السوريون في السودان... هل تعاقبهم الحكومة الانتقالية انتقاماً من عهد البشير؟

الأربعاء 3 فبراير 202110:27 ص

طبقاً لشهادات غير رسمية، فإن أعداد أفراد الجالية السورية في السودان هبطت من حوالي 300 ألف عام 2018 إلى أقل من 100 ألف مع بدايات عام 2020.

وأصدرت الحكومة الانتقالية في السودان جملةً من القرارات الهادفة إلى تنظيم الوجود الأجنبي في البلاد، ما ألقى بظلاله على نحو خاص على السوريين، لا سيما وأن بعض القرارات موجهة إليهم بصورة مباشرة.

آخر هذه القرارات كان في كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي، حيث تم سحب الجنسية السودانية بالتجنس من 3548 أجنبياً، دون إيضاحات حول دولهم الأم.

وقال البيان الصادر عن مجلس السيادة الانتقالي إن القرار شمل من حازوا الجنسية بتوجيهات من رئاسة الجمهورية في حقبة المخلوع عمر البشير في نيسان/ أبريل عام 2014، ومن حصلوا على الجنسية دون استيفاء الشروط المعلومة، في تأكيد على التهم الموجهة لرجالات البشير ببيع الوثيقة السيادية مقابل الحصول على عملات صعبة.

صعوبات ومخاوف

على غير ما هو مأمول، واجهتنا صعوبات كبيرة في إعداد التقرير، ويمكن تلخيص السبب في خوف السوريين من أن تأتي إفاداتهم بردة فعل عكسية تزيد الخناق عليهم، بدلاً من أن تُسلّط الأضواء على أوضاعهم.

يحدث ذلك بينما يكتفي المسؤولون المحليون في السودان بالقول إن هذه القرارات تنظيمية، وليس فيها نية استهداف لأفراد الجالية السورية.

في أقل من 18 شهراً، أصدرت السلطات المحلية في السودان قرارات عدة، تؤثر على أفراد الجالية السورية، بدأت بنزع 13 ألف جواز سفر أجنبي. وحيث للجالية السورية حضور كبير، تزيد التوقعات بأن يكون جزء من أفرادها تأثروا بالقرار، علماً أن لا وجود لإحصاء دقيق لأعداد السوريين المتجنسين بالجنسية السودانية.

بعد ذلك، أصدرت وزارة التجارة قراراً يمنع مزاولة الأجانب للأنشطة التجارية في السوق المحلية. وتالياً، ألغت إعفاء السوريين من الحصول على تأشيرة دخول مسبقة للسودان. وأخيراً، جاء القرار السيادي بمراجعة 6500 جواز سفر، وكان السوريون كالعادة ضمن عمليات المراجعة.

وخلال هذه الفترة، نشطت حملات ضد الوافدين الأجانب عامةً، استهدفت بشكل أساسي مقار عملهم، بحثاً عن التصاريح والإقامات وأذونات العمل.

ودفع الأمر بالمحال والمطاعم السورية في العاصمة الخرطوم إلى تنظيم إضراب شهير نهاية عام 2019، للفت النظر إلى الأضرار التي حاقت بمصالحهم، بسبب عدم إعطائهم مهلة كافية لترتيب الأوضاع.

هل تبدل الوضع؟

تحول السودان إلى وجهة محببة للسوريين بسبب المعاملة التفضيلية عقب اشتداد أوزار الحرب الأهلية في بلادهم.

وكانت حكومة البشير قد قدمت تسهيلات كبيرة للسوريين، شملت الإعفاء من تأشيرات الدخول، ومنح تصاريح الإقامة، وتوجيهات بمعاملتهم أسوة بالمواطنين، إلى جانب حُزم الإعفاءات الضريبية.

في أقل من 18 شهراً، أصدرت السلطات المحلية في السودان قرارات تؤثر على السوريين لديها، منها نزع 13 ألف جواز سفر أجنبي، ومنع مزاولة الأجانب للأنشطة التجارية في السوق المحلية، ثم إلغاء إعفاء السوريين من الحصول على تأشيرة دخول ومراجعة 6500 جواز سفر

وهذا ما يطرح السؤال عن سر التحول الكبير في التعاطي مع السوريين في السودان، وهل باتوا اليوم يدفعون ثمن المعاملة الحسنة التي كانوا يحظون بها في حقبة الرئيس المخلوع، بحيث تحولوا إلى أثرٍ تسعى حكومة الثورة لكنسه مع آثار البشير، أم أن هناك عوامل ومسببات أخرى؟

لفهم الأمر من منظور محلي، يعلق المتخصص في شؤون الهجرة وآثار ما بعد النزاعات الجنيد الماحي، في حديثه لرصيف22، بالقول: "شواهد عدة تؤكد حدوث ردة فعل سياسية إزاء الوجود السوري"، مفسراً ذلك بأنه "قرين بارتباط هذا الوجود بحكم المخلوع البشير".

يتابع الماحي موضحاً بأن توسع البشير وأشقائه في منح الجواز السوداني لسوريين من دون استيفاء شروط الهجرة، وتنامي الحديث عن تورط رموز في نظامه ببيع الوثيقة السيادية مقابل آلاف الدولارات، ولاحقاً حدوث مشكلات إزاء هذا التجنيس من دون تدقيقٍ كاف لعناصر قد تكون متهمة في جرائم فساد أو جرائم إرهابية، جعل بعض الدول تتشدد مع السودان، وكانت مسألة جواز السفر من دواعي حرمان السودانيين من برنامج القرعة الأمريكية (اللوتري) إبان حقبة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

ويشير الماحي إلى ترجيحات تقول إن أحد الشروط الأمريكية لرفع السودان من قائمة الإرهاب كانت مراجعة جوازات السفر السودانية الممنوحة بالتجنس.

الدوافع الاقتصادية

الدوافع الاقتصادية هي واحدة من الأسئلة البديهية التي تُطرح مع كل أزمة. وعليه فهذا العنصر المحرك للدول حاضر في أزمة سوريي السودان، حيث يجري اتهامهم برفع أسعار العقارات والمحال التجارية، وإدخال ثقافة الإيجار بالعملات الأجنبية.

يُتهم سوريو السودان كذلك بتراجع الجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي في السوق السوداء لما دون حدود 315 جنيهاً، فيما تحول التضخم لغول كبير بتسجيل 269% عن شهر كانون الأول/ ديسمبر 2020.

يُضاف لذلك النظر للسوريين باعتبارهم منافسين جديين للمحليين جراء مهارات عمالهم الكبيرة (مجال الأطعمة والمشروبات والأعمال الحرفية)، وقدرة رجال أعمالهم على خلق استثمارات ناجحة، وهو ما جعل قراراً كمنع الأجانب من مزاولة التجارة المحلية محل ترحيب لدى سودانيين شعروا بالمنافسة .

وأخيراً تأتي العوامل الاجتماعية، والكلام هنا للماحي الذي يرى أن "تورط قلة من السوريين في جرائم جنائية تشمل صناعة المخدرات، وتزوير العملات، ودخول بعض شبابهم في صراعات مع الشباب السوداني في أحياء الخرطوم زادوا من الهجمة ضد السوريين، لا سيما بعد استخدام بعض الشباب للكلاشنكوف والسواطير على سبيل الترهيب لحسم هذه التباينات".

ويرى الماحي أن من ضمن المسالك الاجتماعية ذات الطابع الفرداني، والتي لعبت دوراً في تشكيل صورة ذهنية سيئة عن الوجود السوري، خروج صور شاشة (سكرينشوت) من محادثات في منصات التواصل السورية، انطوى بعضها على إساءات للسودانيين.

وللأسف، وفق الماحي، حملت بعض هذه التعليقات المتجاوزة روحاً عنصرية، كإطلاق نعوت للسودانيين على شاكلة أن جواز سفرهم محض سلعة، وأن على نسائهم الافتخار بصحبة الشباب السوري، وهنا يمكن فهم الحملة التي انطلقت عبر منصات التواصل قبل عدة سنوات وتوعدت أي شاب سوري يرافق السودانيات بالثبور وعظائم الأمور.

لكن قبل أن يسجل أحدهم الاستياء مما قاله الماحي، لا بد من الإشارة هنا إلى أن السلوك السوري الأعم بحسب شواهد كثيرة ينطوي على احترام وتقدير للسودانيين ومواقفهم، ولذا تجد الجالية السورية تطلق المبادرات الإنسانية كدعم قطاعات الصحة والتعليم في السودان، وإطلاق نداءات لغوث السودانيين إبان الكوارث (فيضانات 2020 المدمرة نموذجاً)، أو حتى توزيع الحلوى خلال الأعياد في المُصليات العامة تعبيراً عن الامتنان لأفراد الشعب السوداني.

ضبابية واقع الحال

يشكو السوريون في السودان من أوضاعهم، وتتراوح بين كونهم لاجئين، ومواطنين ومقيمين تأسيساً على قوانين تنظيم الوجود الأجنبي السودانية.

يتهم المحامي السوداني حافظ المختار نظام البشير بإسهامه في خلق حالة ضبابية يعاني السوريون من تبعاتها اليوم، قائلاً إن النظام البائد كان يرفض معاملتهم كلاجئين، وهذا المسلك وإن بدا أخلاقياً لكنه يحجب عن السوريين كثير من المزايا التي توفرها مفوضية شؤون اللاجئين.

وتابع في حديثه مع رصيف22: "المناداة بمعاملتهم كمواطنين، من دون إثبات قانوني لهذه الصفة، أمر تدفع الجالية السورية ثمنه حالياً"، وأشار في السياق أن على الحكومة الانتقالية في مساعيها لتوضيح مواقفها من الوجود الأجنبي مراعاة الحال السورية التي أنتجها نظام المخلوع، معبراً عن خشيته من تحول بعض السوريين إلى "بدون" في حال كانت دمشق تضعهم في قوائم الحظر، ورأى السودان أنهم لا يستحقون جواز سفره أو الإقامة على أراضيه.

من بين كل وجهات النظر الحكومية وغير الرسمية والشعبية المتعاطفة مع أزمة السوريين والذاهبة إلى أهمية تنظيم وجودهم، وصولاً لتلك الرافضة لهم، نسأل عن كيف تعيش الجالية السورية في السودان ما بعد الثورة؟

أقرّ رئيس لجنة دعم العائلات السورية في السودان مازن البيات، في حديثه مع رصيف22، بأحقية السودان في تنظيم الوجود الأجنبي على أراضيه، لكنه في ذات الوقت يهيب بالجهات الرسمية إعطاءهم مهلة قبل إنفاذ القرارات الجديدة، ومراجعة الرسوم المفروضة عليهم بمراعاة ظرفهم الاقتصادي، لا سيما وأن بعض السوريين وصل إلى السودان لأغراض تلقي العلم.

قدمت حكومة البشير تسهيلات كبيرة للسوريين وأصدرت توجيهات بمعاملتهم أسوة بالمواطنين... مع الحكومة الانتقالية تغيّرت أحوالهم، فهل باتوا يدفعون ثمن المعاملة الحسنة التي كانوا يحظون بها في حقبة الرئيس المخلوع، أم أن هناك عوامل ومسببات أخرى؟

كما حث البيات السودانيين على الاستفادة من رؤوس الأموال والخبرات السورية، بإدماج ذلك في اقتصادهم الوطني وتعظيم الربح لدى كلا الطرفين.

وأشار رئيس لجنة دعم العائلات السورية الحاصل على الجواز السوداني إلى أنه حصل على الوثيقة بعد استيفاء الاشتراطات الهجرية المعلومة. وهو يحوز وأسرته سمعة طيبة في ضاحية الصحافة، جنوبي العاصمة الخرطوم، والتي وصل إلى هناك قبل اندلاع الحرب السورية، كما قال. 

لمّ الشمل

في معرض حديثه، أثار البيات نقطة مهمة تتعلق بقرار إلغاء دخول السوريين الأراضي السودانية، دون تأشيرة دخول (فيزا).

وقال إن ذلك يؤثر بشكل مباشر على اتخاذ كثير من السوريين للسودان أرضاً للم الشمل مع عائلاتهم، إما بسبب الوضع في سوريا، أو عوائق تحول دون عودتهم إلى بلادهم.

وكشف البيات عن عقد كثير من الزيجات بين سوريين في أرض السودان، معظمهم واصل من تركيا أو سوريا، مذكراً بأن السوريين من خلال عمليات لم الشمل يرفدون الاقتصاد المحلي بما يستطيعون من أموال صعبة، تتمثل في رسوم السكن والمعيشة خلال فترات إقاماتهم في السودان.

وحثّ البيات الشباب السوري على رد تعاطي السودانيين معهم بأحسن ما يكون، في المقابل ناشد السودانيين بتفويت الفرصة أمام محاولات زرع الفتنة بين الشعبين الشقيقين.

أثر منصات التواصل

استقرت أسرة ميريام عمران في السودان مبكراً، فوالدها كان يعمل في الخطوط الجوية السورية في الخرطوم، ومع انتهاء مهمته عام 2003 قرر البقاء في العاصمة السودانية.

قالت عمران، في حديثها لرصيف22، إن والدها معجب كبير بالسودانيين، وسماحة معشرهم، وعليه درس أخوتها في الجامعات السودانية وتزوجوا من سودانيات.

وتقدمت أسرة مريام بطلب للحصول على الجنسية عام 2008 لكنهم لم يمنحوا هذا الامتياز حتى عام 2014، قبل أن يطلب منهم مؤخراً تسليم أوراقهم لأغراض المراجعة والفحص.

تؤيد عمران هذه الخطوة، خاصة مع الحديث عن بيع الجنسية السودانية لأجانب كما قالت.

وفي الصدد، أكدت عمران التي تشتغل في مجال الإعلام التلفزيوني وقدمت العديد من التقارير التي تسلط الضوء على أوضاع السوريين في السودان، أنها لم تتعرض وأسرتها لأية مضايقات، منوهة إلى أن اللغة غير المنضبطة والمتحاملة عليهم تظهر في مواقع التواصل الاجتماعية الافتراضية أكثر مما تظهر على أرض الواقع.

شكوى من مضايقات

خلافاً لحديث مازن وميريام، أخرج أبو وسام الهواء الساخن، مشيراً بعدما طالب بالاكتفاء بذكر كنيته إلى وجود تغيير كبير في سلوك حكومة السودان تجاههم.

وقال أبو وسام الذي يملك مطعماً في أحد الأحياء الراقية في الخرطوم إن السوريين يؤخذون الآن بجريرة البشير، ويمتد هذا الأمر ليصل إلى ارتفاع صوت الخطاب المعادي للوجود الأجنبي.

وطالب الرجل، في حديثه مع رصيف22، بمقارنتهم ببقية الجاليات في السودان، موضحاً أن التضييق الاقتصادي الذي يتعرضون له يأتي في وقت يستقبل السودان برحابة صدر أكثر من 60 ألف لاجئ فارين من الحرب الإثيوبية.

"بالرغم من تشابه حالة السوريين والإثيوبيين، نجد تساهلاً حكومياً مع الإثيوبيين رغم توتر علاقات الخرطوم وأديس أبابا بسبب صراع حدودي بينهما، وتشدداً معنا نحن السوريين رغم نشاطنا الاقتصادي الذي يزيد الفوائد على الاقتصاد المحلي"، على حد قول أبو وسام.

يتفق السوريون على أحقية السودان في مراجعة وتنظيم الوجود الأجنبي على أراضيه، لكنهم في المقابل ينادون بمراعاة حالتهم الاستثنائية بمنحهم الوقت الكافي للتعاطي مع القرارات الجديدة.

وشكا صاحب المطعم من حملات المداهمة على محله مؤخراً، كاشفاً أن في إحداها شهد اقتياد العاملين معه على متن عربة للشرطة بطريقة وصفها بـ"المزعجة"، كما جرى تغريمه مبالغ ضخمة لإطلاق سراحهم بكفالة مالية لاحقاً.

ولفت لفرض رسوم عالية على محله بالعملة الأجنبية (الدولار)، مع كثرة جهات تحصيل الرسوم، فضلاً عن المضايقات الناجمة عن عمليات الدهم والتفتيش بما يعوق العمل، ويحرمهم من الزبائن.

وأشار أبو وسام إلى أن بعض القرارات تمييزية ضدهم، كقرار والي الخرطوم بحرمان المحال والكافيتريات الخاصة بالأجانب من الحصول على الخبز المدعوم، مع أن هذه المحال تقدم خدماتها في الأساس للمواطن السوداني، لافتاً إلى أنه بات يفكر جدياً في مغادرة الخرطوم، بعدما بدأ عمله في الإنهيار بسبب الإجراءات الحكومية، وأرباحه في الإنهيار هي الأخرى جراء تراجع العملة المحلية.

يتفق السوريون على أحقية السودان في مراجعة وتنظيم الوجود الأجنبي على أراضيه، لكنهم في المقابل ينادون بمراعاة حالتهم الاستثنائية بمنحهم الوقت الكافي للتعاطي مع القرارات الجديدة، والأهم عدم معاملتهم بجريرة البشير الذي وإن أحسن إليهم، فإن حكومة الثورة لهي أولى بتطبيق هذا الإحسان، كونها تأسست على شعارات سامية جوهرها الإنسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard