تنازلات لأمريكا… هل ينقذ أردوغان اقتصاده المتعثر؟

الجمعة 12 فبراير 202103:30 م

يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منفتح على تقديم تنازلات في عدة قضايا، وذلك لإنقاذ اقتصاد بلاده المتعثر وشعبيته المتدهورة، أبرزها إنهاء النزاع مع الولايات المتحدة حول أنظمة صواريخ إس 400 الروسية الصنع.

وتشير الأخبار الواردة من أنقرة إلى أن أردوغان يلوّح أيضاً بسحب قواته من ليبيا، لكن يضع شروطاً، أهمها انسحاب المرتزقة الأجانب، وذلك في إشارة لقوات الفاغنر الروسية المسيطرة على مدينة سرت وقاعدة الجفرة العسكرية، وهي تدعم خليفة حفتر.

مع ذلك، يظهر أن الولايات المتحدة لن تكتفي بحل هذه القضية فحسب، إذ وقّع أكثر من 50 من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي على رسالة تدعو الرئيس جو بايدن للضغط على الحكومة التركية لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان.

وسرعان ما دعت الخارجية الأمريكية تركيا إلى الالتزام بأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وضمان حل عادل وشفاف وسريع لقضية المدافع عن حقوق الإنسان عثمان كافالا، وذلك على نحو يتماشى مع قوانينها المحلية والتزاماتها الدولية.

ملف إس - 400

كشف وزير الدفاع التركي هلوصي أكار أن تركيا ستقترح تفعيل صواريخ إس -400 الروسية "جزئياً" في المفاوضات مع الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على أنقرة بسبب شرائها هذه الأنظمة من موسكو.

وقال أكار إن صواريخ إس -400 يجب أن لا تظل نشطة في جميع الأوقات، بل يمكن استخدامها على غرار اليونان العضوة في حلف الناتو، والتي تشغل أنظمة مماثلة من طراز إس -300 في جزيرة كريت اليونانية في البحر المتوسط.

ونقلت صحيفة "هرية" التركية قوله: "أياً كان النموذج المستخدم في أنظمة إس -300 في جزيرة كريت، فسوف نقترح شيئاً مماثلاً خلال المفاوضات، كما لا يتعين علينا استخدامها باستمرار".

الرئيس التركي أردوغان منفتح على تقديم تنازلات في عدة قضايا، وذلك لإنقاذ اقتصاد بلاده المتعثر وشعبيته المتدهورة: منها سحب قواته من ليبيا ونقل أو التفعيل الجزئي لمنظومة S-400 التي تقلق الولايات المتحدة، وتحسين سجل تركيا في مجال حقوق الإنسان

ولم يكشف آكار أين يمكن تشغيل المنظومة الجديدة في تركيا، لكن توقع المحلل علي باكير في تغريدة على تويتر أن أنقرة يمكن أن تنقل المنظومة إلى ليبيا أو قطر أو أذربيجان.

وأشار باكير إلى أن نقل المنظومة إلى منطقة أخرى على غرار "نموذج كريت" يتطلب موافقة روسيا الدولة المنتجة للمنظومة.

من جانبه، قال المحلل والدبلوماسي البريطاني أندرو هوبكنز إن تركيا تريد نظام دفاع جوي آخر دائم، كي تنفذ اقتراح آكار، وحاولت قبل سنوات قليلة شراء نظام دفاع صاروخي أمريكي من طراز "باتريوت" قبل شراء إس 400 من روسيا، لكن المفاوضات تعرقلت مع واشنطن.

وتساءل هوبكنز: "يبدو أن تركيا من غير المرجح أن تتخلى عن امتلاك منظومة دفاعية دائمة، فهل يشمل "نموذج كريت" صفقة لبيع صواريخ باتريوت الأمريكية لانقرة؟ وإلا فكيف ستعود النقص في نظامها الدفاعي الصاروخي؟".

في كانون الأول/ديسمبر الماضي، فرضت واشنطن عقوبات على أنقرة لحيازتها صواريخ إس -400 على أساس أنها تهدد مقاتلاتها من طراز F-35، ولا تتوافق مع دفاعات الناتو المشتركة.

منذ انتخاب جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة، قالت أنقرة إنها تريد علاقات أفضل واقترحت مرة أخرى مجموعة عمل مشتركة حول أزمة "اس- 400". لكن واشنطن أكّدت أن العقوبات ستستمر إلى أن تتوقف تركيا عن امتلاك الصواريخ، كما أزالت الولايات المتحدة تركيا من برنامج F-35 ، حيث كانت أنقرة مُصنِّعًا ومشتريًا ، بسبب استحواذها على صواريخ إس -400 في منتصف عام 2019.

في الأسبوع الماضي، جرى أول اتصال رسمي بين مستشار الأمن القومي الرئيس التركي إبراهيم كالين ونظيره الأمريكي جاك سوليفان واتفقا على أن نزاع اس-400 بحاجة إلى حل.

أسباب التراجع التركي

في تقرير نشرته وكالة بلومبرغ الأمريكية للصحافييْن سيلكان هاك أوغلو وفرات كوزوك، أشارا إلى أن تركيا قد تتنازل عن الصواريخ الروسية كي تجمد الولايات المتحدة دعمها للقوات الكردية التي تعتبرها أنقرة تهديدًا حقيقياَ لها.

وذكر التقرير في 9 شباط/فبراير الجاري أن الهدف الثاني هو حرص تركيا على تأمين الإمدادات المستقبلية من قطع الغيار لأنظمة الأسلحة الأمريكية الصنع وتجنب الإضرار باقتصادها وفقاً لمسؤولين أتراك مطلعين على العلاقات بين البلدين.

في هذا السياق، كتب مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، سونر كاجابتاي تغريدة ، قال فيها إن أردوغان يعرف أنه يتعين عليه إقامة علاقات جيدة مع بايدن، ويقدّر الدعم الإستراتيجي للولايات المتحدة لأنقرة في سوريا ضد روسيا وبشار الأسد.

منذ انتخاب جو بايدن رئيسًا، قالت أنقرة إنها تريد علاقات أفضل مع الولايات المتحدة واقترحت مرة أخرى مجموعة عمل مشتركة حول أزمة S-400. هل ينجح أردوغان في استمالة الإدارة الجديدة لإنقاذ اقتصاده المتعثّر؟

ولفت إلى أن أردوغان يحتاج إلى الولايات المتحدة أكثر مما يعتقد أن واشنطن بحاجة إليه، لأنه يدرك العلاقة بين حالة الاقتصاد التركي والعلاقات الأمريكية التركية.

وأوضح أن تراجع العلاقات الأمريكية التركية يتزامن مع تدهور الاقتصاد التركي، كما حدث عام 2018 خلال "أزمة القس برونسون" الذي احتجزته أنقرة، ويحتاج أردوغان إلى التصرف حيال واشنطن.

ورأى أن أردوغان أدرك أن العلاقات الجيدة بين تركيا والولايات المتحدة ستوفر دفعة للاقتصاد المتعثر، وتالياً دعم شعبيته المتراجعة. وارتفع مؤشر أسهم البنوك في البلاد عقب نشر تصريحات آكار بنسبة 3.4 % وسط آمال متزايدة في ذوبان الجليد مع الولايات المتحدة.

انسحاب من ليبيا

في 9 شباط/فبراير أيضاَ، أشار أردوغان إلى أنه يمكن أن يقدم تنازلات في قضية أخرى إذ قال إن "تركيا ستناقش سحب قواتها من ليبيا إذا انسحبت القوات الأجنبية الأخرى أولاً"، وفقاً لوكالة رويترز الإخبارية.

ولفت إلى أن أفراد القوات المسلحة التركية تم نشرهم في ليبيا فقط لتدريب الوحدات الموالية لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، ومقرها طرابلس.

وغرّد المحلل التركي على بكير أن الرئيس التركي قال "مناقشة" و "لو" وهما الكلمتان الرئيسيتان في هذا الخبر، وذلك في إشارة إلى أن هذا القرار خاضع لشروط.

وأوضح مراسل وكالة "الأناضول" في طرابلس مجاهد ايدمير أن أردوغان لم يقل شيئاً عن "الانسحاب" من ليبيا، مشيراً إلى أن ما قاله بالضبط هو: "بادئ ذي بدء، أنتم تسحبونهم (المرتزقة)، ثم نتحدث عن هذه (القضايا). وجودنا في ليبيا بناء على اتفاق".

وتأتي تصريحات أردوغان بعد أيام قليلة من انتخاب مجلس رئاسي جديد بقيادة محمد يونس المنفي، ورئيس جديد للحكومة، وهو عبد الحميد الدبيبة الذي يُحكى أنه مقرب من تركيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard