الصدق الناطق باسم جسدي

الاثنين 15 فبراير 202105:59 م

لطالما أعجبتني صورة الحمامة التي عرفتها في الحكاية الشعبية عبر أمي؛ تقول الحكاية عن الحمامة: "حفرت حفرت اتحنين إديها ورجليها، اطلعت على ربّها إتكحلن عنيها." لقد عرفتُ طيور الشنّار قبل أن أعرف حمام البيوت الأليف. كانت طيور الشنار تترك بيضها بين أثلام البندورة في موسم الربيع، وكنا نعثر عليه جنباً إلى جنب، داخل أشتال البندورة، مع ثمارها، كأنها ثمار بيضاء إلى جانب أختها الحمراء، مكوّمة في "مدحاة"، وكان الشعور الذي يخالط هذا العثور غير المخطّط يساوي الحظ الذي يجده المرء بين رجليه.

كانت طيور الشنّار، ومازالت، الرسمة الحقيقية للصورة المتخيلة التي شكلتها حكاية أمي للحمامة، التي كحل ربُّها عينيها، وحنّى رجليها، لأنها قالت الصدق، على عكس الحمار الذي كذب، في الحكاية نفسها، والذي عندما نظر إلى السماء قُلعت عيناه، وعندما حفر في الأرض كُسرت رجلاه.

لم يكن سهلاً الوقوف إلى جانب حيوان أنصفته صفاته، ضد حيوان آخر غدرته هذه الصفات. لقد اخترت أن أكون في صف الحمامة، وبدا أنه كان بإمكاني أن أكون بجانب الحمار، ولأني لم أفعل اكتفيت بأني لم آخذ موقفاً معادياً منه، بل على العكس لم أتخلّ عن تعاطفي مع الحمار، وظلت دمعته، التي تشبه خرزة معلقة بخيط وتتدلى من مجرى مدمعه، تضعني على حافة حيرتي الوجودية: حزنه كاد يعصف بطفولتي، وعندما بحثت عن أسباب حزنه كنت بطريقة ما أبحث عن تفسير لدموعي التي أجريتها بغزارة في قصص نسجتها، وبكيت فيها، لصالح الفراغ، أعواماً.

كيف ستخرج الحمامة من عجمة الجسد لو لم أطلق لسان صدقي، فأقول: أريد، لا أريد. أحب. لا أحب؟

لم يكن شيئاً آخر غير الفراغ والأشباح المدّعاة. ولقد اصطفت إلى جانب الغراب الذي ذكرته حكاية أمي أيضاً فقالت كأنها تحدّد الزمن داخل بنية الخرافية: لمّا جاءت الغربان وقلعت عيون النسوان. لقد أصبحت الغربان وفعلها مؤشراً على الزمن. وما بين عين الحمامة الكحلاء، وعين الحمار الحزينة المفقوءة، وعين الغراب الفاحمة الموسومة بتهمة القتل، نمت عيني داخل موروث الجماعة، مثلما نمت في أعلى وجهي، جوار أختها العين.

كلما فكرت بالصدق كصفة قيمية نمت بين أعضاء الجسد من عيون وأرجل، وبين مجموعة الحيوانات من الحمام والحجل والغربان والحمير، أدركتُ أن الصدق نما فيّ كعضو من أعضائي، وعندما اعتنيتُ به كنت اعتني به كحيوان بريّ، ولهذا المنبت ولشكل تلك العناية أردُّ وضوحه وأردُّ بريّته، ثم وهو ينمو بين تلك الأعضاء فيحافظ على فرادته بينها، فالصدق كان "ماوكلي" أعضائي، له منطق الإنسان، وسرعة الحيوان، قصّر عن الأعضاء وتقدم عليها، فصار الناطق باسم جسدي، وسأعرف هذا متأخراً جداً رغم أنه ظل يرفرف في فضاء روحي، وسأسميه الآن: "الصدق الناطق باسم جسدي".

كيف تنمو الطفلة التي لم يلحظ من حولها أن لها عينين وفماً وأذنين ورأساً وأن لها صدقاً؟ وهل ستختار اللسان رفيقاً لصيقاً لهذا العضو -عضو الصدق-؟ وعندما سيظهر عضو الصدق أين سيظهر؟ شامة بجانب الأذن؟ عشبة في القلب؟ دمعة على الخد؟ وهل يتخفى أم يتماهى أم يظهر بصورته الحقيقية؟ وما هي صورته إن لم يظهر في اللغة وكان، كما عرفناه، ومازلنا نعرفه، قول الحقيقة، أو ما نعتقده كذلك، أو تماهي الظاهر مع الباطن؟ وهل الحديث هنا عن الصدق مدعاةٌ لفتح باب الحديث أمام صفات أخرى كالحياء والوقاحة والكذب والزيف والرقّة والتظاهر ودراستها بردّها إلى مكان ما في جسد الإنسان، فوق جلده، أو مع ما يتدلى عن أطرافه لا باعتبارها ما يقر منها في القلب والعقل من معانٍ؟

هل أريد أن أقول إنني، عندما سمحت لجسدي بالحديث كما هو، كنت كالحمامة التي صدقت فتطلعت إلى ربها فتكحلت عيناها، وعندما حفرت في الأرض تحنت يداها؟ وفي أي زمن كان ذلك، ومتى توقف إن توقف أو كبر ونما لو نما وكبر؟ كان لساني رفيق الصدق، قلت بصوت عال، عن نحو مشاكس، في السنوات الأولى من حياتي، ما أردت قوله؛ عبّرت عما أردته وما أحسست به في إطار ما أتيح لي، ثم ما لبثَتْ، فجأة، كأن الحدث سقط كمقصلة على مرور صوتي، أن خضعَتْ أعضائي للقصّ، صار على لساني أن يتروّى.

أجيب ودون أن يسألني أحد عن لماذا خلعت حجابي، فأقول: كي يشبه خارجي داخلي، وظاهري باطني

وسنة بعد سنة، أخذت أعضائي الشكل الذي أخذته أعضاء من حولي، في هذه الحالة ما يُؤَمّل من الصدق هو أن يكون ابن المعرفة الكلية، ابن الزيت الذي يترطب به جلده وجلد ما حوله من الصفات، وهي صفات جمعية، فيها من الرضا، والصمت، والإنصات أكثر مما فيها من السؤال والبحث وصوت الرغبة. فما الذي حصل للحمامة بعينيها الكحيليتن ويديها المحناتين؟

وقعت في فخ الشبه. كان علينا جميعاً أن نشبه بعضنا البعض. إنه سقوط جمعي في الشبكة بحيث لا يعود يأتي من خارجها ما يخبر بسيرة الصيّاد والشجرة والطُعم. ثم داخل هذا الشبه الظاهري، ولصالحه، قلمتُ أظافر أعضائي، وضممتها إلى بعضها البعض، وشددتها علّي أحظى برضا الإمبراطور "لي يو"، فأصبحُ محظيته "ياو نيانغ"، بكل شيء صار فيّ مضمحلاً ومعلولاً ومعلّقاً وعالقاً.

كانت العلاقة بيني وبين المجموعة التي أعيش فيها علاقة حظ؛ إنه العثور على " مدحاة" بيض الشنار، أو ثمار البندورة، أو "مدحاة" لاشيء. ثم شأني شأن الآخرين أعطيتُ هذا الحظ حظَّه بأن قدمت ولائي؛ أرخيت رسن صدقي، فقُيّد مع قطيع صفات الآخرين، ورُبط إلى شجرة الجماعة ولم يثغُ.

لم تكن الجبال التي رعت فيها صفاتنا بعيدة، ولم تكن الحظيرة التي نامت فيها تلك الصفات غير فراشنا. في الليل تنام أحلامي معي، وتنام أعضائي معي، وتنام فضائلي ونزواتي معي، لكن كل ذلك كان مضبوعاً، فثمة ضبع لا يفتأ يجوس في الليل خارج بيوت القرية، وفي النهار، يترك ظله، يتجسس على أفكار الذين سيفكرون: الأطفال والشيوخ والعجائز والصبايا والشباب.

أوليس هذا هو الدين الذي نشأنا في ظلّه قبل أن ننشأ في ظلّ أي دين آخر؟ دين الخوف، ودين الشّبَه؟ للانسجام مع تعاليم هذا الدين لففت لساني وصدقي على إصبعى كما ألفّ جديلة شعري، بالحزم، والرغبة، والثقة، والانتباه، وجنّدت لصالح أحكامه حواسي كلها، ومن حول هذين العضوين لففت هالة حضوري، فهناك ما هو أقسى من سجن الإنسان، إنه سجن هالته! وفي داخل هالة الحضور السجينة كانت نواة صغيرة مثل بذرة ثمرة زيتون عجماء، صلدة، تتراص فتصغر، لقد كانت نواة جسدي. عصرتُ طراوة جسدي كما يعصر غطاء، ونشرته كما تنشر قطع ثمار ناضجة على سدر "نيكل" فوق سطح سقيفة لتتبخر عصارتها. علقتُ جسدي كما أعلّقُ قرون بامياء، مسبوكة في خيط، في مجال شرفة، فيدخله الهواء، وتدخله أشعة الشمس، فينشفّانه ويعدانه لعمر أطول من الجفاف والصبر!

كانت النسخة الخاصة بي من العيش في " قن الديكة" استعارة "بالرام" لنظام العبودية في الفيلم الهندي: النمر الأبيض، سرت لسنوات لساني وصدقي ملويان على إصبعي، و"تحاليتُ" بهما مظهرة وسم طاعتي: هاكم. ثم أشدهما. هاكم. ثم أعصرهما. تنحسر خطوط الهالة، وتتراص النواة، بين دوائر تنحسر وإلى جانب أنوية تتراص وتصغر.

هناك كنا كلّنا مرصوفين على الطبق نفسه. نمرر أنفسنا على الفطور وفي الولائم وفي الأفراح وعلى صواني المآتم. كانت الأجساد صوتاً مكبوتاً خلف ضحكة، أو صوتاً مكتوماً خلف لسان ملوي على إصبع، كانت أسراراً تحت الأغطية، وإن ظهرت فظهور خفي سريع أمام المرايا.

كيف كان بالإمكان أن أستلّ هذه الأعضاء في شريط طويل مثل شريط ساحر، أول الشريط قماش ملوّن، وآخره طائر ناصع البياض؟ كيف ستخرج الحمامة من عجمة الجسد لو لم أطلق لسان صدقي، فأقول: أريد، لا أريد. أحب. لا أحب؟ أن يصحو ما في النواة، وتتسع الدوائر، ويفرش الطائر ريشه في الأنحاء كلها، ناحية اليمين، وناحية الشمال، وإلى أعلى، وتحت؟ كيف لي أن أولد من القمقم، من قن الديكة قبل أن يولد ذلك الحديث عن خم الدجاج بكثير؟

فور إدراكي ما هو جميل في هذا العالم تحررت من العبودية

هذا الحدث الخارق كان الوصول إليه يستدعي خفة الساحر، تقف المرأة التي استلت جسدها من داخل القمقم أمام مرآة السماء، وعندما أسأل أجيب بصدق: فتتكحّل عينايّ، وتتحنى يداي ورجلاي.

أجيب ودون أن يسألني أحد عن لماذا خلعت حجابي، فأقول: كي يشبه خارجي داخلي، وظاهري باطني. هكذا ببساطة، هكذا بصعوبة. لقد سبق السعي وراء الشبه اكتشاف الداخل نفسه، تلمس الباطن، وجس أحشائه، وإلا هل كان الحدث مجرد شَعر وقطعة قماش؟

يقول المثل على ألسنة النساء ساخرات من الشّعر: لو كان فيه خير ما طلع هناك! وهل كان الأمر مجرد افتعال صراع لمجرد الصراع لو لم يكن الجميع يفكّر بـ" هناك"؟ وهل كانت اللذة حتى ذلك الوقت غير هذا الانكشاف بأن لي صوتاً صادقاً وهأنذا أفرده في يدي مثل عجينة: بمجرد أن قلت لأبي، في ذلك اليوم المشمس إني أريد أن أخلع حجابي أبقيت لساني شهوراً يتمتع بطعم الصدق فقط، فلم أبادر لخلع الحجاب.

انتظم تنفسي، وارتاحت الفكرة في رأسي، وسكنت. تذوقتُ طعم صوتي مراراً وتكراراً، كان الأمر شأناً شخصياً، بين المرء ونفسه، بين لساني العضو ورفيقه الصدق. كانت حركة استبسال. معركة. ثورة حرة، لأجل هذه الرفقة، رددت كما ردد "بالرام" في النمر الأبيض، قول محمد إقبال: فور إدراكي ما هو جميل في هذا العالم تحررت من العبودية.

كنت بحاجة لأن أدرك فقط، وأن أكشف رأس إدراكي تحت الشمس، وفي اللحظة التي بدأت فيها أفك خيط لساني عن إصبعي، بدأ ينفرد صوتي الطفولي المشاكس العالي الواثق مجدداً، ومعه بدأتُ استرد شكل هالتي، وبعدها بدأت أشعر بأن النواة المحشوة في أعماقي صار بمقدوري أن أنادي عليها باسمها فترد عليّ: يا روحي، يا خضراء!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard