شرّف، شرّفي… ها هي سوريا التي أردنا البقاء فيها

الأربعاء 22 يوليو 202002:56 م

ولكنك أخيراً، وبعد طول إلحاح ومحن ونكد، غادرت المنزل وعدت لأحضان العالم. شرّف، شرّفي: ها هو العالم المهترئ بسخامه وغباره وفوضاه وضجيجه ونفاياته ومجاريه الطافحة وروائحه ومزابله وذبابه وازدحام شوارعه وعصبية سائقيه. ها هو، بأشجاره المصفرَّة وعشبه الجاف وأزهاره الباهتة، بتلوثه البصري ولافتاته الفجّة القبيحة ومبانيه المتسخة.

"شرّف ها هو عالمك الذي أردت أن تغادر المنزل وتراه".

مضى على نشر شبكة الحدود لهذا المقطع قرابة الشهرين، ولهذه اللحظة، وبشكل يومي، نلحظ انتشاره على صفحات الفيسبوك السورية خصوصاً، وكأن أيام الحجر استطاعت بشكل جدّي أن تنسينا تماماً شكل البلاد الذي نهرب منه كل يوم، وكأننا كسوريّات وسوريين نسينا أن في الخارج حرباً لا تزال تأكلنا، تنهش اتزاننا الذي نحاول الحفاظ عليه ونفشل، وكأن الحجر المنزلي استطاع أن يجدد دهشتنا أمام ما وصلت إليه البلاد.

ها هي البلاد بمشافيها المغلقة بوجهك، بفقرها وضعفها وعجزها تتعلق بكتفيك فتغرقك معها.

التماهي مع الحرب كحاجة للاستمرار

قبل الحجر كنا قد وصلنا بسلام للتطبيع مع الحرب، تماهينا مع الموت للدرجة التي جعلتنا نتعايش مع المتاريس والسلاح والخطف والسرقة، فمن البديهي مثلاً أن يسند أحدهم سلاحه في حضنك في أحد باصات النقل الداخلي، ويتركك تتابع حديثك وكأنك تحتضن جرواً، أو أن تسمع عن انتشار مرضٍ جلديٍ غريب بأحد المناطق المحاصرة، أو أن تصلك رائحة نتن غريبة إثر دخولك مكان ما. ففي المناطق المحررة حديثاً، كما نسميها في الداخل، يكفي أن تخرج للشارع لتشمّ رائحة الجثث؛ فهذه المناطق التي شهدت الحرب بكل دمويتها لم يحظَ فيها الجميع بفرصة الدفن، ولا بمترين في مقبرة. لا تهلع عزيزي، لا تهلعين عزيزتي، حين تسمع وتسمعين، أننا نعيش بين الجثث، فنحن لا نقصد فيها موتنا وتحولنا إلى جثث متحركة، بل نحن نقصدها بحرفيتها، فتشييع قتلانا أصبح رفاهية منذ زمن بعيد.

وللتخفيف من وطأة الحزن المحيط بنا، أطلقنا على الداخل السوري اسماً رومنسياً "حضن الوطن"، وله ميّزات لا تجدها في أحضان أخرى، ففي دمشق وفي كل مرة تذهب فيها لرمي كيس القمامة بالحاوية المخصصة لذلك، عليك أن تحضّر نفسك للقاء مع الفقر والجوع، الذي يتجلى على شكل أطفال تتدلى نصف أجسادهم داخل الحاوية بحثاً عن كسرة خبز، وفي دمشق عليكِ أن تقفلي باب بيتك جيداً، لا تفتحي للغريب ولا حتى القريب خلال خلو البيت من رجاله، فإذا كُتب عليك الموت المهم ألّا تموتي مُغتصَبة، كل ما دون ذلك طبيعي وقادرون على مواجهته وتجاوزه.

في دمشق وفي كل مرة تذهب فيها لرمي كيس القمامة بالحاوية المخصصة لذلك، عليك أن تحضّر نفسك للقاء مع الفقر والجوع، الذي يتجلى على شكل أطفال تتدلى نصف أجسادهم داخل الحاوية

في الشوارع نبحلق في وجوه بعضنا وكأننا نعيش فيلماً سينمائياً ننتظر نهايته. نلفّ أنفسنا في دمشق بورق هدايا وننكر كل ما يحصل خارج المدينة، فسوريا هي العاصمة بشارعيها الرئيسيين فحسب. قلائل الذين يعرفون ما تعانيه الحسكة، وهي مدينة صغيرة تقع في أقصى الشمال الشرقي من البلاد، وكل ما حصلتْ عليه من صراع القوميتين العربية والكردية هو انقطاع الخدمات الأساسية عنها، فالمياه مثلاً تصل إليها مرة كل أسبوعين، بينما يصلها الطيران التركي مرتين أو ثلاثة، وتصلها حرائق حقول القمح كل موسم وبشكل ممنهج ومنتظم، أما في جارتها دير الزور، فيكفي أن تمرض لتموت عند باب المستشفى، لا داعي لأن تتخطى عتبة المستشفى، ففي الداخل لا أسرّة، لا أطباء مختصين ولا كهرباء لتصل جهاز الإنعاش إليها.

أنت تحتضر؟

حسناً تمدد في الخارج، قبّل أرض البلاد، دع لعابك يمتزج بترابها وودعنا بهدوء.

فقدان الذاكرة القريبة

مع انتشار فيروس كورونا وفرض حظر التجول صار كل ما يهدد وجودنا هو حريتنا المسلوبة مجدداً، نرفض أن تذكّرنا جدران المنزل بالحصار، نحن الناجين من القصف والرصاص والقنّاص لا تُقنعنا فكرة الخوف من فيروس لا نراه، نتشبث بالحياة بأسناننا، غير مباليين بانتقال الفيروس عبر اللعاب.

بشكل أو بآخر عدنا نحلم بالحياة خارج المنزل، نحن الذين نعرف سوريا النظيفة قبل أن يحجب دخان الانفجارات عنها السماء، أخذنا نفكّر في حاراتها، نخطط أين سنسرق قُبَلاً جديدة قبل أن تطل إحدى النساء من الشبابيك لتشتمنا، وأين سنلتقط صوراً جديدة، فأدمغتنا عاجزة عن تذكر صوت أحدهم يصرخ: "ممنوع التصوير هون!"

نحن الذين بقينا بملء إرادتنا، وأخذنا بسذاجة الأطفال ندافع عن حق بلادنا علينا، نجحت محاولاتنا اليومية للانسلاخ عن الحقيقة، فاستطاع الحَجْر المنزلي أن يجعلنا نشتاق للبلاد، لضجيج شوارعها، تذمّر رجالها وزعيق نسائها المستمر.

كان يكفي أن نغادر المنزل لنجد آثار الرصاص الذي هشم بعض المباني قد توارت خلف صور مرشحي مجلس الشعب أنفسهم الذين نشتمهم كل يوم. لنجد أنفسنا نترحّم على يوم كان الدولار فيه يعادل خمسمئة ليرة سورية، لا أحد يذكره حين كان يعادل خمسين ليرة

المورفين لنا، والصحو لتقتلنا ذاكرتنا

كان يكفي أن نغادر المنزل لنجد آثار الرصاص الذي هشم بعض المباني قد توارت خلف صور مرشحي مجلس الشعب أنفسهم الذين نشتمهم كل يوم. لنجد أنفسنا نترحّم على يوم كان الدولار فيه يعادل خمسمئة ليرة سورية، لا أحد يذكره حين كان يعادل خمسين ليرة. لقد عُجنّا بالهلاك فصارت المأساة جزءاً منا، فاليوم، جيلان كاملان لا يعرفان شكل البلاد بلا متاريس وحواجز، لا يعرفان أننا نولد بأطراف علوية وسفلية، وما نراه بشكل يومي من غياب قدم أو ذراع ليس شكلنا الطبيعي، لا يعرفان أن كل الأعضاء كانت موجودة لكن غيّبتها الحرب.

مع عودة الحياة إلى طبيعتها كان يكفي أن نمدّ رؤوسنا من الباب لنرى الشارع بقذارته يمدّ لنا لسانه، كان يكفي أن نحاول استئناف حياتنا لترفع لنا الحياة إصبعها الوسطى، فها نحن نخرج إلى الشوارع والمقاهي، يدفع الجميع كل ما في جيوبهم بالمطاعم والأسواق في سبيل التخدير. آخرون أخذوا يمارسون الجنس بعشوائية بحثاً عن بضع لحظات نشوة، وغيرهم الكثير اختصر الطريق وأخذ يشتري الحبوب المخدرة والحشيش مباشرة. لكن وبكل الحالات، لحظة صحو واحدة تكفي لندرك البشاعة حولنا، الفيروس ينتشر شيئاً فشيئاً، ومشافي البلاد قد وصلت حدها الأقصى منذ عدة أيام، الاختناق قاب قوسين أو أدنى، وهذا المكان لطالما كان عاجزاً عن احتضاننا "بالصحّة والسلامة" فكيف في ظل الجائحة؟!

شرّف، شرّفي، ها هي سوريا التي أردنا البقاء فيها.

ها هي البلاد بدمارها، بجرذانها وقوارضها التي تنتشر بين الركام، بجثثها القابعة تحت الأنقاض، بلافتات ممنوع المرور وانتبه قنّاص، بمجاريها المسدودة، بشظايا القذائف ومخلفات الصواريخ، ها هي البلاد التي أخذت تتغزل بزهرها فكانت من حصتك رائحة الرطوبة والمجاري.

ها هي البلاد بمشافيها المغلقة بوجهك، بفقرها وضعفها وعجزها تتعلق بكتفيك فتغرقك معها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard