"البشير شو" أعاد الاتهامات إلى الصدارة... صغار السجناء في العراق فريسة جنسية للكبار

السبت 6 فبراير 202108:21 م

تعذيب ومخدرات وانتهاكات جسدية.. كل شيء قابل للتجارة في سجون العراق.

زعم الإعلامي العراقي أحمد البشير في الحلقة المذاعة مساء الجمعة 5 شباط/ فبراير من برنامجه الساخر "البشير شو"، عبر فضائية دويتشه فيله الألمانية، أن السجون العراقية تشهد انتهاكات جنسية بحق الأطفال المحكومين، من قِبَل المساجين الكبار مقابل رشوة مالية لسلطات السجون.

خلَّفت الحلقة التي شاهدها - حتى لحظة نشر هذا التقرير- ما يقرب من 900 ألف شخص عبر يوتيوب وحده، حالة من الغضب الذي ظهر في تعليقات المتابعين.

لم يقدم البرنامج الذي يتناول الشأنين الاجتماعي والسياسي في العراق أدلة واضحة على الادعاءات التي خصص لها قسماً كبيراً من الحلقة المذاعة أمس، وإنما أعاد تسليط الضوء على تصريحات لناشط زعم أن القُصَّر يباعون في السجون. ونقل مقدم البرنامج عن صاحب الاتهام أن: "الأحداث يبيعوهم بأسعار مرعبة. يصل سعره الحدث الواحد إلى نحو 10 آلاف أو15 ألفاً و5000 و7000 دولار".


اغتصاب وابتزاز

بحسب قانون إصلاح النزلاء والمودعين العراقي الصادر برقم 14 لسنة 2018، والمعدل في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، يودع الأطفال المتهمون بارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون والصادرة ضدهم أحكام تقضي باحتجازهم في دور رعاية خاصة لحديثي السن، منفصلة عن أماكن احتجاز الكبار، وهو الأمر نفسه الذي ينص عليه قانون رعاية الأحداث والمشردين العراقي الصادر برقم 76 لسنة 1983.

الفقرة التي قدمها أحمد البشير في برنامجه اعتمدت على مداخلة أجراها الشيخ صباح الكناني، رئيس مؤسسة الإصلاح والتغيير الحقوقية في العراق، مع قناة دجلة العراقية في العشرين من كانون الأول/ديسمبر الماضي، قال فيها إن "السجناء الموسرين يعيشون برفاهية في السجون"، وإنهم يحصلون على كافة المتع المجرَّمة من مخدرات واغتصاب للقُصر بتسهيلات من مديري السجون وحراسها.

الكناني بدوره لم يقدم في مداخلته دليلاً أو شواهد على صحة اتهاماته، إلا أن مقدم برنامج "البشير شو" نقل عنه أن "مديري الأقسام" يتعمدون إدخال الشباب والقصر إلى قاعات متاخمة لأماكن احتجاز المجرمين البالغين، ويقيمون على أجسادهم المزايدات.

وزعم الكناني في التصريح - الذي بث فيه البشير الحياة بإذاعته عبر برنامجه الجماهيري- أن لديه أسماءً يعتزم تقديمها للحكومة العراقية للتحقق من صحة ما يقول، مضيفاً: "يروحون يفحصونهم، يروحون يسألون، يروحون يحققون يشوفون كام واحد مضروب بسجينة (سكينة) وكام واحد مضروب بموس وكام واحد معذب وكام واحد مغتصب".

صدمة في العراق عقب ادعاءات ببيع القُصَّر لمن يعتدون عليهم جنسياً من السجناء. وحقوقيون يطالبون بالتحقيق.

واصل البشير النقل عن الكناني، أن هناك انتهاكات أخرى تجري في السجون العراقية، من بينها التعيين في السجون مقابل "نسبة شهرية، من المخدرات أو الموبايل أو الحلوان"، وهنالك أيضاً اتهام ببيع الأحراز من المخدرات وما شابه داخل السجن، مع ابتزاز ذوي المحتجزين واستغلالهم مادياً في الوقت نفسه.

الاتهامات الواردة في مداخلة الكناني ليست جديدة. فسبق أن نشرت صحيفة العربي الصادرة في لندن تقريراً حول تفشي الفساد في السجون العراقية، وبشرت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بعملية إصلاح واسعة النطاق "بسبب تفشي الفساد والانتهاكات". بالإضافة إلى أن هناك تاريخاً مسجلاً من الانتهاكات الجنسية ضد الأطفال المحتجزين في العراق، نسبت إلى حراس السجون. بالإضافة إلى تقارير دولية صادرة عن مؤسسات ذات مصداقية، منها هيومان رايتس ووتش حول الانتهاكات الواسعة في السجون العراقية.

ووصف البشير السجون العراقية بأنها "دهاليز" و"مكان مظلم ما أحد يركز عليه". وسخر من السلطات العراقية التي توقف الشباب لأسباب غير منطقية، منها الملابس التي تعتبرها "غير محتشمة" أو التصرفات "غير الأخلاقية" لتزج بهم في أماكن تنتهك حقوقهم كرامتهم وتعرضهم لاعتداءات جنسية بشعة.

عجز العدالة

في تصريح خاص لرصيف22، قال د. علي البياتي، عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، إن المفوضية طالبت الادعاء العام بالتحقيق في المزاعم والاتهامات التي وجهها الكناني وناشطون ومنظمات أخرى حول انتهاكات الأطفال في السجون، بحسب قانون المفوضية. والمفوضية هي جهة رقابية حقوقية غير حكومية، مرتبطة بالبرلمان العراقي تشكلت بموجب قانون رقم 53 لسنة 2008.

وأشار البياتي إلى تكرار مثل هذه الادعاءات مع صعوبة التحقق منها، قائلاً: "الوصول إلى جرائم كهذه ليس بالأمر السهل. نعم تردنا الكثير من الشكاوى ولكن في النهاية لا نصل إلى نتيجة".

ثم شرح: "وضع السجون (العراقية) معقد وينقصها الكثير من الشفافية والتشريعات، وتطبيق التشريعات الموجودة بالفعل". لافتاً إلى أن المفوضية "لا تمارس دورها الحقيقي" في السجون لأسباب كثيرة، منها: أولاً: عدم التزام السلطات صلاحية المفوضية بالزيارات المفاجئة، فضلاً عن التقييد الذي حدث بعد الجائحة (كورونا المستجد)، وثانياً: استحواذ الجهات الأمنية على صلاحية التحقيق التي لا يمارسها القضاة، وثالثاً: غياب الضمانات الخاصة بالمتهم بعد الاعتقال مباشرة، والتي يكفلها له القانون مثل توفر محام والتواصل مع الأهل والحق في عدم الاعتراف إلا بوجود المحامي. ورابعاً: استثناء بعض المتهمين من الضمانات "وفق مزاج السلطة" كالمتهمين بالإرهاب أو الفساد. وخامساً: غياب قانون مناهضة التعذيب الذي من المفترض أن يرسم مبادئ توجيهية للسلطات في التعامل مع قضايا التعذيب. وضعف دور الطب العدلي بسبب قلة الإمكانيات من موارد بشرية وتقنيات".

تقارير دولية وتحذيرات أممية مرت من دون اكتراث... كل شيء قابل للتجارة في سجون العراق.

وفي تقرير "ظل التعذيب" الذي نشرته المفوضية عام 2019، رصد الباحثون غياب الالتزام بتطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة القانونية، والالتزام برفض العقوبات القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة. ورصدت المفوضية في التقرير عينه عدداً من الانتهاكات في حق المواطنين على يد السلطات الشرطية العراقية، من بينها: الاحتجاز في مقار سرية، والتعذيب الشديد، والتكدس، فضلاً عن سوء حالة السجون بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتكرار انقطاع التيار الكهربائي وسوء نوعية الطعام المقدم إلى السجناء، وانتشار الرشوة بين موظفي السجون "بشكل غير مسبوق".

وفي كانون الثاني/ يناير من العام الماضي، وجه عراقيون صرخةً إلى الأمم المتحدة ودول العالم ضد تفشي التعذيب في السجون ومقار الاحتجاز العراقية، لا سيما ضد المتظاهرين في وجه فساد الحكومة والناشطين السياسيين.

عار تاريخي

بالعودة إلى حلقة البشير، فقد خلَّفت غضباً كبيراً في العراق حسبما أظهرت التعليقات التي تابعها رصيف22 عبر مواقع التواصل الاجتماعي في البلاد.

في تغريدة له عبر تويتر، كتب الإعلامي العراقي زيد عبد الوهاب الأعظمي: "ما عرضه أحمد البشير من مآسٍ وفضائح في السجون العراقية عار تاريخي لا يمكن غسله".

عرض الأعظمي شكوى وصلته، وهي مقدمة بالأساس إلى النيابة العامة، للتحقيق في انتهاكات مزعومة بسجن النساء، من بينها "بيع المواد الغذائية للنزيلات بأسعار عالية جداً" و"تصرفات لا أخلاقية" جراء "السماح للرجال بدخول القاعات لأسباب واهية". وعقّب عليها: "الظلم في #العراق كجبل الجليد لا يُرى منه سوى الرأس".

من جهته، استنكر حساب يحمل اسم الشاعر العراقي الشعبي الراحل مُلا عبود الكرخي، ويتابعه أكثر من 16 ألف شخص، ما عُرض في البرنامج، معلقاً أنه سبّب "صدمة وصعقة للإنسانية" من "الجرائم الوحشية التي يرتكبها جلادو السجون بحق المتهمين أو المحكومين" على نحو يتنافى مع "كل الشرائع والأديان والقوانين". وتوقع الحساب أن يكون هذا "غيضاً من فيض وما خفي كان أعظم"، مناشداً "كل دول الإنسانية بالتدخل السريع".

كذلك قال الناشط العراقي صلاح العبيدي: "#البشير_شو_الجمهورية حلقة مميزة ومفيدة جداً. مهم جداً أن يرى العالم ماذا يحصل داخل #السجون_العراقية وتحول عملية (الاصلاح) إلى سوق للنخاسة والدعارة ونهب للأموال العراقية برعاية أحزاب السلطة".

وتساءل الصحافي والناشط العراقي حسين نهيري الذي يغرد باسم "حسين تقريباً"، ويتابعه أكثر من 150 ألف شخص عبر تويتر: "آخر 30 دقيقة من حلقة البشير شو اليوم عن اللي ديصير (يحدث) بالسجون العراقية شافته الحكومة العراقية؟ شافوه الأحزاب الحاكمة؟ شافوه أرباب النظام الحاكم بالعراق؟! شافوه مدّعي الفضيلة اللي يحكمونا ويرعون كل هذا اللي ديصير بالنساء والأطفال داخل السجون؟".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard