"هدموا بيتي وطالبوني بدفع تكاليف الهدم"... كيف تقتلع إسرائيل بدو النقب من ديارهم؟

الاثنين 14 ديسمبر 202012:21 م
Read in English:

They Demolished My House Then Billed Me… Israel Uprooting Negev Bedouins


يعيش قرابة 270 ألف عربي فلسطيني من أصول بدوية حاملي الجنسية الإسرائيلية في منطقة النقب جنوب فلسطين المحتل، أو "ديرة بير السبع " تاريخياً.

يرى زوّار النقب القرى العربية المكونة من الخيام أو البيوت الصغيرة المسقوفة بألواح الزنك خلال نزولهم إلى المناطق الصحراوية للاستجمام والتجول. المشهد يراه كثيرون غريباً؛ مجتمع كامل يصنّف حسب الإحصاءات الإسرائيليّة على أنه الأفقر في البلاد؛ فأكثر من 60% من عرب النقب يعيشون تحت خط الفقر، وذلك بحسب تقارير التأمين الوطني الإسرائيلي.

قد يستغرب الكثيرون كيف يعيش أكثر من 150 ألف "مواطن اسرائيلي" في هذه الظروف التي تُثبت كذب الادعاء الإسرائيلي بكون إسرائيل واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط وأنّ مواطنيها يتمتعون بالمساواة في الحقوق والحياة الكريمة.

لكن لهذا الفقر وهذه لمعاناة أسباب جليّة تقف عندها مخطّطات إسرائيليّة ممنهجة تهدف إلى تهويد النقب ونزع الحقوق الأساسيّة لسكانه الفلسطينيين الأصليين. أكبر هذه المخطّطات هي عدم الاعتراف الإسرائيليّ بـ36 قرية فيه. والقرى مسلوبة الاعتراف تفتقر إلى الحد الأدنى من البنية التحتية كالكهرباء والصرف الصحي، والخدمات الطبيّة والمدارس ومياه الشرب. انطلاقاً من عدم الاعتراف، مروراً بمشروع "تطوير النقب الإسرائيليّ"، ومشاريع أخرى... هدمت إسرائيل، بحسب تقرير هدم البيوت في النقب للعام 2018 لمنتدى التعايش السلمي، نحو 2775 منزلاً في النقب خلال عام واحد. ويبدو أنّ هذا المسلسل لا يشارف على الانتهاء.

لهذا الفقر وهذه لمعاناة أسباب جليّة تقف عندها مخطّطات إسرائيليّة ممنهجة تهدف إلى تهويد النقب ونزع الحقوق الأساسيّة لسكانه الفلسطينيين الأصليين.

الهدم كجزء من الحياة اليوميّة

يستقبل محمد أبو قويدر من قرية الزرنوق مسلوبة الاعتراف في النقب زوّاره بابتسامة، بين الفينة والأخرى تحضر مجموعات من متضامنين أجانب أو زوّار عرب من القرى الفلسطينيّة في شمالي البلاد المهتمين بالتعرف على حياة أهل النقب ونضالهم من أجل الحفاظ على حقوقهم في ظل لسياسات الإسرائيلية العنصرية الموجهة ضدهم. يحدّث محمد أبو قويدر هؤلاء الزّوار عن عادات البدو، كرم الضيافة، قصص عن الفروسية والمقاومة في الصحراء ومن ثم ينتقل بهم لرؤية الباحة الخلفية لمنزله؛ والتي تطل على واد صحراوي شاسع وجميل، ترى وسطه شباناً عرباً يتجوّلون فوق خيولهم وإبلاً تمشي وحدها.

قرية الزرنوق مهدّدة بالتهجير الكامل لأهلها، وتتعرض لحملات هدم أو إلصاق أوامر هدم على بيوتها بشكل أسبوعيّ. أهالي القرية يعانون من انعدام البنى التحتية؛ فلا كهرباء ولا مياه جارية ولا شبكة صرف صحيّ أو مرافق عصرية في القرية. يعتمد الأهالي على الطاقة الشمسية التي يوفرونها بأنفسهم وشبكة مياه هم من قاموا بمدّها. ويدفعون ثلاثة أضعاف ما يدفعه المواطنون اليهود في القرى المجاورة لهم ثمناً للمياه.

في الطريق المطل على وادي الزرنوق يشير محمد أبو قويدر إلى ركام بيت في الطريق، ويشرح: "هذا بيت أخي الأكبر. لقد تعرّض للهدم ثلاث مرّات. واضطرّ للسكن مع زوجته وأبنائه في منزل الأهل المهدّد أيضاً بالهدم". ثمّ يشير إلى البيت الثاني ويضيف: "هذا هو منزل أخي محمود أبو قويدر، الأسير السياسي منذ عام 2013 والمحكوم بقضاء 11 عاماً في السجون الإسرائيلية، يسكنه حالياً أخي سامح أبو قويدر، الأسير المحرر بعد قضاء 5 سنوات في الأسر".

تصوير: محمد بدارنة

نكبة وحكم عسكريّ مستمرّان

تبدأ قصة فلسطينيي النقب مع التمييز العنصري أبان نكبة فلسطين عام 1948. كانت العصابات الصهيونية قد هجرت قرابة 90% من عرب النقب. تبقّى في جنوب فلسطين 11 ألف عربي من أصل 95 ألفاً. هجّر هؤلاء إلى سيناء والأردن وغزة أو قتلوا في المذابح الاسرائيلية غير المسجلة والتي تسردها بخوف الذاكرة الشفويّة من روايات كبار السن فقط.

أما عنوان مرحلة ما بعد النكبة في كامل مناطق فلسطين التاريخية هو "الحكم العسكري"، وهي الفترة التي تمت فيها مصادرة أكثر من 95% من أراضي النقب عبر قانون "أراضي الغائبين"، والذي يخول إسرائيل مصادرة كلّ أرض أو عقار غير مسكون. فحُشر، بقوّة السلاح، من تبقّى من أهالي فوق أقل من 4% من أراضيهم.

خلال هذه العقود، طورت إسرائيل آليات الهدم وضخت مئات الملايين لمؤسسات منها سلطة "توطين البدو وتطوير النقب"، وهي المؤسسة المسؤولة عن كل ما يتعلق بتطبيق الرؤية الإسرائيلية في النقب، فعبرها تنفّذ عمليات هدم البيوت وتخطيط تهجير القرى العربية والتفاوض مع البدو. كما تملك هذه السلطة وحدة شرطية عسكرية خاصة بها تدعى وحدة "يؤآف". وقد سميت بهذا الاسم تيمّناً باسم الحملة العسكرية التي احتلت مدينة بئر السبع عام 1948. فيرى بدو النقب سلطة " توطين البدو وتطوير النقب" على أنّها "الحكم العسكري المستمر في النقب".

تبدأ قصة فلسطينيي النقب مع التمييز العنصري أبان نكبة فلسطين عام 1948. كانت العصابات الصهيونية قد هجرت قرابة 90% من عرب النقب. تبقّى في جنوب فلسطين 11 ألف عربي من أصل 95 ألفاً

وتتكلّف بنفقة هدم بيتكَ

لاحقت اسرائيل علي القرعان من النقب الغربي وحولت حياته إلى جحيم لسنوات، فهدمت وحدة يؤآف الإسرائيلية منزله ثلاث مرات. "بعد إعادة بنائه للمرة الرابعة قامت الوحدة بتجريف وتحميل ركام منزلي في شاحنات. كما قامت بهدم الحظيرة ومصادرة أربعين رأساً من الأغنام هي كل ثروتي"، يقول القرعان لرصيف22، ويضيف: "عند توجّهي إلى السلطات لاسترداد أغنامي، طالبتني سلطة حماية الطبيعة بدفع مبلغ 60 ألف شيكل إسرائيلي (أي ما يعادل 17800 دولار) وأعلمني موظفو السلطة بنفوق أربعة رؤوس منها. ثمّ طالبتني سلطة تطوير النقب بدفع مبلغ 70 ألف شيكل أخرى (حوالي 22000 دولار) هي تكاليف هدم منزلي".

وإذا لم يدفع القرعان المبلغ الأوّل، فسيتم بيع أغنامه في مزاد علني. أما إذا لم يوفّر المبلغ الثاني خلال أسبوعين فسيُسجن.

يختم حديثه: "الظالمون لم يتركوا لي عيشاً هنا، كل مكان في الدنيا فيه إنسانية إلا عند الإسرائيليين. أريد أن آخذ أطفالي وزوجتي وأضع خيمة عند جسر الملك حسين وأطلب اللجوء".

تصوير: محمد بدارنة

تتحكم سلطة " توطين البدو وتطوير النقب" بميزانيات ضخمة معدة لتمويل تطوير القرى العربية وتخطيط شكل التجمعات المعترف بها منذ عام 2000 بالإضافة إلى تخطيط القرى مسلوبة الاعتراف. تقدر الميزانيات بمئات ملايين الشواكل، لكن يُصرف أكثر من 60% منها في تطوير آليات هدم البيوت حسب تقرير مراقب دولة إسرائيل.

تهدف إسرائيل عبر ممارسات الهدم هذه إلى تدمير المحاصيل الزراعية، ومصادرة المواشي، والملاحقة الجنائية وتغريم أصحاب البيوت المهدومة بتكاليف هدم بيوتهم. وقد تصل هذه التكاليف إلى 50 ألف دولار، فيُغادر البدو أراضيهم ويتنازلون عنها في المحاكم الإسرائيليّة. حيث أن الحالة الوحيدة التي نعترف فيها "دائرة أراضي إسرائيل" بملكية بدو النقب على أرضهم هي عند تنازلهم عنها. من جهة أخرى، لا تعطي إسرائيل بدائل للأهالي عند هدم بيوتهم، ولكن قد توفّر دونم أرض في القرى المخططة والمكتظة التي يعتبرها الأهالي اليوم مخيمات فقر، كبديل عن كل 100 دونم يتنازل عنها صاحبها.

"الظالمون لم يتركوا لي عيشاً هنا، كل مكان في الدنيا فيه إنسانية إلا عند الإسرائيليين. أريد أن آخذ أطفالي وزوجتي وأضع خيمة عند جسر الملك حسين وأطلب اللجوء"

تدمير بحجّة التطوير

تنفذ إسرائيل في النقب اليوم خطط التهجير تحت غطاء التطوير والتنظيم، فقد تم الكشف مطلع عام 2019 عن 11 مخططاً جديداً يهدف في المحصلة إلى تهجير أكثر من 40 ألف عربي ومصادرة أكثر من 400 ألف دونم من الأراضي.

أما عام 2018 وحده فتمّ هدم 2775 منزلاً تفاخر به وزير الزراعة الإسرائيلي أوري أريئيل كعدد قياسيّ أكبر من عدد البيوت التي هدمها الاحتلال في نفس العام في كافة مناطق فلسطين التاريخية مجتمعة. ومنذ العام 2013، هدم في النقب قرابة 11 ألف منزل يسكنه فلسطينيّون في الجنوب.

ومن بين هذه المخطّطات التي تُعنون بعناوين برّاقة كالتطوير والتخطيط؛ مخطط شارع 6، أو مخطط استكمال شارع "عابر إسرائيل" يصادر على المدى البعيد نحو 33 ألف دونم. ومخطط منطقة الصناعات العسكرية الكيماوية "رمات بيكع"، الذي يهدد بتهجير نحو 5000 فرد ويصادر نحو 114 ألفاً و394 دونماً. ومخطط مناجم الفوسفات "برير وزوهير" الذي يهدّد بتهجير قرابة 11 ألف مواطن عربي، وسوف يصادر نحو 26 ألفاً و354 دونماً. ومخطّط منطقة التدريبات العسكريّة الذي يهدّد بتهجير نحو ثلاثة آلاف عربي، ومصادرة نحو 60 ألف دونم. والقائمة طويلة والأمثلة لا يمكن حصرها هنا.

يختلف موقف الفلسطينيون في النقب على موقف القيادة السياسية وأدائها، ويشعر كثيرون أن النقب يترك وحده في مواجهة التهجير.

وفي سابقة تاريخيّة، كان الغضب الشعبي في فلسطين أسقط إحدى هذه المخطّطات عُرف بمخطّط برافر. ففي نهاية العام 2012 حاولت إسرائيل سن قانون برافر الاقتلاعي، والذي هدد قرابة 40 قرية بالتهجير الكامل ودفع أكثر من 130 ألف عربي إلى التهجير القسري. لكن قاد شباب النقب وناشطون من كامل مناطق فلسطين والشتات حملة واسعة لإسقاط المخطط.

يقول الباحث في الجغرافيا السياسية والحقوقي مروان أبو فريح، وهو عضو في الفريق الذي كشف مخطّطات التهجير العام الماضي، لرصيف22: "تطور إسرائيل منهجيتها في النقب بشكل مستمر. فبعد إسقاط مخطط برافر الاقتلاعي، اعتمدت سياسة التفريق وفرض الأمر الواقع. تدخل آليات الهدم والدوريات الخضراء القرى بين ليلة وضحاها وتبدأ بالعمل، تزرع الاشجار أو تهدم المنازل وتدفع إلى التوجه للمحاكم إذا لم يعجب الأمر أصحاب الشأن. وعند التوجه للمحاكم يكون الأهالي قد قبلوا ضمنياً نتيجة توجههم وفي حال قبلت المحكمة ادعاء الدولة، يتمتع سلب الأرض بغطاء قانوني. وقد حصل كثيراً أن توجهت عائلات من النقب لتحصيل أمر قضائي لمنع العمل في أرضهم، ترفض المحكمة طلب الأهالي ويصبح التشجير أو الهدم شرعياً بغطاء قانوني".

في العام 2018 وحده تمّ هدم 2775 منزلاً تفاخر به وزير الزراعة الإسرائيلي كعدد قياسيّ أكبر من عدد البيوت التي هدمها الاحتلال في نفس العام في كافة مناطق فلسطين التاريخية مجتمعة

قصص صارت رمزاً

يقاوم فلسطينيو النقب ممارسات سلطات الهدم بالاحتجاج والصمود الفطري في أرضهم. ومن القصص ما أصبحت تتمتّع بمستوى رمزيّ كقرية العراقيب مسلوبة الاعتراف والتي هدمت في الأسبوع الأخير للمرة الـ180 بهدف تهجير أهلها وزراعة غابة فوق أرضهم. لكنّ الأهالي قاموا بإعادة بناء منازلهم بعد كلّ عمليّة هدم.

وهناك أيضاً قرية بير هداج في النقب الجنوبي، وهي القرية الوحيدة في الداخل الفلسطيني التي حقق أهلها عودة كاملة إلى قريتهم، فبعد طردهم عام 1947 عادوا إلى أرضهم عام 1952 ثمّ طردوا بشاحنات الجيش الإسرائيلي عام 1956، ليعودوا بعدها بأعوام ويجبروا السلطات الإسرائيلية على الاعتراف بهم.

أطفال من قرية رخمة يشاهدون صديقتهم أميرة وهي تحلّق فوق بيتها المهدوم | تصوير: محمد بدارنة

ومن بين قصص الأفراد الرّمزيّة في النقب هي قصّة الحاجة المتوفاة فضية أبو قردود، امرأة ستينية هدمت إسرائيل منزلها فنصبت خيمة أمام مبنى "الكنيست الإسرائيلي" وقضت فيها قرابة 6 أشهر حتى اعترفت إسرائيل بمنزلها مرغمة.

يختلف موقف الفلسطينيون في النقب على موقف القيادة السياسية وأدائها، ويشعر كثيرون أن النقب يترك وحده في مواجهة التهجير. لكن يجمع أهالي النقب على أن صمودهم في أرضهم حتّى وإن هُدمت بيوتهم أو ضاق عيشهم هو خطهم الأول للدفاع عن وجودهم في النقب. ولعلّ هذا الدفاع يجد دوماً طرقاً للتعبير، ففي مضافة محمّد أبو قويدر في قرية الزرنوق يخرج بيت شِعر بدويّ من فم شيخ ثمانينيّ: "الحر دومن تلقاه ناصب في أرض جده وأبوه عِزه.. ولو يميل الزمن وتميل المراجل ما يميل من الرجل الحر إلا عقاله".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard