الأردنيون يصرخون: حقي مش مكرمة

الأربعاء 10 فبراير 202101:17 م

"له يا بلد ماني من ولدك ولد...

له يا بلد نذرت لعيونك شهد له يا بلد...

متعب تعب وما ضل من حوله أحد...".

بهذه الكلمات البائسة، شكا الفنان الأردني المعروف متعب السقار، وهو على فراش المرض، من عجزه عن تأمين تكاليف علاجه، وذلك عبر حسابه على فيسبوك.



تقاطعت شكوى الفنان الأردني المعروف مع هاشتاغ #حقي_مش_مكرمة الذي تصدّر تويتر في الأردن منذ يوم الاثنين، في الثامن من شباط/ فبراير 2021، والذي تساءل عبره مغرّدون: هل المطلوب أن يخرج المواطن الأردني بفيديو أو منشور يذكّر فيه الدولة بمسؤولياتها الأساسية... و"هل الحقوق أصبحت مكارم؟".

لم يكن منشور متعب السقار وحده المحرّكَ الأساسي للموجة الغاضبة، وإنما ما تلاه من تصريح لرئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة، تحت قبة مجلس النواب، قال فيه إن ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني تفضل بتقديم الرعاية الصحية اللازمة للفنان السقار.



وهنا انطلقت شرارة هاشتاغ #حقي_مش_مكرمة الغاضبة، ليس امتعاضاً من خطوة الأمير، بل ضيقاً من أسلوب تفكير مسؤولي الدولة وطريقتهم في التعامل مع الحقوق بوصفها مكارم.

فجوة بين الدستور والواقع

"علّمونا في المدارس والجامعات أن الدستور يكفل الحقوق المدنية والسياسية". هكذا يستهل الناشط في حزب الوحدة الشعبية راكان حياصات حديثه لرصيف22 قبل أن يستطرد شارحاً: "رغم ذلك، فإننا منذ الأزل نشهد فجوة بين الحقوق المنصوص عليها في الدستور وما يُطبَّق على أرض الواقع، فالحق في الصحة مثلاً المكفول تأمينه مجاناً لكل مواطن في الدستور يقابله قطاع صحي مترهل، ولا تُمنح مجانية العلاج للمواطنين. كذلك الحق في التعليم المكفولة مجانيته أيضاً في دستورنا تقابله عقلية حكومية تنظر من خلالها للمواطن على أنه ATM (صراف آلي) مجبر على دفع تكاليف ترهق جيبه لضمان حق أصيل في تعليم أبنائه".

"ما يستفزنا أكثر هو العقلية التي تتعامل فيها الدولة مع الظروف الإنسانية بمنطق البروباغندا، إذ تمارس أسلوباً تسويقياً سخيفاً عندما تعلن عن تلبيتها لاحتياجات إنسانية كما حدث مع الفنان السقار، وكأنها تقول لهم: ‘شفتو ما أحسنّا؟’"

ويتابع حياصات: "أكبر مصيبة تعاني منها المملكة الأردنية الهاشمية هي تصور الحكومة أن الأردن هو العاصمة فقط، متناسيةً المحافظات الأخرى. فهل من المنطق أو العدل أن تنحصر فرص العمل في عمّان، ويصبح لزاماً على شبّان المحافظات أن يخرجوا كل يوم منذ صباح السادسة حتى يصلوا إلى أماكن عملهم في العاصمة؟!".

"يتهموننا أننا كشباب نريد أن نكون مدراء ولا نقبل بمهن بسيطة، وينسون أننا لا نطمح إلا إلى أن تتحول حقوقنا إلى أفعال لا مكارم، و‘يخلف عليهم’"، يقولها الشاب العشريني مبتسماً بمرارة.



وفقاً لتقرير صادر عن دائرة الإحصاءات العامة، بلغ معدل البطالة في المملكة الأردنية خلال الربع الثالث من عام 2020 نسبة 23.9%، بارتفاع مقداره 4.8% عن الربع الثالث من عام 2019.

وأظهرت النتائج أن معدل البطالة كان مرتفعاً بين حَمَلة الشهادات الجامعية، إذ بلغ 27.7%، كما بلغ 53.1% بين حملة الشهادة الثانوية فأعلى، فيما ظهر أن 46.9% من إجمالي المتعطلين كانت مؤهلاتهم التعليمية أقل من الثانوي. والمفارقة كانت أن 85.6% من المشتغلين هم مستخدمون بأجر.

الحق في العلاج

القاسم المشترك في كثير من التغريدات على هاشتاغ حقي مش مكرمة كان الحديث عن الحق في العلاج، ورغم أن الصحة كانت من أولويات الحكومة للعامين 2019 و2020 حسبما أعلن رئيس الوزراء السابق عمر الرزاز، إلا أن الشكوى من القطاع الطبي ما زالت حاضرة وهو ما يتحدث عنه حسام العكروش، أحد المغردين على الهاشتاغ.

"حقي مش مكرمة" هاشتاغ غاضب سينتهي حتماً كما بدأ، لكن ضمانة عدم تكراره هو التحرك الجاد لتلبية مطالب الأردنيين الأساسية، وبدون ذلك، سيظهر غيره وغيره، لأنه سيظل دائماً في الأردن مَن يؤمن بأن... "حقه مش مكرمة"

يقول لرصيف22: "لا جيبي ولا جيوب إخوتي تستطيع تحمل تكاليف علاج والدي الذي أصيب قبل حوالي الشهرين بانسداد في شرايين القلب في مستشفى خاص، حيث تصل تكلفة غرفة العناية المركزة في الليلة الواحد فقط إلى ما يقارب الـ1200 دينار أردني، لأنه للأسف لا يمتلك تاميناً صحياً. لم يكن أمامنا خيار سوى علاجه في مستشفى حكومي، بالرغم من تردي الخدمات العلاجية هناك".

ويضيف حسام: "المحزن أن الدولة تتعامل مع الحق بالصحة كأنه ترف، وقصة والدي الذي أمضى ثمانية أيام في مستشفى سبل النظافة شبه غائبة فيه ليست قصة نادرة".



لماذا الآن؟

لكن إذا كانت هذه الشكاوى قديمة ومتكررة، لماذا انطلق الآن هاشتاغ #حقي_مش_مكرمة وهيمن على فضاء الأردن السيبيري؟ ما الجديد الذي استفز المدونين وحرّكهم؟

أحد المتفاعلين على الهاشتاغ كان الناشط عبد الرحمن المشاقبة. يجيب رصيف22 على السؤال المطروح بقوله: "في كل مرة يحدث فيها ظرف إنساني له علاقة بالتعليم أو البطالة أو الصحة، كما حدث مع الفنان متعب السقار، وينتشر الحديث عنه على مواقع التواصل الاجتماعي بقوة، تتحول تلبية احتياجات ضحايا الظرف الإنساني من قبل الدولة إلى مكرمة، وكأن تأمين الحقوق منّة أو مكارم، وتنسى الدولة أن الحقوق تعمم ولا تخصص ولا تأتي في الظروف الاستثنائية فقط".

"ما يستفزنا أكثر -والحديث ما زال للمشاقبة- هو العقلية التي تتعامل فيها الدولة مع الظروف الإنسانية بمنطق البروباغندا، إذ تمارس أسلوباً تسويقياً سخيفاً عندما تعلن عن تلبيتها لاحتياجات إنسانية كما حدث مع الفنان السقار، وكأنها تقول لهم: ‘شفتو ما أحسنّا؟’".

يختم المشاقبة حديثه قائلاً: "سنبقى كنشطاء نواجه أي أسلوب استفزازي من هذا القبيل، كما فعلنا في العاصفة الإلكترونية ‘حقي مش مكرمة’، وسنبقى نذكّر الدولة بأن الحقوق ليست مكارم تمنّون بها علينا!".



من جانب ومنظور آخر، يعلق المحلل السياسي ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية سابقاً الدكتور موسى الشتيوي على فكرة "حقوق مش مكارم" التي تحولت إلى هاشتاغ ويقول لرصيف22: "المكارم هي عبارة عن تدخل سريع من الدولة لإنصاف فئات معيّنة، مثل أن يكون هناك شخص غير مؤمّن صحياً وبحاجة إلى تدخل فوري لعلاجه. هذا تدخل إنساني إيجابي وليس سلبياً، فدولتنا دولة رحيمة وتدخّلها في منح مكارم هو لفتة إنسانية منها".

ويتابع الشتيوي: "ضمان الدولة تحقيق الحقوق التي كفلها الدستور مرتبط بظروف وإمكانيات معيّنة، فليس من المتاح دوماً وجود تلك الإمكانيات حتى تتحول إلى إجراءات على الأرض. أي نعم، الحق الدستوري حق قانوني، لكن لا يعني أن الدولة ملزمة بتأمينه بالكامل، ففي كثير من الأحيان إمكانيات تأمين ذلك الحق تكون غير متاحة".

"حقي مش مكرمة" هاشتاغ غاضب سينتهي حتماً كما بدأ، لكن ضمانة عدم تكراره هو التحرك الجاد لتلبية مطالب الأردنيين الأساسية، وبدون ذلك، سيظهر غيره وغيره، لأنه سيظل دائماً في الأردن مَن يؤمن بأن... "حقه مش مكرمة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard