شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
هل أريد إنجاب طفل إلى هذا العالم؟

هل أريد إنجاب طفل إلى هذا العالم؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي

الأربعاء 5 أغسطس 202002:03 م

أسئلة كثيرة كانت إجابتها بديهية في طفولتي، أعدت طرحها سؤالاً تلو الآخر لأصل إلى هذا السؤال الصعب: هل أريد الإنجاب؟

كل أمنيات العائلة، الجيران والأصدقاء كانت تربط الفرح بمستقبلي المليء بصغار: "عقبال ما نفرح بولادك". لم يكن هناك حتى شك أن أكون عقيمة مثلاً، أو غير مؤهلة جسدياً لكي أتخذ قراراً عقلانياً بعدم الإنجاب، ورغم قدرتي الجسدية، إلا أنني حتى اليوم أتشكك في رغبتي بذلك.

في العشرينيات من عمري، كنت أبرّر انعدام تلهفي بأنني ما زلت صغيرة، وعليّ إكمال دراستي الجامعية والعمل على استقراري المهني والمادي، وفي أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات، كنت أقول: أريد العمل على نفسي أكثر للتخلص قدر الإمكان من الآثار النفسية التي حملتها من محيطي حتى لا أمررها لأطفالي، والعثور على أبيهم المناسب أولاً، الذي بدأت مواصفاته تتبدل مع تغير تصوري عن "العائلة السعيدة". واليوم بلغت منتصف الثلاثينيات، وما زلت أتردد في اتخاذ هذا القرار السهل الممتنع، وأضيع بين كل الأصوات المكررة من حولي بين الترغيب والترهيب: "وإيمتى رح تجيبي أولاد؟"، "رح تكوني أم رائعة لازم تجيبي أولاد "، "عم تكبري… هلأ ما بتلاقي حالك غير بالأربعين وما عاد تقدري" وغيرها من العبارات التي سمعتها من القريب والغريب، وبلغات مختلفة، وحين أعود لنفسي بعيداً عن كل الضجيج، تعلو داخلي دقات "الساعة البيولوجية" منذرة بتقلص خصوبتي ومهددة نسلي بالانقراض، لأقسم إلى نصفين: واحدة تريد الإنجاب وأخرى لا تريده أبداً.

رغم صعوبة إنجاب طفل دون زوج خاصة في مجتمعاتنا، حيث يدمغ على جبهته وصم "ابن حرام"، ويحكم على أمه بالعهر طوال العمر إن بقيت على قيد الحياة، إلا أنه أمر عادي جداً في المجتمعات الغربية

نصفي الأم

أشعر بغريزة الأمومة فطرياً، هو توق لاستكمال أنوثتي وعيشها حتى النهاية، وتأكيد استمرار الجنس البشري كمهمة تحملها الفتيات، من طفلة إلى صبية إلى امرأة إلى أم، حتى أصبح جدة وأموت، عليّ عبور هذه المحطات "الطبيعية" التي تمر بها أغلب النساء: إنجاب أطفال والاعتناء بهم وتربيتهم، ثم إطلاقهم للعيش في هذا العالم المتغير باستمرار.

تجربة تعبر عنها الأمهات على أنها جميلة بصورة غير قابلة للوصف، تُنسي ألم الولادة، ورغبة ألحظها داخلي وأحاول أحياناً تذوقها مع أصدقائي، فأميل للاهتمام بهم، التفكير بالأفضل لحياتهم ومحاولة مساعدتهم حتى في الأمور الصغيرة، وعند رؤيتي لأي طفل ابتسم في أشد اللحظات وأكثرها تعاسة وثقلاً، كما أشعر بمسؤولية ما تجاه هذا الطفل "الغريب"، وحين أرى أنه سعيد، بنفس اللحظة أبدأ بتخيل نفسي أماً تهتم بسعادة أطفالها، صغاري مرحون يضحكون يملؤهم الحب، ولكي أكون أماً عليّ العثور على الأب، هذا الرجل المسؤول والحنون الذي يرغب ببناء "أسرة مثالية".

ورغم صعوبة إنجاب طفل دون زوج خاصة في مجتمعاتنا، حيث يدمغ على جبهته وصم "ابن حرام"، ويحكم على أمه بالعهر طوال العمر إن بقيت على قيد الحياة، إلا أنه أمر عادي جداً في المجتمعات الغربية، بل تحصل الأم التي تربي طفلها وحدها على مساعدات خاصة لتسهيل معيشتها، وتصرخ داخلي الأم عالياً أحياناً لدرجة تفكيري أن أضرب بالعادات والتقاليد عرض الحائط، وألحق غريزة الأمومة حتى النهاية إن لم أجد الشريك المناسب، فنصفي الأم تريد ببساطة أن تكون أماً، مع أو دون رجل. أتعمق أكثر في هذا الشعور فأتشكك أكثر، فهو ليس نقياً بل مجدولاً بالخوف والأنانية حتى، الخوف من ألا أكون أنا من ترغب بالإنجاب، وإنما هو صوت أمي وأختي وعائلتي ومجتمعي داخلي، فكيف يمكن أن أقرب الأربعين ولم أحبل بعد؟ وأسأل نفسي: كيف يمكنني أن ألد حياة أخرى بدافع لا المحبة المطلقة غير المشروطة، وإنما الأنانية، لأنني "أنا"، بشكل واع أو غير واع، أريد تجريب إحساس الأم، ليأخذ نصفي الأم قيلولة حتى إشعار آخر ويطفو نصفي الآخر على السطح، فتاة حالمة، حيادية ومتشككة.

نصفي الحالم المتشكك

أحلم أن أكون كما أريد وقتما أريد، بعيداً عن أي التزام قسري، ورغم صعوبة تحقيق ذلك، إلا أن الإنجاب لن يجعله أسهل بل سيحوله إلى مستحيل، ولم يعد السؤال هل أريد الإنجاب، فالرغبة تتغير حسب الزمن والحالة والتربية والعادات، وإنما أسأل: لماذا أنجب؟ هل أحمل مسؤولية ما تجاه أبناء جنسي؟ وعليّ إبقاء هذا الجنس البشري مستمراً؟

ورغم عدم اقتناعي بالكثير من خيارات الإنسان على هذه الأرض التي لا تبدو صحّية لا لأنفسنا ولا لكوكبنا، إلا أن كثافة التعداد السكاني حول العالم يلغي حاجة إبقاء النسل الإنساني، ويعد بتزايد تراكمي حتى تاريخ لا نعرفه بالضبط. أما عدد الأطفال اليتامى والفقراء والمشردين المحتاجين إلى أمهات يلغي ضرورة أن يكون أطفالنا بيولوجيين، فلم عليّ أن أكون أماً لأطفالي حصراً، حين يمكنني أن أكون راعية ومربية لأطفال يحلمون بأمهات؟

العالم اليوم يشبه شركة كبيرة يعمل فيها الجميع للتمكن من العيش، وكل ما يحدث من حروب وكوارث طبيعية وإنسانية تلغي خيار العيش بسعادة وسلام مطلق، ولا تبشر بمستقبل واعد. ماذا سأجيب أطفالي إن سألوني عن سبب وجودهم على هذه الأرض؟ هل أقول إنهم في امتحان، وأنهم ما بعد الموت سيحاسبون ويدخلون الجنة الأبدية أو النار، أم لكي يتعلموا ويعملوا ويتزوجوا وينجبوا مزيداً من الأطفال؟ هل أقول إننا حيوانات اجتماعية تعيش كما كل الحيوانات، لكن بحاجات أساسية أشكالها اختلفت عبر التاريخ، أم أننا مخلوقات سامية تتبع قوانين بشرية خارجة عن الطبيعة؟ نصفي الحالم بحريتي المطلقة لا ترفض الإنجاب فقط، وإنما ترغب في العيش أبعد ما يمكن عن كل ما عمم على أنه قانون طبيعي أو بشري، دون أي إثبات عدا تكرار فعله.

 إن عدد الأطفال اليتامى والفقراء والمشردين المحتاجين إلى أمهات يلغي ضرورة أن يكون أطفالنا بيولوجيين، فلم عليّ أن أكون أماً لأطفالي حصراً، حين يمكنني أن أكون راعية ومربية لأطفال يحلمون بأمهات؟

ما بين نصفي ونصفي

الإنجاب أمر طبيعي وهو يبدو سبباً كافياً لتكراره، وربما لم يكن حتى أمراً قابلاً للتمحص والتفكير من قبل، لكن نمط الحياة الذي نعيشه وفهمنا أن حرية الاختيار قد تصل حتى ما نظنه بديهياً، جعل هذا الموضوع جدلياً حول العالم.

هناك حكومات تسمح بالإجهاض كحق للمرأة في اختيارها للإنجاب من عدمه، وأخرى تمنعه وتعتبره جريمة، هناك الكثير من مناصري عدم الإنجاب، والأكثر من الراغبين/ات باستمراره، والكثير من الأسباب التي جعلت اتخاذ قرار مصيري طبيعي كإنجاب طفل ليس بالأمر السهل، أما أنا فأبحث وأبحث، أدور وأدور، ما بين غريزة البقاء والاستمرار ومسؤولية الحد من النسل، وما بين ضغط بيولوجي وآخر اجتماعي، أغرق في المنتصف، معلقةً دون إجابة بسؤال أسمعه كل الوقت: هل تريدين الإنجاب؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard