الجبري متّهم بالاختلاس في كندا… هل يُساءل أمراء آل سعود عن أموال الشعب؟

الخميس 28 يناير 202111:15 ص

رفعت مجموعة مملوكة للحكومة السعودية دعوى قضائية في كندا ضد رئيس جهاز المخابرات الأسبق، سعد الجبري، تتهمه فيها بـ"اختلاس مليارات الدولارات"، في قضية تُلقي الضوء على نزاع مرير في الأسرة الحاكمة للبلاد.


وفق التفاصيل التي نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، رفعت شركة تحكُّم الاستثمارية، التابعة لصندوق الثروة السيادي السعودي، دعوى مدنية أمام محكمة كندا العليا في أونتاريو ضد الجبري، الذي كان كبير مساعدي الأمير محمد بن نايف، ولي العهد السابق الذي عزله خلفه الأمير محمد بن سلمان وتولى المنصب عام 2017، منذ ذاك الحين، فرّ الجبري من المملكة وقد استقر به الحال في كندا.


كان بن نايف أحد أكثر أعضاء الأسرة الحاكمة السعودية نفوذاً وكان حليفاً موثوقاً به للولايات المتحدة لدوره في محاربة تنظيم القاعدة، قبل اعتقاله العام الماضي بتهمة تدبير انقلاب. وكذلك كان ذراعه الأيمن في وزارة الداخلية السعودية - الجبري - أحد أهم حلفاء واشنطن.


اختلاس وإهدار مال عام واستغلال نفوذ

في صحيفة الادعاء، الجبري مُتهم بالتواطؤ مع بن نايف في تلقي ما لا يقل عن 1.2 مليار دولار من الأموال المختلسة، مع مزاعم بأن ولي العهد السابق حوّل 55 مليون دولار على الأقل إلى الجبري كرشوة. مع ذلك، لم يتم تحديد بن نايف كمدعى عليه في الدعوى.

مُتهم بالتواطؤ مع بن نايف في تلقي 1.2 مليار دولار من الأموال المختلسة… شركة حكومية سعودية تُقاضي سعد الجبري في كندا وقرار قضائي بمصادرة أملاكه وأرصدته البنكية الموزعة في كندا وسويسرا وبريطانيا وأمريكا والسعودية

وتُفصّل الدعوى المكاسب المزعومة التي تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة، وبعضها مسجل بأسماء أفراد آخرين من عائلة الجبري، بما في ذلك 26 عقاراً في السعودية تقدر قيمتها مجتمعة بأكثر من 43 مليون دولار، ووحدات سكنية فاخرة في فنادق ماندارين أورينتال وفور سيزونز في بوسطن، والعديد من العقارات في كندا.


وتزعُم "تحكُّم" أيضاً أنها تعرضت للاحتيال تحت سلطة الجبري، مشيرةً إلى أن مجموعة من المسؤولين بقيادته أخطأت في إنفاق 11 مليار دولار من أموال الدولة أثناء عملها لصالح وزارة الداخلية السعودية. وتتهم الجبري بتحويل الأموال من الشركات التي تمولها الوزارة لأنشطة مكافحة الإرهاب - وهي مملوكة الآن من قبل "تحكُّم" - لنفسه ولعائلته وشركائه.


كان دور الشركات المشار إليها دعم المبادرات الأمنية السعودية عبر شراء معدات الشرطة وتأمين الهواتف، ودفع المال للمخبرين والقادة الأجانب، ونقل العملاء السعوديين حول العالم على متن طائرات خاصة.


يُضاف إلى هذه الاتهامات استغلال النفوذ إذ يقول المدعون إن الجبري تولى مسؤولية إدارة الشركات لأفراد من عائلته وأصدقائه لضمان السيطرة مع التظاهر بعدم التدخل. يرد في الدعوى: "بينما كانت يدا الجبري خافيتين، كانت بصمات أصابعه في كل مكان".


في إحدى الحالات التي تُدلل على الاتهامات، نقل الجبري عقارين في جنيف وفيينا  تقدر قيمتهما معاً بنحو 400 مليون دولار، من شركة تابعة لتحكُّم إلى كيان كان يسيطر عليه، وفق لائحة الادعاء التي أوردت: "كانت هذه مجرد عملية سرقة صريحة نُفذّت من خلال سلسلة معقدة من المعاملات الاحتيالية التي تم تنظيمها لإثراء الجبري وعائلته والمتآمرين معه".

تُسلط الدعوى ضد الجبري الضوء من جديد على الصراع على أعلى مستوى في النظام الملكي السعودي، كما تُتيح لمحكمة غربية تدقيقاً غير مسبوق في المعاملات التجارية المبهمة لآل سعود… لماذا جازف بن سلمان برفعها؟

عام 2008 أيضاً، وجهت شركة حكومية أخرى، تُدعى شركة سكاب السعودية القابضة، وتدعم العمليات والصيانة للمشاريع الكبيرة، بما في ذلك في القطاع العسكري، بشكل غير قانوني 38% من أرباحها إلى بن نايف و 5% إلى الجبري، بحسب الدعوى.


دعوى سياسيّة؟

رداً على الاتهامات، قالت حملة مناصرة لأسرة الجبري إن الأسرة "ستكافح بقوة مزاعم الفساد المُعاد تدويرها وهي واثقة بأنها ستنجح في رفض الدعوى"، مضيفةً: "الأسرة تُرحب بفرصة المواجهة ضد محمد بن سلمان في محافل قضائية محايدة".


وفي حين يلفت مناصرون للجبري إلى أن النظام الذي أثراه كان يعمل كالمعتاد في المملكة وحظي بمباركة بن نايف، والملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وأن ثروته كانت مقابل خدماته لبلاده، وجزئياً من المكافآت التي منحه إياها القادة السابقون للمملكة، جادلت أسرة الجبري بأن الحكومة تلاحقه لأنه يعرف أسرار العائلة المالكة، بما في ذلك تفاصيل حول الحياة الشخصية لبن سلمان، وكيف تلقى الأموال وصرفها منذ انضمامه إلى خط ولاية العهد، وما فعله من أجل تحقيق القوة.


وسبق أن وجّهت حكومة بن سلمان مذكرة إحضار دولية للإنتربول لضبط الجبري بنفس ادعاءات الفساد، لكنها رُفضت بعدما وجد خبراء الإنتربول أن الادعاءات لم تكن قانونية تماماً بل تكمن وراءها دوافع سياسية.

وفي آب/ أغسطس الماضي، تقدم الجبري بدعوى أمام محكمة أمريكية يتهم فيها بن سلمان بإرسال فريق لتحديد مكانه ومحاولة قتله عقب أسبوعين من اغتيال الصحافي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول. طلب محامو بن سلمان الحصانة ضد الدعوى لكن الحكومة الأمريكية لم تعلن موقفها من ذلك.

يُجادل أنصار الجبري بأن ثروته كانت مقابل خدماته للمملكة وبعلم الملك الراحل وولي عهده وفق "النظام المتبع" في البلاد. من يُحاكم أمراء آل سعود عن أموال الشعب السعودي ومن يُوقِف شراء الولاء من كيس المواطنين؟

رغم ما سبق، يُجادل تكتل "تحكُّم" في دعواه بأن الجبري كان جزءاً من الفساد الممنهج الذي تريد الحكومة الحالية بقيادة محمد بن سلمان القضاء عليه. بل يعتبره "العقل المدبر والمشرف على مؤامرة".


تُسلط الدعوى ضد الجبري الضوء من جديد على الصراع على أعلى مستوى في النظام الملكي السعودي، كما تُتيح لمحكمة غربية تدقيقاً غير مسبوق في المعاملات التجارية المبهمة لآل سعود. ويبدو أن MBS اضطر إليها لفقده الأمل في منحه الحصانة من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة ضد الاتهامات الخطيرة الموجهة إليه من الجبري. 


ومنذ صعوده إلى الحكم، نفّذ بن سلمان حملة ضد الفساد المزعوم متهماً به كبار رجال الأعمال والأمراء في المملكة واحتجز العشرات منهم في فندق ريتز كارلتون بالرياض وضغط على الجميع حتى تمكن من إنهاء الأمر مع غالبيتهم عبر صفقات أنعشت خزينة الدولة.


لكن مع الحديث عن الاتهامات للجبري، ودفاع أنصاره بأنه أُثري وفق "النظام المتبع" يجدر التساؤل عن دور الحكومة السعودية في وقف هذا النظام المزعوم لا سيما وسط المزاعم بأن بعض الأمراء يتوددون للسلطة من كيس الشعب.


يُشار إلى أن المحكمة العليا في أونتاريو أمرت، الجمعة 21 كانون الثاني/ يناير، بتجميد أصول الجبري في جميع أنحاء العالم وبالكشف عن أصوله علناً أو مواجهة عقوبة السجن المحتملة. كذلك أمرت المحكمة البنوك وشركات المحاماة والمحاسبين في كندا وسويسرا وتركيا والإمارات والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بالكشف عن أي سجلات تتعلق بأصول المسؤول السعودي السابق وطلبت مساعدة السلطات القضائية في البلدان المذكورة لإنفاذ أمر الإفشاء.


وتعدّ هذه خطوة ناجحة لمصلحة الحكومة السعودية في هذه الدعوى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard