عشر سنوات على الثورة التونسية وعلى محاولات طمسها

الثلاثاء 2 فبراير 202101:32 م

عشر سنوات مرّت على المطلب الشعبي باعتماد قائمة رسمية تعترف بوقوع شهداء وجرحى بين فترة 10 كانون الأول/ ديسمبر 2010 و14 كانون الثاني/ يناير 2011، خلال ثورة أسقطت ديكتاتورية زين العابدين بن علي. رئيسا جمهورية منتخبان ورئيس بالوكالة وأربعة رؤساء حكومة تعاقبوا على ذلك المطلب، منذ إعلان لجنة شهداء الثورة ومصابيها، التابعة للهيئة العليا للحقوق والحريات الأساسية، إنجاز القائمة الأولية في أواخر عام 2015، لكن، إلى يومنا هذا، لم تنشر هذه القائمة في الرائدة الرسمية للبلاد، وبالتالي، لم تحظ تلك القائمة حتى اللحظة باعتراف رسمي من قبل الدولة التونسية.

قانونياً، نصّ مرسوم 97 لسنة 2011 وعداً لما يمكن أن تقدمه الدولة التونسية من اعتراف وردّ اعتبار وتخليد لرمزية ضحايا الثورة وعائلاتهم. الثورة التي وضعت تونس على خارطة البلاد التي اعتنقت مسار العدالة الانتقالية، وأرست الخطوات التي حتماً ستمكّن تونس من انتقال ديمقراطي ما خلال سنوات قادمة، يتعالى اليوم في وجهها خطاب مناهض يهددها "بالعودة" إلى دكتاتورية العهود السابقة، خطاب يبتلع كل ما يمت للثورة بصلة.

مؤخراً، غاب الأستاذ الجامعي البسيط، الذي اختاره التونسيون ممثلاً عنهم لرئاسة الجمهورية، قيس سعيد، عن الذكرى العاشرة للثورة. أياً كانت الأسباب التي غيّبت صوته القوي ولغته الفصيحة عن مسامع الشعب، يذكرنا غيابه بالصراعات السياسية بين رؤوس السلطات الثلاث والمشادات السياسة التي أحبطت أي عملية تغيير فعلي على مدار عشر سنوات. 

إن جلّ الاحتجاجات اليوم كانت شرارتها إعلان بعض جرحى الثورة عن اعتصام في مقر الهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية، ودعوتهم للقوة الاجتماعية المختلفة للتظاهر، تضامناً مع مطلبهم بنشر القائمة الحالية لشهداء وجرحى الثورة

بالرغم مما حققته تلك الـ 29 يوماً ثورياً من تكريس للحريات والحقوق والتعددية بمختلف أشكالها السياسية والاجتماعية، وفتح المجال العام، استطاع موظفون ومسؤولون ووزراء من النظام القديم، استعادة مكانهم و"مكانتهم" في السلطة، كما تمكّن التجمع الدستوري الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم زمن بن علي، والذي تم حلّه سنة 2011، من العودة إلى الحياة، في ظل صعود "الحزب الدستوري الحر" بقيادة عبير موسي، وهي كاتبة عامة ومساعدة سابقة في حزب بن علي، وتتصدّر المشهد السياسي. 

حجج عديدة استُخدمت وأعلن عنها، أغلبها بشكل غير رسمي، من قبل عناصر سياسية، لتبرير سلوك الدولة بتأخير اعتماد القائمة الحالية لشهداء وجرحى الثورة. أبرز تلك الحجج تصبّ في احتمالية أن تشعل القائمة تحركات شعبية واسعة، خصوصاً في الجهات التونسية، من قبل أولئك الذين لم تشملهم القائمة. ولكن ما تشهده تونس اليوم من احتجاجات عديدة وواسعة في تونس العاصمة والجهات، يُبطل تلك الحجة، حيث إن جلّ تلك الاحتجاجات اليوم كانت شرارتها إعلان بعض جرحى الثورة عن اعتصام في مقر الهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية، في أواخر كانون الأول/ ديسمبر من السنة الماضية، ودعوتهم للقوة الاجتماعية المختلفة للتظاهر، تضامناً مع مطلبهم بنشر القائمة. الأمر الذي أعاد إحياء روح الثورة في نفوس من شاركوا في 14 كانون الثاني/يناير، وشهدوا رحيل زين العابدين بن علي رفقة عائلته، نحو منفاه الأخير في السعودية. 

أي حديث عن نجاح مسار عدالة انتقالية في تونس في ظل تغييب وطمس للحدث الأبرز الذي أطلق ذلك المسار؟

اليوم، يخرج الآلاف إلى شوارع تونس، رافعين شعارات اقتصادية واجتماعية هي نفسها وجّهت لبن علي، خلال احتجاجات 2010/2011، كما تمّ اعتقال أكثر من 600 محتج من قبل الشرطة خلال الأيام القليلة الماضية وبشكل اعتباطي. يضاف لذلك استخدام للقوة المفرطة من قبل الأمن، ضد شعب أراد التظاهر سلمياً في وجه منظومة أثبتت فشلها، الأمر الذي أفضى بدفع التونسيين المتظاهرين لترديد مرة أخرى، وبعد 10 سنوات، شعار "الشعب يريد اسقاط النظام". 

ما كشفت عنه التحركات الأخيرة، أن شعار "سييب القائمة الرسمية" الذي رفعه جرحى وعائلات شهداء الثورة وقوى المجتمع المدني، مراراً وتكراراً، على مدار 10 سنوات، حمل في طياته مطلباً ضمنياً بـ "سييب الثورة"، من محاولات الطبقة السياسية لطمسها والعودة بها إلى العهد السابق. بعض القوى السياسية التي التحقت بالمد الثوري في 2011، والتي احتفلت بدستور تونس الجديد عام 2014، وقبله قانون العدالة الانتقالية عام 2013، رافعة شعار القطيعة مع الماضي ورد اعتبار ضحايا الاستبداد، أخذت هي نفسها بيد من قَمع وسَجن وحَرم وقَتل، لتقدم لهم الثورة كقربان تحت مسمى "المصالحة" و"حماية مكتسبات الثورة".

وجوه الدولة العميقة قد تغيرت بالفعل في تونس، ولكن السلطة التي بناها بن علي، وقبله الحبيب بورقيبة، قائمة دون مساس، بل ما يبدو جلياً أن القوى السياسية التي صعدت بعد الثورة، تعلمت ممن حكم قبلها. حتى أن كلمة "أنا فهمتكم"، التي قالها بن علي عشية فراره من تونس، عادت إلى مسامع التونسيين مؤخراً، مع الخطاب الذي وجهه رئيس الحكومة الحالي، هشام المشيشي، إلى الشعب التونسي في 19 كانون الثاني/يناير 2021، ردّاً على الاحتجاجات. 

على مدى عقد من زمن، لم تستكن عائلات الشهداء والجرحى لحظة عن محاولاتهم المحافظة على كراماتهم الثورية، فمماطلة الدولة في نشر القائمة ما هي إلا مماطلة في تأخير ترسيم الثورة في الوعي الجمعي التونسي وفي الاعتراف الرسمي للدولة التونسية بأن هناك فاصلاً تاريخياً قد حصل.

يمكن للنسيان أن يكون صعباً، بل مستحيلاً للبعض، ولكن التعامل مع الوجع والفقد يصبح ممكناً مع الاعتذار والاعتراف والشكر على تضحيات المواطنين لاستعادة الكرامة الإنسانية وكرامة أوطانهم

في النهاية، يمكن للنسيان أن يكون صعباً، بل مستحيلاً للبعض، ولكن التعامل مع الوجع والفقد يصبح ممكناً مع الاعتذار والاعتراف والشكر على تضحيات المواطنين لاستعادة الكرامة الإنسانية وكرامة أوطانهم. اليوم، على الدولة التونسية ليس فقط الاعتراف بالجراح والموت في سبيل الوطن، بل أيضاً الاعتذار عن آلام الانتظار الذي يزيد الوجع ويصعّب النسيان. 

ويبقى السؤال، أي حديث عن نجاح مسار عدالة انتقالية في تونس في ظل تغييب وطمس للحدث الأبرز الذي أطلق ذلك المسار؟ وأي مشهدية لمساءلة المجرمين وكشف حقيقة ما حدث خلال عهدين من الاستبداد، ما لم يتم الاعتراف أولاً بالثورة، وهي الشعرة التي ستقسم بين أحداث 2011 وما قبلها من قمع للحريات واحتكار للسلطة؟ وأخيراً، أي مسار ديمقراطي في تونس والطبقة السياسية مهملة لأوضاع ناسها، وجلّ همها المحصصات السياسية وتبادل التهم والشتائم؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard