"العالم أوسع من كل طرق كتابته"... دردشة مع الشاعر مريد البرغوثي

الجمعة 30 أكتوبر 202001:59 م

قال المصباحُ السحريّ للولد المُعدم:

كذَبتْ كلُّ حكايات الأجدادِ عليك
الأمنية الكبرى ليست في القمقم
لم تُعْطَ يَدَيْنِ لتفرُكَ مصباحاً سحرياً وتنام
استيقِظْ كي تُحلُمْ.

من ديوان استيقظ كي تحلم (2018)- الشاعر مريد البرغوثي

بهذا الديوان قرر الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي العودة إلى قرائه بعد غياب دام 13 سنة عن المشهد الشعري: "بعد غياب استمرّ أكثر من عقد عدت لأرى مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت، ليصبح تواصل الشاعر مع القراء أكثر حميمية من أي وقت مضى". وفي أمسية شعرية إلكترونية، حملت الكثير من "الدردشة" وبعض القراءة الشعرية، استضاف الباحثان ألكسندر كي، بروفيسور في الأدب العربي والأدب المقارن في جامعة ستانفورد، وأحمد دياب، بروفيسور الأدب العربي في جامعة كاليفورنيا بيركلي، الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، بالتعاون مع زوايا، البرنامج العباسي للدراسات الإسلامية في ستانفورد ومركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.

تضمن اللقاء قراءة لقصيدتين باللغة العربية للشاعر "عندما نلتقي" و"سلة الفواكه"، ومقابلة معه عبر تطبيق زوم، تناولت أعماله، ترجمة شعره والمشهد الشعري في العالم العربي عموماً، غطاها موقع رصيف22.

"الحياة أوسع من كل طرق كتابتها"

يُعتبر شعر مريد البرغوثي بعيداً عن اللغة الخطابية الرنانة، وأقرب إلى الاسترسال التلقائي، وعلى حد تعبيره: "أنا أكتب القضايا العامة والقضايا الشخصية، لكن الحياة أوسع من كل طرق كتابتها، أوسع مما يكتبه الكلاسيكيون والحداثيون". ولأنه يعتقد أنه لا يوجد شكل وحيد للكتابة، يقول "هناك قصائد تفعيلة عبقرية وهناك قصائد نثرية عبقرية. أنا لا أتمترس وراء أي شكل وأتبع الجمال أينما كان، وأجد أن العالم أوسع من كل المدارس الأدبية وكل نظريات التلقي والنقد".

الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي: "القصيدة بناء وإيقاع ونمو... أنا من الشعراء الذين يبنون ولستُ من الذين يغنّون"

يرى الشاعر مريد البرغوثي أن المشكلة الحقيقية في المشهد الشعري العربي تكمن في أن "هناك تحزبات شعرية ومافيات ثقافية من قبل أشخاص يتحزبون لشعراء حتى قبل أن يلمّوا بأعمالهم، وهذا أدى إلى تدهور الصفحات الثقافية في الجرائد العربية، وأدى إلى تدهور النقد بسبب وجود عصابات وشلل، ما أدى إلى ابتعاد النقد عن القصيدة وعن التعامل معها باحترام، وبذلك خسرنا القصائد، وهذه كانت خيبة كبيرة".

يشير البرغوثي إلى أن الشعر هو النص وليس الشاعر: "انسَ الشاعر واقرأ النص وقيّمه. أنا دائماً أقول للناس: أنا لست مهماً لكني أحاول أن يكون عملي مهماً".

"القصيدة بناء"

بالنسبة للبرغوثي "القصيدة بناء"، ويقول: "هناك شعراء يغنون وشعراء يبنون. أنا لا أغني بل أبني وأشاهد القصيدة وهي تنمو، بطولها، بقصرها، إيقاعها، بدايتها وسطرها الأخير الذي قد يؤدي إلى انقلاب كلي في المعنى". ويؤكد على نهايات القصائد بقوله: "من المهم أن ينتبه الشعراء إلى نهايات قصائدهم، لأن السطر الأخير يوجه كل الصور إلى نهاية بناء يختتمها. بعض الشعراء يكرر البيت الأخير ويظن أنه يختم قصيدته، وهذا ليس ختاماً في الحقيقة".

الإيقاع من العناصر الأساسية التي يوليها البرغوثي اهتماماً، ويقول: "لا يمكن الاستغناء عن الإيقاع في الشعر"، أما عن طول القصيدة، فلا يجد أن هناك قاعدة تحدده: "قد أكتب قصيدة بطول سطرين، مثلما حدث في قصيدة (سيدتان)، وقد أكتب قصيدة بحجم كتاب كامل، كما فعلت في ديوان (منتصف الليل) الذي كان كله عبارة عن جهة واحدة".

وعن طريقته للبدء بكتابة القصيدة، يخبرنا الشاعر: "أنا أكتب الشعر بعيداً عن الآخرين، بعيداً حتى عن أفكاري الشخصية. مسودتي الأولى هي التي تحدد بداية القصيدة ونهايتها، لكني عندما أجلس أمام الورقة البيضاء لا أعرف كيف سأبدأ وأين سأنتهي".

العلاقة مع جمهور القراء

لدى سؤاله عن علاقته بجمهور القراء والنقاد في مرحلة ما بعد كتابته للقصيدة، يقول مريد البرغوثي: "الأمسية الشعرية قد يحضرها آلاف الناس، وبالتالي العلاقة بالقارئ موجودة وقريبة، قد يتواصل الشاعر في أمسية شعرية واحدة مع بضعة آلاف من القراء، فيعرف مدى حضوره عند الناس. ليس فقط في حفلات توقيع الكتب، وإنما أيضاً على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر. أصبحت العلاقة حميمية ومباشرة اليوم بين الشاعر وقارئه".

لا يجد الشاعر أن الاتصال بالقراء واطلاعه المباشر على آرائهم في شعره عبر مواقع التواصل الاجتماعي يؤثر على أسلوب كتابته، وعلى حد تعبيره: "هذه المواقع جعلتني أشعر أنني غير معزول عن قرائي على الإطلاق، فالخطاب المباشر مع الجمهور يخلق حالة جميلة جداً، لكن لا علاقة لها بكتابتي للشعر، فأنا أدخل القصيدة كرحالة يريد أن يكتشف أرضاً جديدة.

 الشعر والنقد في الوقت الراهن

من اتصاله بجيل الشعراء الجديد يرى الشاعر أن "الشعر العربي بخير، والنقد العربي بلا أي خير. هناك حركة شعرية من المحيط إلى الخليج وشعراء مجيدون، لكن المشكلة لدينا بالنقد. ليس هناك أي حركة نقدية أدبية تواكب هذا الإنتاج الشعري".

"الشعر العربي بخير، والنقد العربي بلا أي خير لأنه يحتاج إلى حرية وإلى تحطيم الأصنام المستتبة وقبول الجديد"... دردشة مع الشاعر مريد البرغوثي

وبالنسبة له، تكمن أسباب غياب النقد في غياب الحرية في المجتمعات العربية وطرق تفكيرها: "النقد شرطه الحرية، لأن النقد يعني ألا تتهيب الجديد الصغير الذي يكتب شعراً عظيماً فترفضه، وألا تخشى من تحطيم أصنام زائفة ترعبك أشكالها المستتبة". ولهذا يرى الشاعر بأن "الحركة النقدية خائبة، إنما الشعر العربي من أهم حركات الشعر في العالم".

من أمثلة الغياب الحالي للحرية في النقد يذكر البرغوثي: "إذا قلتُ إن نزار قباني شاعر الذكر وليس شاعر المرأة سأرجم، بلوتنا في المجتمع العربي أن النقد ليس حراً. ما نراه اليوم هو مقالات نقدية سريعة تصلح للاستهلاك الآني، وتخشى الإشارة إلى قصيدة رديئة كتبها شاعر له اسمه، أو الإشادة بشاعر عظيم ناشئ".

يشير البرغوثي إلى حرية مطلقة في نقد الشعر عند الشعراء الكلاسيكيين: "في الماضي كان الخليفة ناقداً، والجمهور ناقداً، والرواة والأصدقاء والخصوم كلهم كانوا نقاداً للقصيدة".

فلسطين... الحاضرة دائماً

نَــفَــرَتْ. فـإن نـاديـتَـهـا لـم تلتـفتْ... وإذا ابـتـغـيـتَ لِـحـاقَـهـا لـم تـلـحَـقِ
عـــزًتْ عـلـى عـشًـاقِـهـا وتـرفًـعـتْ... وعـلـتْ مـدارِجُـهـا أمـام الـمُـرتَـقِـي
حتى إذا احتضرَ الفتى همَسَتْ لَهْ... مُتْ في المساءِ وفي الصّباح سنلتقي

من ديوان "طال الشتات"

يقترن اسم مريد البرغوثي بفلسطين. وفلسطين تحولت إلى مجاز على يد الكثير من الشعراء، يقول البرغوثي: "فلسطين بالنسبة لي هي التلخيص لما أسميه كسر الإرادة. هذا الشعب كسرت إرادته. تكسر إرادة الشعوب بطريقتين: الديكتاتورية أو الاحتلال، ونحن كسر إرادتنا الاحتلال وكل محاولة مقاومة له هي محاولة لاسترداد هذه الإرادة. وهذا مجاز فلسطين بالنسبة لي".

مريد البرغوثي: "ما عندكش كتالوغ تنقي منو إلى أين تريد أن تنتمي... لذلك لا بديل للعروبة، ولو لم نكن عرباً لانتهينا منذ زمن"

وعن الإصرار على التمسك بمفاهيم العروبة برغم كل الخيبات التي واجهها الفلسطينيون من توقعاتهم لدعم إخوتهم العرب، يجزم البرغوثي: "لا بديل ذلك، ما عندكش كتالوغ تنتقي منه إلى أين تريد أن تنتمي، أنت ولدت هنا وتنتمي إلى هنا". وبرأيه: "لو لم نكن عرباً لانتهينا منذ زمن. برغم كون هذا المحيط متخاذل، لكن إمكانيات القوة الكامنة فيه ترهب إسرائيل. الإسرائيليون برغم كل اتفاقيات السلام والتطبيع مع الحكومات العربية لا زالوا يخافون من القوة العربية، لأنهم يعلمون أن رداءة هذه الحكومات ليست خالدة ولن تبقى إلى الأبد".

يرى البرغوثي أن حاضر المنطقة اليوم هو مرادف لـ "منتصف الليل"، وعلى حد قوله: "نحن نعيش في قاع الليل، هذه اللحظة السياسية الساقطة هي منتصف الليل، لهذا عدت بعد 13 عاماً من السكوت بديوان أسميته "استيقظ كي تحلم".

يعتقد مريد البرغوثي أن موقف الحكومات العربية لا يعكس مواقف شعوبها: "نحن، كفلسطينيين، لا نتوقف عند خيانات الأنظمة ورداءتها، لأن رهاننا الأساسي أن هذا ليس موقف مئات الملايين من البسطاء الذين يمضون حياتهم بعيداً عن الشأن العام، لأنهم هم الشأن العام نفسه، وإسرائيل تدرك ذلك تماماً".

عن الفنون الأدبية

الأشجار تبدو قرى مقصوفةً هجرها سكانها

أخذوا معهم ألوانها وظلالها

وتركوا حولها صعوباتٍ مدويّة:

لا أحد يشاركها الأنين

تحت لكمات الرعد

وجلسات التعذيب بكهرباء البرق

وإهمال المارّة

سلة الفواكه- من ديوان استيقظ كي تحلم

هل يمكن أن نقرأ مسرحية لمريد البرغوثي، سواء كانت شعرية أو غير شعرية؟ عن هذا السؤال يجيب الشاعر: "لا أستطيع قراءة المستقبل. قد أرتكب هذه الحماقة يوماً ما. لكني أرى أن المسرح بالذات، دوناً عن غيره من الفنون، يحتاج أرضاً. ولذلك تجد المسرح الفلسطيني مُقلاً، لأنه يفتقد إلى الأرض، وأرضه مستباحة".

عن علاقته بالترجمة يقول البرغوثي: "أنا درست اللغة الإنكليزية في الجامعة وأقرأ الشعر الإنكليزي بلغته وأقرأ الترجمات من اللغات الأخرى، لكني لا أكتب وأنا في بالي جمهور غير عربي أو من أي جنسية أخرى. أنا لا أصغي إلا لأصواتي الداخلية. سيفاجأ أي جمهور، أياً كانت جنسيته، بأن كمّ المشتركات بيني وبينه لم تكن في باله. آلاف القراء من كل مكان في العالم لا بد عاشوا لحظة شعورية مباشرة ولدتها قصيدة ما".

يستعين البرغوثي بنظرية إدوارد سعيد عن سفر النظريات النقدية، بقوله: "الكتابة الصادقة تبدأ أولاً من الذات، فالقصيدة تسافر كما تسافر النظريات النقدية. كتبي مترجمة إلى لغات عدة، والحسّ بين لغتي واللغات الأخرى مدهش، وهذا لا يكون في حسباني عندما أكتب. أسمي هذا سحر الأدب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard