"لا أخشى الموت بل العودة من حيث أتيت"... سوريون يهاجرون لأوروبا من دون مهربين

الأربعاء 3 فبراير 202103:07 م
Read in English:

“I Don’t Fear Death, I Fear Returning to Syria” - On Migrating Without Smugglers

في السنوات الأولى للحرب السورية، باع السوريون ممتلكاتهم وجمعوا مدخراتهم للحصول على المبلغ الذي يحتاجونه للوصول إلى الأراضي الأوروبية عن طريق المهربين الملقبين بتجار البشر، هرباً من وطن تحول العيش فيه إلى ما يشبه الجحيم. ورغم خطورة الطريق لا يزال حلم الهجرة إلى أوروبا يطارد كثيرين داخل البلاد أو في دول الجوار، لكن الظروف القاسية تدفع بعضهم لخوض رحلتهم هذه وحيدين.

في الشهر الرابع من عام 2020 أنشأ شباب سوريون مجموعة "مغامرون بلا حدود" لمساعدة الأشخاص الراغبين بالذهاب إلى أوروبا من دون مهربين. كان من اللافت الإقبال على الفكرة، إذ وصل عدد المتابعين إلى 80 ألفاً خلال أربعة أشهر على مجموعة فيسبوك التي تمت أرشفتها أخيراً، وحوالى 21 ألف على قناة تلغرام، ونشر ما يتجاوز مئة فيديو توثيقي للرحلات التي خرجت عن طريقها وتحمل شعارها.

لم يحتج الأمر بالنسبة لعماد -وهو مؤسس المجموعة- لأكثر من حقيبة ظهر تحوي بعض الاحتياجات الضرورية لخوض رحلته وإطلاق المغامرة فيما بعد. بدأ حديثه لرصيف22 بالقول: "لن تكون أقسى مما شاهدته داخل سوريا وخارجها. لا أخاف الموت بل أخاف أن أعود من حيث أتيت".

في الشهر الرابع من عام 2020 أنشأ شباب سوريون مجموعة "مغامرون بلا حدود" لمساعدة الأشخاص الراغبين بالذهاب إلى أوروبا من دون مهربين

يروي عماد -وقد فضل التحدث باسم مستعار- حكايته: "الفكرة انطلقت من تجربتي الشخصية إذ بدأت رحلتي إلى أوروبا بمعزل عن استغلال المهربين، وأضفت نقاط الاستدلال على الطريق باستخدام خرائط غوغل. خلال الرحلة توجه تفكيري إلى كيفية الوصول ورسم الطريق وحفظه ليستفيد غيري من ذلك، وكانت لدي رغبة بنشر الفكرة وتحرير السوريين من رحمة المهربين الذين يتعاملون مع الناس كبضاعة رخيصة، وغايتهم الأساسية الحصول على المال على حساب حياة الناس وكرامتهم".

تعتمد المجموعة التي تضم اليوم عشرات المتطوعين مبدأ المساعدة الالكترونية والمعلوماتية من خلال آلية عمل تبدأ حين يفتح المشرفون مجموعات "واتساب" للأشخاص الجاهزين بعد جمع بعضهم بحيث لا يتجاوز عددهم الثمانية، حسب ما أوضحت هالة، وهي مسؤولة في المجموعة، واتبعت بدورها نفس الطريق للوصول لأوروبا.


من الصور التي تنشرها مجموعة "مغامرون بلا حدود" على منصات التواصل الاجتماعي


وقالت هالة لرصيف22: "تتواصل معنا المجموعة وتخبرنا بجاهزيتها لخوض المغامرة، وهنا نرسل لهم النقاط على غوغل مع التوجيهات، ونبقى على تواصل معهم إلى حين وصولهم، وفي حال احتياجهم لنقاط فيها ماء أو كانت لديهم مشكلة ما نرسل لهم المعلومات اللازمة، وأخيراً انضم لنا أطباء وصيادلة لمساعدة الأشخاص في حال إصابتهم بمشاكل صحية في الطريق".


الحاجة أم الاختراع

يرجع عماد سبب انتشار الفكرة والإقبال عليها إلى الوضع المادي الصعب الذي يعانيه السوريون وخاصة في تركيا، وبالتالي عدم القدرة على دفع المبالغ الكبيرة التي يطلبها المهربون.

بدأت هجرة السوريين بشكل جماعي منذ اندلاع الحرب في بلادهم، وشكلوا أكبر موجة للجوء الجماعي حتى العام 2015 سواء عن طريق البر أو البحر، وما بين العامين 2014 و2015 سجلت دول الاتحاد الأوروبي أكثر من مئتي ألف طلب لجوء من سوريين، وفي العام 2020 أعلنت تركيا ضبط أكثر من 15 ألف مهاجر سوري غير شرعي على أراضيها، ليكونوا في المرتبة الثانية بعد المهاجرين الأفغان.

أما عن تكلفة هذه الرحلة غير النظامية والمحفوفة بالمخاطر، فهي تختلف حسب توقيت الرحلة والطريق الذي يمكن اتباعه، وقد تراوح بين ثمانية وتسعة آلاف دولار بحسب موقع تركي في شهر آذار/مارس من العام الماضي، وقد تصل حتى 15 ألف يورو وفق ما نشره موقع ميدل إيست آي في نيسان/أبريل الفائت.

بذلك بدت الخدمات التي تقدمها "مغامرون بلا حدود" معقولة لكثيرين، فهي غير مأجورة، والرحلة لا تكلف أكثر من ألفي دولار، لكنها بكل تأكيد صعبة ولا تخلو من المخاطر.

كانت لدي رغبة بنشر الفكرة وتحرير السوريين من رحمة المهربين الذين يتعاملون مع الناس كبضاعة رخيصة، وغايتهم الأساسية الحصول على المال على حساب حياة الناس وكرامتهم

من إسطنبول إلى أوروبا

رائد، وهو شاب ثلاثيني، فضل الحديث باسم مستعار، يتولى مهمة الدعم المباشر للمجموعات على الطريق بين تركيا واليونان. يروي لرصيف22 مراحل الرحلة: "تحتاج كل مرحلة عدة محاولات مضنية لعبور الحدود، وقد تفشل، وذلك يتوقف على الحظ، ومن الممكن أن يصل الشخص إلى أوروبا خلال شهر وقد تستمر رحلته عدة أشهر".

ويضيف: "نسلك طريق البر سيراً على الأقدام لقطع الحدود، ونستقل السيارات داخل الدول للتنقل. البداية من مدينة اسطنبول بعد تجهيز الحاجيات الأساسية التي نخبر المجموعة بها مسبقاً، وبشرط تفعيل الانترنت عن طريق باقة دولية، كما يجب أن تضم كل مجموعة شخصاً يعرف استخدام نظام "GPS" حتى يكون دليل الطريق".

تتوجه المجموعة من اسطنبول إلى النهر الذي تقطعه مع سائق "بلم" تحت إشراف المسؤولين، ثم تأتي مرحلة السير بالغابة، وتبدأ الرحلة سيراً على الأقدام إلى اليونان، وهناك تقودهم النقاط على الطريق إلى سالونيك، وعند الوصول تبدأ المرحلة التالية إلى ألبانيا ثم كوسوفو ثم العاصمة الصربية بلغراد للوصول إلى المثلث الحدودي بين صربيا ورومانيا وهنغاريا، وهي المرحلة الأخيرة. هناك تنتظر المجموعة أن يخيم الضباب لعبور المثلث والوصول إلى هنغاريا ثم الاتجاه إلى النمسا، وهنا تكون المجموعة قد وصلت الاتحاد الأوروبي.


من الصور التي تنشرها مجموعة "مغامرون بلا حدود" على منصات التواصل الاجتماعي

من الصور التي تنشرها مجموعة "مغامرون بلا حدود" على منصات التواصل الاجتماعي


وعن عدد الأشخاص الذين وصلوا أوروبا عن طريق المجموعة، يقول رائد: "لا يمكن تقدير العدد بدقة ولكن إجمالاً خرجت حوالى 320 مجموعة، كل واحدة فيها سبعة أو ثمانية أشخاص. وصل عدد كبير منهم بعد عدة محاولات والبعض عاد أدراجه بسبب عدم تحمله الطريق".

يكمل: "أكبر خطر ممكن هو إعادة أي شخص للبلد الذي أتى منه، وهذا الاحتمال وارد في حال وجود مهرب أو عدمه، ولكن الفرق الوحيد أن المهرب يتقاضى مبالغ كبيرة، وفي كثير من الأحيان يترك الناس في منتصف الطريق لتوفير أجور النقل بالسيارات".


طريق وعرة

يلقى المئات حتفهم كل عام أو تفقد آثارهم وهم يحاولون عبور الطريق من بلدانهم الممزقة بالصراعات إلى أماكن أكثر أماناً، ومن أسباب ذلك الإصابات والإرهاق وانخفاض الحرارة وحوادث الطرق والغرق.

ويحصي مشروع المهاجرين المفقودين الذي تدعمه المنظمة الدولية للهجرة أعداد هؤلاء المفقودين، وللبحر الأبيض المتوسط الحصة الأكبر كما تبين الإحصاءات المنشورة عبر موقع المشروع، ففي العام 2020 غرق حوالى 1400 شخص في مياه هذا البحر، وهو أقل من الأعوام التي سبقته إذ كان العدد 1800 في العام 2019 و2200 في العام 2018. أما العام الحالي فقد حمل حتى الآن نبأ غرق 115 شخصاً في البحر المتوسط وحده.

تروي هالة تحديات الرحلة: "الطريق قاسٍ ويحتاج طاقة تحمّل كبيرة وخاصة في فترة الطقس البارد التي لا ينصح بالسفر أثناءها، وأفضل أوقات السفر في فصلي الصيف والربيع. الطرقات التي على المهاجرين سلوكها وعرة، تبدأ من صعود الجبال إلى الغابات والاضطرار للمشي في الليل دون تشغيل الإنارة حفاظاً على سرية المرور، إلى جانب صعوبة الهروب في حال كان هناك كمين على الحدود، والحاجة للركض مسافات طويلة وقطع النهر والمنطقة الحدودية بين تركيا واليونان".


من الصور التي تنشرها مجموعة "مغامرون بلا حدود" على منصات التواصل الاجتماعي

من الصور التي تنشرها مجموعة "مغامرون بلا حدود" على منصات التواصل الاجتماعي

إضافة لذلك، يمكن أن يواجه المغامرون ممارسات غير إنسانية على الحدود التركية واليونانية، كانت هالة شاهدة على بعضها، إذ قد يرمي العساكر الأشخاص في النهر ويسخرون منهم، وبعضهم كان يموت غرقاً، والمشكلة أن اللاجئ لا يستطيع توثيق ما يحدث له.

أما النوع الآخر من التحديات فهو المشاكل الصحية، مثل التسمم بسبب شرب المياه من الينابيع وهو أمر يجب أخذ الحيطة منه، كما يجب على المجموعة الحذر من التعرض للعصابات خلال الطريق وهو أمر وارد أيضاً بحسب قول المسؤولة.


التعب غير مهم، أريد حياة جديدة

تأمين مبلغ يراوح بين 10000 و12000 دولار للوصول إلى أوروبا عن طريق المهربين أصبح حلماً بعيد المنال، لذلك يتجه الكثير من السوريين، وحتى أشخاص من جنسيات أخرى، للسفر من دون مهربين بمساعدة "مغامرون بلا حدود"، وبحسب روادها فإن تكلفة الطريق متضمنة المصاريف الشخصية والمواصلات لا تتجاوز ألفي دولار.

شخص واحد من مجموعتنا لم يستطع الاستمرار وسبعة استطاعوا إكمال الطريق. الموت على الطريق آخر ما أفكر فيه، همي الأول ألا أعود للشقاء الذي كنت أعيشه، فقد أحرقت عشر سنوات من عمري بالحرب والنزوح والتشرد

إياد هو اسم مستعار لشاب غادر سوريا قبل ثلاث سنوات إلى تركيا بسبب دمار منزله ومحله الذي كان مورد رزقه الوحيد، ونظراً لعدم توفر العمل هناك تآكلت مدخراته القليلة، ولم يعد بإمكانه دفع بدل إيجار البيت ولا حتى المواد الأساسية للاستمرار، فقرر الهجرة إلى أوروبا عن طريق المجموعة.

يروي إياد تجربته لرصيف22: "سمعت بالفكرة من شخص وصل أوروبا عن طريقها. بعد التواصل مع المسؤولين طلبوا تجهيز الأغراض التي سأحتاجها، وأضافني المشرف لمجموعة "واتساب" تضم الأشخاص الراغبين بالسفر، وطلبوا إثباتات شخصية لتأكيد هوياتنا، وتوليت مهام القيادة والاستدلال على الطريق، واتفقنا على نقطة التجمع والوقت المحدد وتم تزويدنا برقم السائق الذي سينقلنا بداية من اسطنبول، وتواصلنا مع مؤسس المجموعة ليزودنا بالنقاط ويعطينا رقم مشرف يتابع معنا".

الطريق طويل ومتعب وصعب، حسب إياد، ولكن يبقى أفضل من الخروج مع مهرب ودفع مبالغ خيالية مع احتمال التعرض لعمليات نصب، ويضيف: "شخص واحد من مجموعتنا لم يستطع الاستمرار وسبعة استطاعوا إكمال الطريق. الموت على الطريق آخر ما أفكر فيه، همي الأول ألا أعود للشقاء الذي كنت أعيشه، فقد أحرقت عشر سنوات من عمري بالحرب والنزوح والتشرد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard