الشيطان كما يرى نفسه

الأحد 24 يناير 202102:37 م

"ماذا قلت؟".

"لم أقل شيئاً".

"لا، لقد قلت شيئاً".

دار هذا الحديث بيننا، أنا وصديقتي، ونحن منتشون بالموسيقى، نتنفس الورق الأخضر المبهج والمريح للأعصاب، ونقرقش الكور البنية الغامقة، المرّة جداً، والمسببة للهلوسة. سيل من الصور والانفعالات الحادة، اتفقنا على أن نسمي تلك المشاعر التي نختبرها بـ "أحاسيس لا اسم لها"، والكائنات التي نراها بـ "الكائن الذي لا اسم له".

أنوار تبثق من الظلام وتتلاشى، ووجوه مبتسمة وعابسة، تتراءى لنا في جنبات الغرفة، تقول صديقتي إنها سمعتني أردد "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، ولكني حتى كتابة هذا المقال، أصرّ أني لم أقل تلك الجملة، خاصة أني رأيت وجهاً أفريقياً، يدهن الألوان البيضاء والحمراء على وجه الذي تتلاعب الألوان فيه، بين الأخضر والأسود والأحمر، وجه أشعر بطاقته القوية الجامحة، البربرية، المعادية للحضارة، الذوق والأخلاق كما نعرفها، ونتخيلها.

الشيطان في حكاية أبي

عندما كنت صغيراً، كنت كثير السؤال، كغيري من الأطفال في تلك المرحلة المبكرة من الحياة، ولكن والدي منعني بشدة من أن أتساءل أو أشكك في المسائل المرتبطة بالدين، ودعم أفكاره بقصص عن النار والصالحين.

وكما بقية الكائنات، ناعمة الأظافر، رأيت والدي ووالدتي كما السحرة، الخبراء بشؤون الحياة، يعرفون كيف يسكنون، ويأكلون، ويمتلكون أوراقاً سحرية تؤهلك لدخول الجنة/البقالة، وتأكل، وتلبس، وتلعب بما تحب.

كنت أعتقد، كما علمني أبي، أني أعيش في عالم منظم، عادل، لا عليك سوى بذل المجهود والاتكال على الله، خالق هذا النظام والعدالة. جميلة هي الحياة عندما تلعبها بقواعد واضحة يضعها الكبار الخبراء.

انكببت على قراءة قصص الأبطال، الأنبياء وأصحاب الرسول "الصحابة"، ربما أصبحت أكثر وعياً الآن، بأن تراثنا الروحاني "الإسلامي السني والصوفي"، يتبع أنماطاً متشابهة لأبطاله، فدائماً البطل "النبي والصحابي والولي" هو المطيع لله، هو بشر مثل البقية، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فقط هو يتواصل مع الله باصطفائه له وطاعته، ودائماً الناس هم اللاهون العابثون المستهزئون، الذين يخسف بهم الأرض في نهاية القصة، بعد أن ينجي عبده المطيع، المستقيم، الصالح، "ثلاثي صفات البطولة"، والمعجبين المؤمنين به.

رأيت الدلافين، كما نرى شكل سحابة رائع في السماء.

حتى وقع ذات مرة أن رأيت الدلافين، كما نرى شكل سحابة رائع في السماء، كما نلاحظ شكلاً غرائبياً على فنجان القهوة، لحظات غريبة وبسيطة منسية في حياة مليئة بمشاعر صادمة، وحواس مدمنة للكثافة.

كان أخي في السفينة، التي كانت تقلّنا من ميناء جدة (محل ميلادي وإقامتي حتى التخرج في الثانوية العامة) إلى ميناء السويس، مشغولاً بمطاردة فتاة، وفي اكتشاف كل السبل الممكنة لشدّ انتباهها وصنع تفاصيل تضفي على سفره حكاية ورائحة.

حينها، رأيت الدلافين في المنطقة التي تهتز فيها السفينة في منتصف الرحلة، ولطالما حذرنا عاملوها من الصعود إلى سطح السفينة، يقولون لي إنها المنطقة التي أغرق فيها الله فرعون، ولكني صعدت إلى سطح السفينة المتمايلة بشدة، كانت الدلافين تمرح وتلعب، هزني المشهد وأنا ما زلت في بدايات المرحلة الثانوية، هذا التناقض الشاسع بين الدلفين الذي يلهو في المنطقة الملعونة، والبشر الخائفين المذعورين.

"أراكون" والعمالقة

جذبني في العلمانية، وكل الأفكار المستقاة من اجتهاد الإنسان لا من وحي الإله، هذا التقدير للتفكير والشك والقلق المعرفي، ولكن ظلت الصورة المقدسة محتكرة للإنسان الصالح، الطاعة والصلاح والاستقامة.

وأنا أحاول اكتشاف إبليس، من بين الآلهة القديمة الذين أبحث عنهم، جذب انتباهي تصور الغنوصيين، آخر أديان الوثنية الأوسع انتشاراً، عن إله موسى، هؤلاء الذين حُرقت معابدهم وصُلبوا، دون أن يحظوا حتى بالذاكرة البشرية، تم محوهم كما تمحي الصحة ذكريات الحمى والصداع، وربما العكس، ولكن قاتليهم أرادوا لنا أن ننساهم.

من ظهر لإبراهيم وأبنائه هو "أراكون"، بحسب كهنة غنوصيين، الذي يعمل على تدمير نفسية البشر، عن طريق الخوف والكبت، ثم تدمير الكوكب، ليتربع على عرش الخراب الكبير قائلاً: "لمن الملك اليوم؟"

بحسب مطويات نجع حمادي، فإن من ظهر لإبراهيم وأبنائه هو "أراكون"، الذي يعمل على تدمير نفسية البشر، عن طريق الخوف والكبت، ثم تدمير الكوكب، ليتربع على عرش الخراب الكبير في النهاية، قائلاً لأصدقائه وأعدائه من الآلهة: "لمن الملك اليوم؟".

يسيطر "أراكون"، بحسب تلك القبائل الهمجية (التي طهّر المسيحيون الأوائل الأرض من نجاستهم) على الناس، بالخوف والكبت الروحاني والنفسي والعقلي والجنسي.

إذا نظرت لامرأة "أجنبية" استغفر الله، "لا تقربوا الزنا"، محظور الاقتراب أو التصوير، وإن فكرت في معنى حياتك، استغفر الله وافتح الكتاب المقدس، إذا رأيت في هلوسات خلوتك كائنات أخرى، غير المنصوص عليها بأنها ملائكة، فهي شياطين، وكل ما تقوله لك وسوسة وإغراء هلاكي واستهلاكي.

الشيطان في نظر الوثنيين الكفرة (الغنوصية) هو "إله موسى وعائلة إبراهيم"، بحسب مطويات نجع حمادي، وهي صورة أقرب لنا في نظرتنا لـ "الشيطان"، ولكني انجذبت كثيراً كما الناس البدائية (الكائنات التي تصدق مشاعرها الحادة والعميقة المتواصلة مع الطبيعة) إلى إله البحار، العمالقة التي تحدث عنهم ماتياس ستيفاني، الروحاني الإيطالي، في موقع "جايا". عملاق روحاني يلهم الحيتان والدلافين ويكره البشر، يسكن تحت الأرض وفي الأماكن الباردة المهجورة، هو ذلك الكائن المخيف الذي يغرق الأرض على البشر كل بضعة آلاف من السنين، عندما يتمادون في تخريب الكوكب.

بحسب رواية ماتياس ستيفاني، فإن هذا "الشيطان" كان يرفض وجود البشر ككائنات عاقلة ومسؤولة، لأن البيئة البرية على عكس البحر، المشي على قدمين والهواء والشمس، هو مناخ لنشوء الكائن البربري، الهمجي، المنتشي بالتدمير والخراب، وإن كان لكائن أن يكون مسؤولاً وعاقلاً فينبغي أن يكون ذلك الكائن الذي يعيش في وسيط مائي وليس بري.

رفض "الشيطان" وجود البشر ككائنات عاقلة، لأن البيئة البرية،المشي على قدمين، والهواء، والشمس، هو مناخ لنشوء الكائن البربري، الهمجي، المنتشي بالتدمير والخراب، وعمل في البحر على الدلافين

البحار، بحسب هذا "الشيطان" الذي ينصب عرشه على الماء كما جاء في كتب الحديث والسنة، قادرة على التقاط ذبذبات الطبيعة، خسوف القمر والشمس، حركات النجوم، وتسقيها لآذان الكائنات المائية، فتعكس حركتهم في البحر حركات الكواكب والنجوم والمجرات في السماء.

ترك الشيطان البشر، واعتنى بالكائنات البحرية التي تحوي خلايا عقلها على تعقيد أكبر، وبدأ يلهمها بلغة صوتية غامضة لنا نحن البشر.

وعي الدلافين

تعلم البشر من احتكاكهم بالدلافين الكثير، لكن أكثر ما شد انتباهي هي عدم قابلية الدلافين لهذا النوع من الاستغلال البشري المدمر للكوكب والكائنات الحية الأخرى، هذا ما تعلمناه من مختبرات المخابرات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية.

لا يمكن عند حديثنا عن "وعي" الدلافين تجاهل جهود عميل مخابرات أمريكية سابق، وأستاذ روحاني مخرف، لإسهاماته الفريدة في فك شفرة لغة تلك الكائنات البحرية، جون ليلي.

حاول عميل المخابرات تخدير عقل الدلافين لاستغلالها في عمليات عسكرية بحرية، فلم يستطع، لأنهم عكس التركيبة الجينية البشرية "يعيشون بطريقة واعية، ويتنفسون بوعي، وإذا غاب وعيهم توقف تنفسهم"، بحسب تقرير نشرته صحيفة "الغارديان"، عن كتاب "الإنسان والدولفين" لجون ليلي.

في نهاية حياته، التي قضى معظمها بصحبة الدلافين، صك ليلي مصطلح "دولفينولوجيا"، وبات زعيماً لطائفة روحانية تدعو إلى دراسة العقل البشري عبر الدلافين، وقدم وصفاً للأنظمة الصوتية والبصرية للدلافين.

بكلمات موجزة، معبرة، كتب: "خطؤنا هو ما نحمله داخلنا من الشعور بالعار، الذنب والكبر".

وأنا أنهي هذا المقال، تذكرت تلك اللحظة التي رأيت فيها الدلافين، ورجعت إلى كابينتي والسفينة تتأرجح بي. جلست على السرير متمتماً بيني وبين نفسي في خوف: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard