بعد غربة تُسلم إلى غربة... مريد البرغوثي يرحل إلى المُستَقَر

الاثنين 15 فبراير 202112:18 م

رحل، أمس 14 شباط/ فبراير الشاعر الفلسطيني الكبير مريد البرغوثي، في موضع تغريبته الأخيرة بالعاصمة الأردنية عمان، عن عمر ناهز 77 عاماً.

تغريبة البرغوثي الأخيرة جاءت بعد تغير الظروف السياسية في مصر فجأة في حزيران/ يونيو 2013، وما تلاها من توسع في استهداف المعارضين الرافضين لذلك التغير، وكان الشاعر تميم البرغوثي نجل مريد واحداً من هؤلاء المعارضين. إلا أن تميم ومريد انتقلا إلى عمان بشكل نهائي بعد وفاة الكاتبة الراحلة رضوى عاشور زوجة مريد البرغوثي ووالدة تميم في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2014. وكانت جنازة رضوى هي آخر ظهور عام للشاعر الراحل في مصر قبل مغادرتها واستقراره في عمان.

اضطر البرغوثي للاغتراب مراراً... بقرار من الاحتلال مرة... وبقرارات من السلطات العربية مرات

كانت حياة مريد البرغوثي سلسلة من الاغتراب بعد اضطراره للبقاء بعيداً عن فلسطين بسبب العدوان الإسرائيلي في 1967 بينما كان يدرس بالقاهرة، وما أعقب ذلك من منع سلطات الاحتلال عودة الشباب الفلسطينيين الدارسين في الخارج إلى الأراضي المحتلة. واستقر مريد في القاهرة وتزوج حبيبته الكاتبة وأستاذة الأدب رضوى عاشور وأنجبا ابنهما تميم قبل أن يضطر للاغتراب من جديد عندما صدر قرار أمني بإبعاده عن مصر خوفاً من أن يعارض مبادرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات بزيارة الكنيسيت الإسرائيلي، والتي استتبعها توقيع اتفاق كامب ديفيد. كانت نتيجة الابتعاد اغتراب مريد عن وطنه الثاني "مصر" وإبعاده الإجباري عن زوجته وابنه طوال 17 عاماً، فيما يسميه البرغوثي "ترحيلاً وقائياً".

حكى مريد عن تلك الواقعة في كتابه "رأيت رام الله" قائلاً: "كانوا ستة مخبرين في مباحث أمن الدولة. قلت لرضوى: جاؤوا... اقتادوني إلى دائرة الجوازات في مجمع التحرير، ثم أعادوني في المساء إلى البيت لإحضار حقيبة سفر وثمن تذكرة الطائرة، في الطريق إلى سجن ترحيلات الخليفة، كنت أنظر إلى شوارع القاهرة نظرة أخيرة، ماذا تحمل الأيام لهذا الطفل ذي الشهور الخامسة، ولرضوى ولي ولنا؟"

ويشرح الشاعر الراحل: "لم أقم بأي فعل لمعارضة الرئيس السادات لإسرائيل، كان ترحيلًا وقائيًا، ونتيجة وشاية، كما تبين بعد سنوات عديدة، لفّقها زميل في اتحاد الكتاب الفلسطنيين".

في زيارته الأولى لرام الله بعد الإبعاد الأول.. كانت يد الاحتلال الثقيلة قد أحالت الوطن إلى مكان غريب رغم حميميته.

لم يتخلص البرغوثي من أثر الاغتراب عن عائلته وظل صدى ذلك الاغتراب الإجباري الثاني يتردد في أشعاره، خاصة القصائد التي ضمها ديواناه "قصائد الرصيف" و"طال الشتات".

سمح بعودة مريد إلى القاهرة في 1993، ليجتمع شمل أفراد عائلته أخيراً بعد اضطرارهم إلى لقاءات متفرقة في منافي مريد المتغيرة طوال 17 عاماً اضطر إلى قضائها في "شتات" ما جعله يصف نفسه في إحدى أمسياته الشعرية بقوله: "أنا بدون كوني". في إشارة إلى فئة الـ"بدون" المحرومة من حق حمل الجنسية الكويتية.

عاد البرغوثي إلى فلسطين فى زيارة استثنائية بعد ثلاثين عاماً من حرمانه منها، وثّق تلك الزيارة في كتابه النثري الناجح "رأيت رام الله" الذي ترجم إلى الإنجليزية وحاز نجاحاً عربياً ودولياً واسعاً، كما حاز جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي عام 1997. في هذا الكتاب/ الرواية/المذكرات، كانت رائحة الاغتراب تفوح من بين سطور مريد، حتى وهو يسجل عودته أخيراً للوطن الأول. قال الراحل إدوارد سعيد عن الكتاب: "أعرف تماماً هذا المزيج من المشاعر حيث تختلط السعادة، بالأسف، والحزن والدهشة والسخط والأحاسيس الأخرى التي تصاحب مثل هذه العودة. إن عظمة وقوة كتاب مريد البرغوثي تكمن في أنهُ يسجل بشكلٍ دقيق موجع هذا المزيج العاطفي كاملاً، وفي قدرته على أن يمنح وضوحاً وصفاءً لدوامة من الأحاسيس والأفكار التي تسيطر على المرءِ في مثلِ هذه الحالات".

في زيارته الأولى لرام الله كما يسجلها في كتابه "رأيت رام الله"، ويتذكرها في كتابه الثاني "ولدت هنا.. ولدت هناك" كان ينظر البرغوثي إلى كل شيء باعتباره طازجاً وفاسداً، يرى المدينة تحت الاحتلال بعينيه، يستعيد حميمية قديمة للأماكن والأصوات، ويرصد تغيراتها الطفيفة أو الكبيرة بفعل يد الاحتلال الثقيلة الجاثمة حتى بعد اتفاقيات الحكم الذاتي، فجاءت غربته هذه المرة داخل الوطن.

برحيل البرغوثي لاحقاً بزوجته وحبيبته "السيدة" رضوى عاشور قد تنتهي تغريبته فوق الأرض. لا أحد يعلم كيف سيكون العالم الآخر وإن كان فيه مستقر لمريد البرغوثي، لكن مريد لم يكن يحمل هماً للاغتراب في الحياة الأخرى، فقد كتب:

أتلمَّس أحوالي منذ وُلدتُ إلى اليوم

وفي يأسي أتذكر..

أن هناك حياةً بعد الموتِ

هناك حياة بعد الموت

ولا مشكلة لدي

لكني اسأل: يا الله.. أهناك حياة قبل الموت؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard