"طلبت أن أضع سبع نقاط دم في فنجان القهوة"... فلسطينيات يلجأن إلى الفتّاحات

الجمعة 20 نوفمبر 202001:34 م

كيف تصدُق المنجّمات بالنّظر إلى فنجان قهوة؟ هل للرموز والدلائل التي تتركها القهوة المشروبة على جدران الفنجان الداخلية هذه القدرة الدقيقة على قراءة المستقبل؟ أم أنّ في الأمر ما يسبر عمق أرواح هؤلاء النساء اللاتي يذهبن إلى بيوت قارئات الفنجان أو "الفتّاحات" في الجليل الفلسطيني، لقراءة مستقبلهنّ. فيسمعن معلوماتٍ صحيحة عن حياتهنّ، وتخمينات لأمور سوف تحدث فيرونها تحدث فعلاً. فتذهب الأمور عند بعضهنّ حدّ الإدمان، أو في الأقلّ، حدّ اعتبار قراءة الفنجان سبيلاً للنجاة من مأزق أو حيرة وجودية أو عاطفية أو عائلية.

أكّد علم النفس الموازي Parasychology ظواهر إدراكية خارج الحواس كالاستبصار والتخاطر وغيرها. ولعلّ قراءة المستقبل ترتبط بقدرة القارئة على تملّك هذه القدرات الإدراكية، فتصل إلى ما نسميه الوساطة الروحية (التواصل مع الأرواح).

إنّ القلق من مواجهة المجتمع هو ما جعل نحو ستّ قارئات فنجان في الجليل الفلسطيني يرفضن طلبي إجراء مقابلة معهنّ، وإن كانت بأسماء مستعارة.

لكن تاريخياً، واجهت قارئات الفنجان في المجتمعات التي تنتقد العلم بالغيب وتعتبره شأناً إلهياً وحسب، أزمةً في اتّهامهنّ بالشعوذة. ففضّلن أن يربطن قدراتهنّ الخارقة هذه بأشياء حسية كالفنجان، وساذجة كآثار خطوط القهوة التي تكشف طريقاً طويلةً هنا وفَرَجاً هناك. إنّ القلق من هذه المواجهة هو ما جعل نحو ستّ قارئات فنجان في الجليل الفلسطيني يرفضن طلبي إجراء مقابلة معهنّ، وإن كانت بأسماء مستعارة. أما النساء اللاتي ذهبن إليهنّ بعد أن فقدن رؤية الطرق التي سينجَون عبرها من مشكلاتهنّ، فتحدّثن لرصيف22 عن تجاربهنّ.

صدقت المنجّمات

إنّ اليأس الشديد هو ما يدفع الكثير من النساء للرغبة في معرفة ما يخبّئ لهنّ المستقبل، بحسب ما تقول إلهام (35 عاماً، اسم مستعار) لرصيف22. فتحّدثنا عن تجربتها قائلة: "ذهبت عند الفتّاحة الأولى قبل نحو 15 سنة. سمعت عنها من صديقاتي وكانت شهرتها واسعة. كنت آنذاك بعد خطوبة وعقد قران لكنّي لم أكن قد تزوّجت بعد. علاقتي بخطيبي كانت مضطربة جداً. كنت إنسانة بائسة أحاول التمسّك بأي عجل نجاة".

هذه الفتّاحة تأخذ ما يعادل 15 دولاراً للفنجان، تقف في الطابور عشرات النساء ينتظرن أدوارهنّ. ثمّ تدخل الواحدة منهنّ مدّة ربع ساعة أو ثلث ساعة. وكانت المرّة الأولى التي تفهم فيها إلهام بأنّ القارئة سوف تقول الحقيقة، هي لدى سماعها بأنّها دلّت إحدى النساء على مكان غرض ثمين مفقود في بيتها. فيقوم الطقس برمّته على هذه المعرفة الدقيقة التي تكشفها القارئة. وهي التي تجعل الزّبونات يتردّدن إليها على الدوام.

تقول إلهام: "تعطيكِ القارئة معلومات عنك في البداية حتّى تصدمك. تطلب منك أن تضمري أمراً لتحزره. بدأت كلامها معي بقولها إنّي متزوّجة ولست متزوّجة. فعلاً، كنت مخطوبة لكن القران معقود. عرفت عدد إخوتي وأخواتي. ثمّ صدمتني بأن عرفت اسم خطيبي. شرعت بالبكاء. هدّأت من روعي ثمّ أشارت إلى وجود امرأة في حياتي علي أن أحذر منها. قالت إنّها أمّه وليست أمّه، سألتني إن كانت لديه زوجة أب. أكّدت المعلومة، فقالت إنّها شيطانة وتحاول أن تكسبني من أجل دوافع أخرى". وتضيف إلهام: "تبين بعد فترة من الزمن بأنّ كلامها صحيح. كما صحّ كلامها بأنّي سوف أتطلّق من الرجل. فقد حدث فعلاً. وقد تعطيكِ معلومات أخرى هامشية وغير هامّة فقط لتقولي لنفسك إنّها صادقة". يتعزّز هذا الصدق عبر حلقات ممتدّة من الكلام تقوله القارئة للزبونة، فهي لن تنساها، وإن نسيتها، تستطيع أن تقرأ مستقبلها من جديد لتحزر الأشياء نفسها.

"اعتدت الذهاب إليها عند مواجهتي أية مشكلة. ثم انقطعت لأعود إليها بعد ثلاث سنوات وكان الزواج قد حصل وبدأت المشاكل بيني وبين زوجي. لكنّها قامت بسكوتها المعتاد قائلاً: ها هم يقولون لي. وأنتِ لا تدرين من هم هؤلاء. ثمّ تسرد المعلومات نفسها"، تقول إلهام.

تاريخياً، واجهت قارئات الفنجان في المجتمعات التي تنتقد العلم بالغيب وتعتبره شأناً إلهياً وحسب، أزمةً في اتّهامهنّ بالشعوذة. ففضّلن أن يربطن قدراتهنّ الخارقة هذه بأشياء حسية كالفنجان، وساذجة كآثار خطوط القهوة التي تكشف طريقاً طويلةً هنا وفَرَجاً هناك

أمّا مريم (40 عاماً، اسم مستعار) فتُثار لديها شكوك حول صحّة قراءة الفنجان وقدرات القارئة. لكنّها بالرّغم من هذه الشكوك ذهبت إليهنّ. تقول لرصيف22: "دائماً ما يبدأن بالحديث عن وجود امرأة تشعر بالغيرة تجاهكِ. قلت لها إنّي لست أواجه أية مشكلة مع أحد. قالت لي بأنّي سأفتح فرعاً جديداً لمركز المبيعات الذي أمتلكه، وفعلاً حدث ذلك. عرفت بأنّي مضطربة على نحو خاص فقلت لها إنّي فقدت أبي قبل فترة وجيزة. من جهة أخرى، قالت لي إنّ لدي ثلاث بنات وسأنجب ولداً. لكني لم أنجبه".

ربط سبع عشرات في ليلة مقمرة

لا يُمكن إدراك الحدّ الذي قد تصل إليه قدرات القارئة. فما حدث مع إلهام يبدو أبعد من قراءةٍ في الحاضر أو المستقبل، بل محاولة لتغييره. تقول إلهام: "بعد أن تطلّقت أنا وزوجي، وكنت في حالة يرثى لها، كنت أريد سماع أي معلومة تؤكّد لي رجوعه إلى حياتي. قالت لي الفتّاحة بأنّها قادرة على "ربط" زوجي؛ أي على المحافظة عليه، وأنّ باستطاعة الشيء الذي ستقوم بتحضيره أن يُعيد زوجي إلي بعد خمس سنوات".

وتتابع: "تذكّرت بأنّ أحداً قال لي بأنّي لن أربح شيئاً من الفتاحة إلا وأخسر شيئاً قبالته. خفت بأن تحصل لي كارثة أو أن أخسر أحداً ما مقابل إرجاعه. كأنّ علي أن أقدّم أضحية لهذا المنال. لكنّي لم أقبل".

يُرفق التبصّر والتنجيم، كما عرفته المجتمعات العربية، بتحضير الأحجبة التي تدفع الشرور وتستجلب الأرزاق والمنافع. القارئات اللاتي لجأن إليهنّ ريم وإلهام قمن بعرض تحضير الأحجبة. لجأت إلهام لإحداهنّ برفقة إحدى قريباتها. قالت إلهام لقريبتها إنّها لم تعد تثق بهنّ لكنّها تودّ أن تسألها إن كانت ستنجب أطفالاً يوماً ما.

"تلجأ القارئة عادة إلى القول إنّ أحداً ما حضّر لكِ 'عملاً' وأنّها ستقوم بفكّه. قالت لي بأنّي سأنجب توأماً. كتبت لي ورقة وطلبت ألا أفتحها. رأيتها ترسم نجمة داوود وتكتب الكلمات بأحرف متفرّقة. ثمّ وضعت مهمّة ثالثة وقالت لي إنّ علي أن أربط سبع شعرات في ليلة مُقمرة وأن أحرقها. طلبت منّي أن أجلب لها شيئاً من زوجي مثل كنزة، كي تحضّر الحجاب. لكنّي لم أفعل. خفت. وحرقت الورقة تلك"، تقول إلهام.

أما قريبتها فقد واجهت مهمّة أصعب بكثير من هذه المهمّات، فقد طلبت منها قارئة الفنجان بأن تضع سبع نقاط من دم دورتها الشهرية في فنجان القهوة أو الشاي الذي يشرب منه زوجها كي يزداد حبّه لها. هذه القارئة بالتحديد كانت تطلب ما يقارب 30 دولاراً للفنجان، وتطلب من الزبونة أن تختار من معروضاتها علبة ماكياج أو حمّالة صدر أو أحمر شفاه كي تحلّل النقود التي أخذتها، بحسب ما تقول إلهام لرصيف22.

"دخلنا أنا وزوجي غرفة الشيخ المتواضعة وكان فيها قرآن وتمر. مسك هذا بيد زوجي وطلب منه أن يمسك يدي. بدأ بقراءة القرآن بصوت عال. ثمّ شيئاً فشيئاً فقدت قدرتي على التنفّس وأجهشت بالبكاء. بعد برهة طلب من أحدهم أن يجلب دلواً، وبدأت بالاستفراغ"

شيوخ ومنجّمون؟

للنصّ الديني والمعتقدات الدينية حصّة في كلّ هذا. إلا أنّ العلاقة التي تربط الديني بالتبصير وقراءة المستقبل ليست واضحة. بل وتبدو في أحيان كثيرة مشوّهة. ألم نسمع جميعنا عن أنّ الذين يتواصلون مع الأرواح يقومون بأفعال مسيئة إلى النصّ الديني كالدوس عليه؟

فمن جهة أولى، يكذّب النصّ الديني المنجّمون ومن جهة أخرى يستعمله الشيوخ من أجل تحضير أحجبتهم. "تقول لي الفتّاحة إنّ كلّ شيء مكتوب. طيب ما دام مكتوباً وتريدين أن تصنعي لي حجاباً فأنت بذلك تكفرين"، تقول إلهام.

في فترة عصيبة نفسياً عليها، لجأت إلهام إلى شيخ "يفتح بالقرآن" كما تقول. هذا ما حصل أيضاً مع ريم.

"أنا أكيدة بأنّ الفتّاحات يعملن مع هؤلاء الشيوخ. فبعد أن قلت للفتّاحة بأنّي قمت بإجراء عملية تلقيح اصطناعي ولم يجد نفعاً، نصحتني بأن أذهب إلى شيخ من جنين سيقرأ أمامي آيات من القرآن"، تقول ريم وتضيف شارحةً: "اتصلت بالشيخ فطلب منّي قراءة ستّ آيات ففعلت. سألني إن آلمتني أطرافي. قلت قليلاً. لدى زوجي مشكلة مستعصية في أقدامه. قلت سأجرّب الزمر معه. فطلبت منه قراءة نفس الآيات. فتصلّبت يداه. بعد أسبوعين ذهبت مع زوجي إليه. وكان قد أشار لي بأنّه لن يدفع للشيخ إن طلب نقوداً، فهذا في رأيه سيصير تجارةً وليس ديناً. دخلنا غرفة الشيخ. غرفة متواضعة فيها قرآن وتمر. مسك هذا بيد زوجي وطلب منه أن يمسك يدي. بدأ بقراءة القرآن بصوت عال. ثمّ شيئاً فشيئاً فقدت قدرتي على التنفّس وأجهشت بالبكاء. بعد برهة طلب من أحدهم أن يجلب دلواً، وبدأت بالاستفراغ".

لم تفهم ريم لم حصل لها كلّ ذلك. فهي لم تبد متأثّرة أو مضطربة من أي شيء قبل دخولها الغرفة. "فجأة، أمسك الشيخ بالقرآن وطلب من زوجي أن يعيد من ورائه آياتٍ احتوت على عشر كلمات كسَحَر وساحر وسِحر. ثمّ قال له إنّ أحدهم صنع لي سحراً أسود قبل عشر سنوات. نحن كنّا فعلا في العائلة في مأزق كبير هو خلاف على قطع أرض قبل عشر سنوات. وربّما فعلها أحدهم. ثمّ قال لزوجي بأنّ لديه مشكلة مستعصية في قدميه وأنّنا سنرزق بولد دون أية عمليات". لم يطلب الشيخ من ريم وزوجها نقوداً. لكنّ ريم، بالرغم من تلك النوايا الطيبة تقول بأنّ الفتّاحة تبعث بزبائنها للشيخ وأنّها قد تكون أعلمته بالكثير من المعلومات التي تجهّزه لاستقبال النّاس.

في البحث عن الأمل

لا شكّ بأنّ أسباب مختلفة قد تدفع بصاحبة الفنجان لأن تسافر إلى مدينة أو قرية بعيدة حتّى يُقرأ فنجانها. والإيمان بما يسميه البعض التنجيم أو قراءة المستقبل ليس حكراً على فئة اجتماعيةٍ دون سواها. تقول إلهام: "دفعني الاكتئاب. وكنت كالغريقة أريد أن أستنجد بأي شيء. ربّما كنت أصغر في السنّ والوعي. على الرّغم من أنّي صادفت أناس ذوي شخصيات واعية ومثقّفة. يذهبون حين تضعف نفوسهم وربّما تصل الأمور حدّ الإدمان. بعد فترة من الزّمن وصلت إلى قناعة بأنّي لا أريد أن أعرف شيئاً. إن كان ثمّة شيء إيجابي ينتظرني فسأتفاجأ، وإن كان سلبياً فلست راغبة في معرفته". وتضيف: "الفتّاحة تسألك قبل أن تبدأ الكلام إن كنتِ صاحبة قلب قوي حتى تشعر بحرية قول ما هو جيد وما هو سيئ".

"الجميل في مسألة الذهاب عند الفتّاحات هو الأمل. النساء يذهبن إلى هناك ويحملن هذا الأمل في قلوبهنّ. لديهنّ دوافع ولديهنّ تفاؤل بأنّ أمراً ما أفضل سيحدث لهنّ. معظمهنّ يذهبن لأنّهنّ يبحثن عن كف اليد الذي يطبطب على ظهورهنّ"

أمّا عند ريم، فيختلف الدافع أيضاً: "الأمر كان أشبه بمزحة. فمعظم الموظّفات حيث أعمل من النساء، كلّ لها حاجتها الاجتماعية المختلفة. قرّرنا الذهاب فذهبنا سوياً". فريم تعتبر نفسها شخصاً عقلانياً ولا تسلّم إيمانها لأي كلام: "أشعر بأنّ الفتاحة تلتقط رأس الخيط ثمّ تحكي الحكاية. حين أرسلتني عند الشيخ شعرت بأنّها مصيدة. لا أؤمن بكلّ ما يُقال، فمثلاً مسألة وجود شخص يغار منك أو يحيك لك الشر قد تحدث مع أي شخص. ثمّ إنّي لست من محبّي الدواوين والقهوة. أنا لا أشرب القهوة أصلاً. أما الشيخ فقد يكون عرف معلوماته عن طريق أشخاص آخرين أو عن طريق الفتّاحة".

لكن على الرّغم من نظرة ريم العقلانية هذه، المتشكّكة أمام حاجة الإنسان لعجل النجاة هذا إلا أنّها ترى فيه جانباً جميلاً، فتقول: "الجميل في مسألة الذهاب عند الفتّاحات هو الأمل. النساء يذهبن إلى هناك ويحملن هذا الأمل في قلوبهنّ. لديهنّ دوافع ولديهنّ تفاؤل بأنّ أمراً ما أفضل سيحدث لهنّ. معظمهنّ يذهبن لأنّهنّ يبحثن عن كف اليد الذي يطبطب على ظهورهنّ. وهذا ما تبحث عنه النساء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard