"ما خلقنا تنعيش بذل، خلقنا نعيش بحرية"... عندما تنتفض الطبقة الوسطى في لبنان

الأربعاء 24 فبراير 202103:51 م

تندرج المقالة ضمن مشروع "بيروت بلا نوافذ" وهي مساحة مخصصة لشابات صحافيات يتحدثن عن بيروت بعد الانفجار. يقدم رصيف22 السلسلة ضمن منحة "قريب" من CFI، الممولة من قبل AFD.

حدث أن أعلن المجلس الأعلى للدفاع حالة عامة للطوارئ، من 14 كانون الثاني /يناير حتى الـ 25 منه، تم تمديدها لاحقاً لتناهز الشهر، بعيداً عن أيّ خطة إنقاذ أو دعم فعّالة من الوزارات "التكنوقراطية" المعنية من ناحية، واستمرار اختفاء الهبات والمساعدات المُقدمة من الخارج من ناحية ثانية.

رافق هذا الإغلاق "الحديدي"، حملات إعلامية تطال الأفراد الذين خرجوا من بيوتهم ليسترزقوا قليلاً، بشكل يقارب الوشاية البوليسية ضد الأضعف تحديداً، والتعامي عن الأسباب الحقيقية التي دفعت الناس لمحاولة كسر هذه القيود الاحترازية الصارمة.

التشكيك في النوايا

طيلة 4 ليالي، هبّ سكّان طرابلس، المدينة الأكثر "تفقيراً" على البحر الأبيض المتوسط، فسقط شهيدان على الأقل، لتتراجع في اليوم الرابع ملاحم الشارع وتتغيّر نبرة بعض التعليقات على فيديوهات النقل المباشر إثر حريق البلدية، لحقته إشارات واضحة من مسؤولين ومتواجدين في المكان، لغياب الحراسة الكافية على أبواب الصرح، وتعطيل وصول سيارات الإطفاء إليه.

في الوقت عينه، استعادت الفضاءات الزرقاء بوستات وتغريدات تُعاير "الطبقة الوسطى" بأنماط عيشها وخياراتها في طرق المشاركة بالثورة، أو ترددها في النزول إلى الشارع.

"من لا يزال يستطيع شراء كسرة خبز واقتسامها، لا يقوى على المجازفة بما يعرّض معيشته للخطر، كما لا يمكنه الوقوف على الحياد ومشاهدة من سبقه نحو الفقر جائعاً"

واللافت أنه، ومنذ اندلاع ثورة تشرين، ثمة أصوات تشكك بنوايا وقدرات قيام هذه الفئة ضدّ الحكّام والسلطة، على الرغم من مشاركة أفرادها بالتظاهرات، على اعتبار أن مصالح هؤلاء مرتبطة بالنظام، الأمر الذي يضعهم في خانة المراوغين، إضافة إلى "هشاشتهم" في صفوف المواجهة الأولى، أو غيابهم عنها عند اشتداد عنف قوى الأمن والعسكر على المتظاهرين/ات.

لكن على نحو مغاير، وفي تقرير للإسكوا حول قياس دور الطبقة الوسطى في التغيير في البلدان العربية، وردت السطور التالية: "قبل غالبية أفراد الطبقة الوسطى بهذه المقايضة السلطوية، حيث كانوا يستفيدون من السياسات الحكومية وينعمون بقدر مقبول من الاستقرار، مقابل التنازل عن الحريات والمشاركة السياسية".

لم يكن من السهل التعبير عن الاستياء والمطالبة بالتغيير، فتراكم الإحباط حتى انفجر في العام 2011.

ومع تفاقم حجم الفساد المحلي، بالتزامن مع الجائحة العالمية، يمكن قراءة الأفكار أعلاه من زوايا مختلفة، منها أن الطبقة الوسطى آيلة إلى المزيد من التآكل: الأفراد الذين لم يخسروا أشغالهم بعد، لم تُحفظ قيمة مداخيلهم في ظلّ سرعة ارتفاع سعر الدولار والسلع الأساسيّة، كما بسبب تخفيض ساعات العمل أحياناً داخل المؤسسات التي لم تغلق أبوابها بعد، ما أدّى إلى اقتطاع نسب من رواتبهم الضئيلة أصلاً.

وبالرغم من أن البيانات تلخّص في العادة الواقع عبر أرقام واستنتاجات عملية، إلّا أنه بعد انفجار 4 آب، واستمرار المصارف بالقبض على مدخرات صغار المودعين، باتت "كُرة" منزوعي الأمن والأمان من النسيج الوسطي الأعلى والأدنى، تستشعر بدورها "ثلج" الضائقة المالية، والخوف على حياتها كل يوم أكثر من سابقه، دون الحاجة للرجوع إلى دراسة تخبرها عن حالها.

أقصى طموحاتنا... كسرة خبز

كتب ماهر أبو شقرا، منظم سياسي في تنظيم "لحقي" على صفحته على فيسبوك، ما يلي: "اليوم صار طموح معظم الناس بلبنان إنها تضل قادرة تاكل وتشرب وتحصل على الدواء وتحافظ على سكنها. انتهت الطبقة الوسطى بلبنان أو عم تنتهي، ورقعة الفقر عم تتوسع متل نقطة الحبر بكباية المي، وشبح الفقر رح يشمل الكل... والمسؤولين معروفين.

لما يصير طموح الناس كسرة الخبز، معناته هيدا بحد ذاته انتهاك للكرامة الإنسانية، وهيدا إذلال كبير الناس مستحيل تنساه ولو عضت على الجرح اليوم. ولكل حدا بيقول: الحاجات الأساسية مأمنة، الجواب هوي إنه ما بعمره كان طموحنا ولا جبنا ولاد يكون طموحهن أبسط مقومات العيش. ولما حق الناس بالغذاء والصحة والسكن يصيروا الناس عم يطلبوه ويتمننوا فيه، معناته البلد انتهى... والمسؤولين معروفين".

لما يصير طموح الناس كسرة الخبز، معناته هيدا بحد ذاته انتهاك للكرامة الإنسانية

وصفت الصحفية، مطيعة الحلّاق، الطبقة الوسطى بالمُكافحة، الطموحة في شتّى المجالات وركيزة الفكر والاقتصاد: "هي الطبقة التي تجهد على مدى العمر بهدف الحفاظ على موقعها".

وقارنت الحلّاق فترة ما قبل "الانهيار المالي والسياسي"، على حدّ توصيفها، مع ما بعده، وذلك في اليوم التالي لاغتيال الناشط والباحث المعارض لقمان سليم، فشرحت لرصيف22 كيف كان الراتب الذي تجنيه من وظيفتين، مع أتعاب بعض الأعمال المتفرقة يحقق كفايتها، حتى لو لم يوازِ ذلك مجموع دخل معتدل.

هكذا لم تخفِ مطيعة أن الموازين اليوم انقلبت في حياتها، فأصبحت تكافح من أجل البقاء، وغدا الحصول على مقتنيات جديدة أو تحسين مستوى معيشتها فكرة غير واردة، كما أضحت الزيارات إلى العاصمة، أو حتى تناول فنجان قهوة على الكورنيش القريب، من الرفاهيات التي يُحسب لها حساب، وينطبق الحال على كافة النشاطات الثقافية.

هذا وقدّرت مطيعة الحلّاق أنها فقدت حوالي 60% من إمكاناتها، وهي المعيلة الوحيدة لنفسها، بدون أملاك ولا قرش أبيض لليوم الأسود، مشددة أنها في خضم ثورة تشرين ومعها إلى النهاية، وأن وجود الطبقة الوسطى يعزّز التماسك المجتمعي والقيم بين أبنائه وبناته.

بدورها، قالت زينب مراد، وهي ناشطة اجتماعية، لرصيف 22: "ابتعدت عن ساحات الثّورة عندما تيقّنت من عدم قدرتي على الموازنة بين النشاطين الثوري والعملي، كنت حينها أعتبر نفسي من الطبقة الوسطى. أما الآن، فمتمسّكة بقشّة عند حافّة الهاوية التي قد تودي بي إلى الطبقة الأكثر فقراً".

وأضافت زينب: "لا يسعني الغوص في الحراك الثوري، فيما لا أملك مورداً للرزق يستمرّ عند انشغالي بالواجب الوطني. وأعلم أن الكثير من أهل مدينتي ومناطق أخرى من هذا البلد المشلول هم في مواقع مشابهة أو أكثر تدهوراً".

واستطردت بالقول: "بعضهم لم يعد يخشى خسارة، فلا يرهقه اشتباك مع قوى الأمن، ولا مسيرة وهتاف صارخ لساعات عديدة. من لا يزال يستطيع شراء كسرة خبز واقتسامها، لا يقوى على المجازفة بما يعرّض معيشته للخطر، كما لا يمكنه الوقوف على الحياد ومشاهدة من سبقه نحو الفقر جائعاً. لا بدّ من التّكافل".

ماذا عن الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية؟

قالت لونا م. عبلا، استشارية ذاتية بالإرشاد النفسي والاجتماعي ومدربة في تطوير الذات، لرصيف 22: "في الواقع، يتخبط لبنان بين أمجاد الماضي ومآسي الحاضر، خلال هذه الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تفسد الصحة النفسية للأفراد. وتواجه العائلات، الأكثر ضعفاً بالأخص، جملة تحديات من أجل الوصول للخدمات الأساسية المرهونة بتفاقم المشكلات. ومع ازدياد الضغوط جرّاء تراجع القدرة الشرائية، ارتفاع البطالة، معضلة الإسكان، ذوبان الطبقة الوسطى وغيرها، يلحظ الناس تراجعاً على مستوى صحتهم النفسية".

وصفت لونا هذا الجيل بأنه "جيل القلق"، شارحة ذلك بالقول: "تسيطر على البعض الأفكار السوداوية، بينما يعاني البعض الآخر من اضطرابات في النوم والطعام، كما تسبب الضغوط آلاماً بالرأس والكتفين والظهر، وتعباً مزمناً ينعكس على حياة الفرد".

وأوضحت عبلا أن الغضب اليومي يؤثر على العلاقة الزوجية، "لأن انهماك الطرفين بالتفكير بكيفية تأمين حاجاتهما، ينتج عنه تراجع الاهتمام فيما بينهما، ما يسبب الطلاق. أما الشباب الذين يرغبون بالزواج ويعجزون عنه، يصابون بالاكتئاب"، مشيرة إلى أنه عندما لا يجد المرء الطريقة السليمة لتنفيس احتقانه، يلجأ حينها إلى ردود أفعال سلبية للتخفيف من وطأة العبء عليه.

من هنا شدّدت لونا على أهمية العلاج النفسي في خضم الضغوطات التي نعيشها يومياً: "إن الأزمات النفسية تؤثر على إنتاجية الفرد، وتؤدي إلى تراجع مدخوله، في حين يبرز تخوّف من أن يتمظهر تردي الوضع النفسي لدى الناس بشكل أعنف، إذا استمرّت الأزمة الاقتصادية في لبنان".

أسئلة مشروعة

هل تناسب أدوات التعريف والنقد القديمة (الموضوعة وفق بنى اجتماعية واقتصادية لبلدان شاسعة وبعيدة، سقطت منذ عقود أنظمتها الطالعة أصلاً من ثورات)، معطيات بلد صغير مثل لبنان، عُطلت فيه قطاعات الزراعة والصناعة منذ بعد الحرب على أقرب تقدير (1990)، وتُضرب فيه قطاعات الصحة والتعليم، في حين يتحوّل مئات التلاميذ إلى المدارس والجامعات الرسمية التي تتناقص ميزانيتها، ويتفلت في الأزقّة السلاح غير الشرعي المدعوم من المحاور؟

"اليوم صار طموح معظم الناس بلبنان إنها تضل قادرة تاكل وتشرب وتحصل على الدواء وتحافظ على سكنها. انتهت الطبقة الوسطى بلبنان أو عم تنتهي، ورقعة الفقر عم تتوسع متل نقطة الحبر بكباية المي، وشبح الفقر رح يشمل الكل... والمسؤولين معروفين" 

جميل أن نكون "كلنا قائد للثورة"، إلا إذا كان هذا القول يعني أن نغدوا كلنا بلا خطّة ذات رؤية، بعد أكثر من عام على مسيرات شعبية متعددة الأطياف، راحت من أجلها العيون، من بين إصابات أخرى خطيرة، والأسرّة في المستشفيات ما عادت تكفي المصابين بالفيروس المتسلسل، وحيطان الشاشات كما الحَجر تزدحم بأوراق الوفيّات.

تُصنع زجاجات المولوتوف يدوياً، لكن من أين أتت القنابل الحربية التي قيل إنها رميت هنا وهناك، ومن سيدفع الثمن الأغلى للـ "عقاب"؟

إن تضخم أموال المتخمين يعني حكماً تزايد الفقر المدقع، وعليه، أن تحيا الطبقة الوسطى، تعمل، تتعلم وتدخر إذا استطاعت، من أجل أن تعيش حياة كريمة، هي كلها حقوق لا امتيازات من الدولة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard