من يغترب سينجو ومن يبقى... سيكون لقاتله تمثال

الاثنين 8 فبراير 202102:01 م


أبغض التماثيل إلى حد كبير، فيما عدا التاريخية منها، أراها ضرباً من ضروب الوثنية وعبادة الأشخاص، ولزوم ما لا يلزم في التاريخ، فالتاريخ كما أحبه، هو ناس المدينة وقصصها، لا المتسلطون عليها ولا حكامها.

لبيروت نصيبها من التماثيل، وفيما اختفت منها تماثيل الغزاة والولاة، بقيت تماثيل الساسة اللبنانيين، بحيث يبدو أنها نهلت من حظوة أصحابها، فكتب لها النجاة أو أُنعشت بعد الحرب، أعيدت إلى الساحات وباتت تاريخاً وشاهداً عليها. هي حظوة لم تُكتب لأبناء المدينة وشهدائها وناسها وذكراهم. وكما في الحرب، كذلك في السلم، بقي الساسة ورحل الناس.

التاريخ كما أحبه، هو ناس المدينة وقصصها، لا المتسلطون عليها...لا حكامها

من أشهر تماثيل بيروت التي دمرتها الحرب ثلاثة، تنتصب حالياً في ساحات تحمل أسماء أصحابها: بشارة الخوري، رياض الصلح وحبيب أبو شهلا.

وضع تمثال بشارة الخوري في مكانه العام 1971، ونفذه نحّات من آل العطار، بعد مسابقة حُصرت بالنحاتين اللبنانيين، كشرط فرضته ابنة الخوري، وتكفلت بلدية بيروت في حينه بكامل التكاليف.

ومع اشتعال المعارك، بعيد انطلاق الحرب اللبنانية، ووجوده على ما كان يعرف بـ "خط التماس"، وفي إحدى المعارك الطاحنة تمترست خلفه مجموعة فلسطينية، فكان أن فُجّر التمثال. وحده الرأس نجى، وسحبه من أرض المعركة ضابط في الجيش اللبناني وسلمه إلى عائلة الخوري، ولاحقاً أعيد ترميمه نهاية التسعينيات وعاد إلى موقعه الأصلي، ورصفت الساحة بنوع نفيس من الغرانيت الأسود، ما أغرى فقراء المحلة فقلعوها مراراً وباعوها.

قد يكون تمثال رياض الصلح هو الأشهر، نظراً لما شهدته الساحة من اعتصامات ومواجهات مع عسس الأمن، أما تاريخياً، فبعد اغتيال الصلح العام 1951، تقدم جمع من أهالي بيروت إلى البلدية وديوان رئاسة الوزراء بطلب إقامة التمثال، وللغاية، استقدمت الدولة اللبنانية النحات الإيطالي مازاكورتي، وهو الذي يعرف لبنان حق المعرفة، بحكم كونه من نفّذ تمثال الشهداء الشهير.

من أشهر تماثيل بيروت التي دمرتها الحرب ثلاثة، تنتصب حالياً في ساحات تحمل أسماء أصحابها: بشارة الخوري، رياض الصلح وحبيب أبو شهلا

مكث مازاكورتي لدى آل الصلح في دارتهم، وعكف على دراسة ملامح الرجل إلى أن رفع التمثال في مكانه العام 1957، ومع أن التمثال صمد خلال حرب الخنادق، لاقى مصير الخوري عام 1980، فكان أن تولى ياسر عرفات شخصياً أمر انتشال التمثال وتسليمه إلى آل الصلح.

 في مفارقة تحوي كل ما في لبنان من عقد واختلاجات جيوسياسية، موّلت السعودية إصلاح التمثال، وتولت المخابرات السورية، بشخص مصطفى طلاس، نقله من بيروت إلى سوريا، حيث جرى ترميمه وإعادته إلى لبنان. هذه القصة سمعتها من والدي، وتحققت منها لاحقاً، قال وقتها ما معناه إن التمثال قد رمم بحمى حلفاء من قتله.

تمثال وحيد ينتصب في بيروت، وقف شاهداً على جريمة الجرائم في مرفأ بيروت، لم ينل منه عصف الانفجار الذي دمّر كل ما حوله، ولسخرية القدر هو تمثال المغترب اللبناني، تراه يكاد ينطق فيقول: من يغترب سينجو، ومن يبقى... سيكون لقاتله تمثال

بدوره، حظي رجل الاستقلال، حبيب أبو شهلا، بتمثال مهيب، وضع في الساحة التي تحمل اسمه، وانتهى العمل على تشييد التمثال في بداية السبعينيات، بعدما قدمت الدولة اللبنانية الأرض والعمارة، وقدم ورثة أبي شهلا تكلفة التمثال بعد تنفيذ التصميم في إيطاليا، والطريف أنه كاد أن يضيع في رحلة الشحن إلى بيروت. وهكذا حظي التمثال ببضع سنوات من الشمس، إلى أن طار عن قاعدته بفعل بقذيفة إسرائيلية خلال الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، لتستعيده العائلة ويرممه نحات لبناني، ويبقى لدى الأسرة حتى عاد إلى قاعدته نهاية التسعينيات.

قد تشهد تماثيل الساسة اللبنانيين على أعمالهم وأيام حكمهم، ومساهمتهم في نهضة مفترضة للبلاد، غير أنها تبقى باردة بالنسبة للناظر اليها اليوم، وكأنها مجردة من التاريخ. تمثال وحيد ينتصب في بيروت، وقف شاهداً على جريمة الجرائم في مرفأ بيروت، لم ينل منه عصف الانفجار الذي دمّر كل ما حوله، ولسخرية القدر هو تمثال المغترب اللبناني، تراه يكاد ينطق فيقول: من يغترب سينجو، ومن يبقى... سيكون لقاتله تمثال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard