة من الناشطات الأمازيغيات الليبيات، والتي تركز على مشاكل المرأة من منظور تقاطعي Intersectionality، وأذكر أيضاً حراك "لا للتمييز" المؤسس من قبل مجموعة من الأمازيغ/ات الليبيين/ات المطالبين/ات بحقوقهم في الجنسية الليبية.  

الثورة المسلحة والفراغ المفاجئ لمؤسسات الدولة لن تملأه إلا منتجات عقود من العنصرية والتراتبية الأبوية وشموليات أخرى، ليبقى خيار سلمية المقاومة أصوبها

الخلاصة

المقاومة السلمية كانت إجابتي لسؤال صديقتي، فالثورة المسلحة والفراغ المفاجئ لمؤسسات الدولة لن تملأه إلا منتجات عقود من العنصرية والتراتبية الأبوية وشموليات أخرى، ليبقى خيار سلمية المقاومة أصوبها، فنجاحها يعتمد على تنقية نخبها، وعلى إصلاح بعيد المدى يضمن حالة الاستقرار أثناء تغيير هيكلية الدولة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard