التيار الصدري... عنف وتحدّيات وأوهام وحقائق

الجمعة 12 فبراير 202110:51 ص

في سنوات العنف الطائفي، أسهمت كل القوى الشيعية في التهجير والقتل، حسبما تثبت الوثائق، لكن مَن تصدّى لمهمة أن يكون الأخ العنيف في البيت الشيعي والذي دفع الثمن غالياً لخياره هذا هو التيار الصدري وحده. تحوّل وقتها إلى مصدر للرعب والقتل.

احتاج التيار لعشر سنوات من العمل كي يضع نفسه داخل النسق السياسي، وكي يمحو النظرة إليه كميليشيا خارجة عن القانون، وانتظر سنوات طويلة لتكوين تحالف "سائرون" الانتخابي الذي رمم بفضله جزءاً من صورته، وليبدأ المجتمع بتقبّله على أنه جزء من العملية السياسية وليس تياراً موغلاً في ممارسة العنف.

ربما التاريخ يعيد نفسه مع التيار حالياً. يبدو أن الصدريين لم يتعلموا الدرس الماضي. فما يحصل معهم الآن هو نسخة طبق الأصل عمّا حصل سابقاً: ورطت الأطراف الشيعية التيار الصدري في أعمال عنف واضحة ضد ثوّار تشرين ودفعته باتجاه مواجهتهم ودارت حروب كلامية واتهامات بين التشرينيين والصدريين، رغم أن ثوار تشرين كانوا يعتقدون أن القوى السياسية التي تقف على سدة الحكم هي خصمهم الأول، وليس التيار الصدري.

هذا الصدام استُغلّ من قبل أطراف عدّة، ووقع التيار في نفس الفخ. هناك قوى شيعية عملت وتعمل بشكل منظم ضد ثورة تشرين بشكل يفوق ما اقترفه التيار، وهذا مما لا شك فيه، لكن التيار هو مَن يتصدر قائمة الرعب التي باتت تلاحق شباب ساحات الاحتجاجات العراقية.

أسئلة لا بدّ منها

تصدّر التيار الصدري مشهد العنف بشكل واضح ومفضوح، وربما سيحتاج إلى عقد آخر ومعجزة كي يعيد ترميم صورته خارج نطاق مؤيديه. وربما تعطي ضرورة الترميم هذه للصدريين قوة للمواجهة لتصحيح المسار لاحقاً. لكن تبرز هنا جملة أسئلة ينبغي أن تطرحها جماعة الصدر على نفسها.

ـ هل لُدغ مقتدى الصدر من جحر القوى الشيعية مرتين؟

ـ هل تورُّطه كان بسبب الطبيعة السيكولوجية للصدريين؟

ـ هل التيار الصدري هو الأقل حرصاً على صورته الاجتماعية خارج الجماعة الصدرية؟

ـ هل أنصار التيار تهيمن عليهم الأنساق القبلية وتزيد من حماستهم في مثل هذه المواجهات، ما يجعلهم يتوغلون فيها بوضوح، وما يجعل القوى الأخرى تنفّذ أجندتها عبر أنفاق تبنيها داخل الجسد الصدري غير المنظم؟

ـ إلى متى سيبقى هذا التيار العصا التي تجلد بها القوى الشيعية التقليدية معارضيها وأعداءها؟

مما لا شك فيه أن كثيرين من ناشطي تشرين قُتلوا وسيُقتلون على أيدي قوى شيعية غير التيار، ونحن على يقين من ذلك، لكن سلوك التيار وردود فعله ستعيد قصة التيار العنيف وتضعه في خانة الاتهام.

"لن يتعافى الجسد الصدري بسهولة وسيعاني أضعاف ما عاناه من آثار الحرب الطائفية لأن المجتمع العراقي فهم تماماً طريقة تفكير التيار الصدري، وعرف أنه هو حبل نجاة القوى السياسية الشيعية المهيمنة عندما تشتد الأمور"

وهنا لا بد من الانتباه رغم أن وقت التصالح بين تشرين والصدر فات: أي مواجهة مع المجتمع هي مواجهة خاسرة حتى لو كان القائم بها مقتدى الصدر. صورة التيار الصدري القوية التي أظهرتها انتخابات 2018، والخطاب الذي جعله وجهاً مرحَّباً به من قبل جزء كبير من المجتمع بات من الماضي.

ربما فات الوقت الذي يمكن فيه لزعيم التيار الصدري إنهاء الحرب على الناشطين لحقن دماءهم، وأيضاً لترميم صورته قبل أن تصدمه نتائج صناديق الاقتراع.

العنف كورقة ضغط

يتبقى للصدريين احتمال يمكن أن يستثمروا فيه في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية. يمكن أن يستخدموا العنف الذي مارسوه كورقة ضغط على القوى الشيعية فينال الصدر مبتغاه على حساب دم تشرين، رافعاً بذلك حظوظه وحظوته داخل البيت الشيعي، بتقديم نفسه كمنقذ لقواه السياسية، ومُستحقّ لمكافأة عن خسارته سمعته الاجتماعية والوطنية التي بناها خلال العقد الماضي.

علاقة الصدر مع التشرينيين وصلت إلى منطقة اللاعودة، وهو يعلم أن باب التوبة بات مغلقاً لأن مجتمع تشرين ليس نفسه المجتمع الذي استطاع التيار ترتيب أوراقه فيه سابقاً.

هنا نتحدث عن تيار يلاحقه وهم الوطنية، ويحاول بشتى الطرق إثبات ذلك عبر قائده، لكن ما إن تصل لحظة الاختبار يفشل ويتحوّل إلى أكثر التيارات راديكالية وعنفاً داخل الجماعة الشيعية.

لن يتعافى الجسد الصدري بسهولة وسيعاني أضعاف ما عاناه من آثار الحرب الطائفية لأن المجتمع العراقي فهم تماماً طريقة تفكير التيار الصدري، وعرف أنه حبل نجاة القوى السياسية الشيعية المهيمنة عندما تشتد الأمور.

حجم التيار

من الضروري التذكير بحجم التيار الانتخابي كي لا يُصدم مناصروه من النتائج المتوقعة في الانتخابات القادمة.

في انتخابات 2018، بدا الجسد الصدري معافى وسليماً وقوياً. كان يمتلك زخماً اجتماعياً ومدنياً حوله بسبب تظاهرات 2015، ما سحب نسبة كبيرة من الجمهور الشيعي غير المؤدلج إلى خانة الصدر، مفرغاً بذلك جعبة الآخرين منهم.

"علاقة الصدر مع التشرينيين وصلت إلى منطقة اللاعودة، وهو يعلم أن باب التوبة بات مغلقاً لأن مجتمع تشرين ليس نفسه المجتمع الذي استطاع التيار ترتيب أوراقه فيه سابقاً"

مع ذلك، حصد التيار مع الشيوعيين وغيرهم من المستقلين والقوى التي شكلت تحالف "سائرون" نحو 400 ألف صوت في بغداد، إحدى أكبر معاقل الصدريين وكبرى الساحات الانتخابية. وهذا الرقم ليس بالكثير، لأن الأرقام تخبرنا أن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي حصد في انتخابات 2010 ما يقارب الـ750 ألف صوت لوحده من محافظة بغداد، وكان ذلك بشكل أساسي لأنه وقف في وجه سلاح التيار الصدري وتعامل معه بحزم وقوة.

وبالرغم من فشل المالكي الذريع في إدارة الدولة وهدر أموالها، ومن أنه أحد الأسباب الرئيسية في انهيار 2014 أمام تنظيم داعش، إلا أنه حتى الآن يحظى بمقبولية بسبب علاقته المتوترة مع التيار.

بمعزل عن عمليات التزوير ومدى صدق أرقام الانتخابات، هذا يعني أن التيار أقل بكثير مما يحاول أن يظهره بعبارات مثل "مليونية" وغيرها. وإذا كان هناك مَن يشكك ويروّج لفكرة أن التيار يمكنه أن يملأ ساحة وكاميرا، يمكن تقسيم جمهور التيار المشارك في تظاهراته إلى قسمين: القسم الأول، هم أتباع التيار وأنصار السيد مقتدى الصدر؛ والقسم الثاني، والذي لا يستهان به أبداً، هم أصحاب المهن والمصالح الذين يحمون حياتهم عبر صورة يعلّقونها على واجهة المحل كي يتخلصوا من الابتزاز، إضافة إلى عدد كبير من الموظفين الذين يلبّون دعوات التيار للتظاهر للسبب نفسه.

القسم الثاني ليس مضموناً أن ينتخب التيار الصدري إذا لم يحسّن صورته الاجتماعية، لأن أفراده هم في النهاية مواطنون لا علاقة لهم بالتيار ويمشي مزاجهم الانتخابي مع مَن يجدون وعوده قابلة للتصديق، وهذا ما حققته سائرون بالنسبة لهم سابقاً.

هل سنشهد قريباً اختباراً يوضح مدى حضور التيار الصدري الحقيقي، رغم أن قانون الانتخابات الجديد قد يساعده بسبب ما يمتلكه من خبرات وتنظيم؟

على الورق، لن يكون رئيس الوزراء القادم صدرياً. ولو حصل هذا سيعني بكل تأكيد أن القوى الشيعية استسلمت أخيراً للصدر ووافقت على منحه رئاسة الوزراء لأنه ساهم في إخماد تشرين وحمى النظام برمته من الانهيار.

أو... ربما سيذهب الصدام المؤجل بين الصدر والفصائل الشيعية الأخرى بكل هذه الاحتمالات، بما فيها إجراء الانتخابات، لأن إيران والسيد علي السيستاني لم يعد أحد منهما قادراً على تأجل هذا الصدام، خاصةً أن الصدر يخطط لاختطاف رئاسة الوزراء التي تمثل العصب الرمزي لحزب الدعوة في عراق ما بعد 2003، وصراع مثل هذا سيجعل من انهيار النظام السياسي حتمياً... كل هذا يبقى مجرد سيناريو.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard