في مديح الكاكاو الذي لا يشربه "الرجال"... أو الوحدة

الاثنين 22 يونيو 202009:04 ص

اندهشت صديقتي عندما أخبرتها بجدوى أن نتخذ الوحدة جميعاً كنمط حياة، وماذا يمتلك الإنسان، ويمكن أن يعيشه عندما يكون في الغرفة وحيداً؟

ذكرتها بكتاب رائع أثر في كثيراً في بدايات شبابي "غرفة تخص المرء وحده"، وأني أشعر أن كاتبته، فرجينيا وولف، لم تكن فقط تكتبه للنساء، التي ترى أن العقل الصافي المبدع لا يحتاج سوى غرفة تخصه وحده، وتطالب للنساء بأن يكون لهن تلك الخصوصية وهذا الاحترام الذي يلقاه الرجل في زمانها.

في زماننا، حيث سعار المادة، انتشار السوشيال ميديا، مغريات الوفرة وعقد الندرة، هل يستطيع المرء أن يثمن جلسته وحيداً أمام شاشة اللاب توب؟

تظل ثغرة وتساؤلاً كبيراً يطرحه الكتاب ولا يقدم إجابة له: فيم سيكافئ الكاتب على كتابته؟ ما الذي يستدعيه للسهر أياماً وليال لاكتشاف التركيب المناسب لصياغة جملة تثير في نفس القارئ انفعالاً جمالياً، ككتابات شكسبير التي تستشهد بها فرجينيا وولف.

لتسأل نفسك بعد كل هذا: هل كان الأمر يستحق؟

لن تجد أحداً يجيب هذا التساؤل سوى الوحدة التي اختبرها الكثيرون في كورونا، حيث لا علاقة مع البشر، فقط مع نفسك والأشياء.

لا شيء في الوحدة، سوى أنت والأشياء.

كم هو مرعب.

لن تجد أحداً يجيب هذا التساؤل سوى الوحدة التي اختبرها الكثيرون في كورونا، حيث لا علاقة مع البشر، فقط مع نفسك والأشياء.

الأشياء بوابة الوعي

الأشياء.

نحن نلعن الأشياء، وكلمة "تشييء" تستخدم كثيراً في سياق تجريد الإنسان من روحه وتحويله لأداة للاستخدام، هكذا نفهم جملاً مثل "تشييء المرأة". إنها لحياة تدعو إلى الرثاء أن تقضي معظم أوقاتك مع الأشياء.

وقد استخدم عالم النفس الألماني، آريك فروم، في كتاب "التملك والكينونة" "الأشياء" للتمييز بين مجتمعات تتمركز حولها، أو مجتمع يتمحور حول الإنسان، ووضع الملكية في مقابل الكينونة، وكأن الحاكم في علاقتنا بالأشياء هي الملكية، وليست الحميمية.

لم يتحدث فروم عن علاقة الناس ببعضها أو علاقتهم بالأشياء، ولكن حول محور الاهتمام والتركيز، إذا كان الأشياء فهي الملكية، وإن كان الإنسان فهو الكينونة.

ربما خربت المنظومة الليبرالية الحديثة، ممتزجة بفساد الأنظمة التي نعيش تحت ظلها الوافر، الكثير من علاقتنا ببعضنا، ليصبح مشهد كورونا رمزياً بامتياز، فبعد أن حولتنا الليبرالية لمصدر ربح محتمل، وأصبح أصدقاؤنا وأحباؤنا مجرد زيادة في رصيد "الرأسمال الاجتماعي"، حولتنا كورونا إلى مصدر تهديد محتمل.

الحميمية الغائبة

في الماضي كانت الوحدة تعني أن تكون مع الطبيعة، بعيداً عن البشر، وفي عزلة الصوفيين والرهبان الأوائل نستطيع أن نستشف بداية علاقتنا مع الأشياء، وصوّر الرهبان المصريون الأوائل العالم الاجتماعي بمغرياته كإغواء شيطاني يتجلى لهم في عزلتهم "المباركة".

ولكن هذا التأمل يتطلب الوحدة، الوحدة الكاملة التي تحدثت عنها فرجينيا وولف، لتجلي العقل الإبداعي كاملاً بلا معطل، في كتاب "غرفة تخص المرء وحده".

في إحدى تقنيات التأمل، تقول سوترا هندية قديمة: "تأمل الأشياء بحب"، ولكن الفيلسوف الفرنسي غوستاف باشلار في كتابه "الأرض وأحلام يقظة الإرادة"، تبنى علاقة الإنسان بالأشياء التي يسودها الفعل كبوابة لفهم الوعي، وسماها "الإرادة": "الإرادة التي تكشف الخيال الفعال، حلم يقظة إرادة"، وثمّن قيمة كل ألوان طيف المشاعر، من الغضب والاستفزاز إلى إرادة التحطيم.

كشف لنا باشلار في كتابه الحميمية الغائبة في علاقتنا بالأشياء، بملمسها، شكلها ورائحتها.

تستفز الأشياء أحياناً نفس الأصوات التي يستفزها ألذ العلاقات حميمية "الجنس"، مثل أن تأكل طعاماً حلواً ساخناً كالبطاطا الحلوة، حيث تتعاون الأسنان واللسان والنفس والحنجرة لإصدار صوت التلذذ الجنسي، وكثيراً ما نستخدم استعارات الأشياء للتعبير عن حميمية حسية، مثل الشوكولاتة، الملبن، العسل والزبدة، كل حسب ثقافته.

لكل شخص منا تاريخ خيالي خاص بالأشياء، ففي الطعام مثلاً يمثّل المطبخ للإنسان منذ الطفولة علاقة خياله بالأطعمة والروائح والألوان والأشكال المرتبطة بالشهوة والرغبة، أتذكر وأنا أقلي البطاطس كيف كان طعم الطعام أحلى أثناء إعداده، كنت أحب أن آكل المحشي، الأرز النيء، الكبدة والبطاطس، فور خروجها من الطاسة.

هناك أيضاً تابوهات كل الأشياء التي تحبها وتعاكس الذوق العام، أذكر أني كنت أحب مياه المخلل كثيراً، وأني فور استقلالي عن بيت الأسرة كنت أستقبل به صباحي، رغم ضرره الصحي، وكأن شربي له يمثل انتصار إرادتي.

اللعب بالعجين ومراقبته في بيت جدتي حتى خروجه من الفرن، يثمن باشلار كل المواد الدبقة، التي تترك أثراً على اليد، تلك التي تثير تقزز البعض، ولكنها تؤثر في روح الإنسان الأخلاقية أكثر من المواد الصلبة، تجعله رقيقاً، حنوناً.

في تأملي لانفعالي الغاضب، جعلني أجد رابطاً قوياً في موقف المتأملين من الجنس، موقف طالما حيرني، كيف يربطون الجنس، وهو طاقة حياة، بانفعالات أخرى مثل الغضب والانفعال

انتصرت على "البُقَع"

كنت أتحدث لصديق عبر ماسينجر، وأنا أحكّ ما تبقى في قعر الحلة من بقايا طعام الأمس. معركة. كلما حككت وتعنتت معي البقع، أُستثار فأحكها أكثر، إنها لذة، وصديقي يصيح: ما هذا الصوت المقزز، وأنا مستمر لما يقرب من دقيقة حتى انتصرت على البقع.

تنهدت عميقاً، لقد انتصرت.

يقول باشلار: "الصوت الذي يؤذي يثير"، "صرخات فزع المادة الصلبة تثير النزعة الهجومية" فينا، و"لكن الغضب لا يحطم"، فنحن لا نحطم الأطباق عصية الدهون، ولكن نستمر، "يستدعي الغضب التسريع"، "هذا الغضب يتكلم، يتحدى المادة، يشتمها، ينتصر عليها، يضحك، يسخر، ويمارس الأدب".

يقدر باشلار وعي العامل الحرفي الذي يغضب من المادة فيؤدبها، غضب يستدعي "الحيلة في سيولة عجيبة"، بفضل وعي الحرفي في الغضب اكتشفنا أننا جدد، ودُعينا إلى حياة جديدة، و"من لا يعرف الغضب لا يعرف الفوري".

ويسمي العمال بعض الرخام الشرس صعب المعالجة بـ"الرخام المتكبر"، وعندما ينتصر العامل، فإن "الطبيعة بأسرها هي التي هُزمت في إحدى موادها، والإنساني بأسره هو الذي انتصر في معركة يوم واحد".

في تأملي لانفعالي الغاضب، جعلني أجد رابطاً قوياً في موقف المتأملين من الجنس، موقف طالما حيرني، كيف يربطون الجنس، وهو طاقة حياة، بانفعالات أخرى مثل الغضب والانفعال.

في دراسة الخيالات الصورية الأولى التي يراها باشلار منفصلة عن العمل، ولكن تكتسب حيويتها من المادة: كيف أثرت فينا الأشكال الصلبة، استفزت فينا الغضب والانفعال؟ فالحداد يثيره صوت المطرقة على السندان، يستفزه للفعل أكثر، والنجار يشعر أنه يسلم نفسه للخشب، يحقق حلمه في استخراج كل الأشكال الجمالية والملائمة منه.

لقد ساهمت الأشياء الصلبة في جعلنا غاضبين، مقاومين وانفعاليين، بحسب باشلار.

هذه هي المواد الصلبة، التي بدأ يتعامل معها الإنسان بعد اكتشافه المعدن واستخدامه، ولكن ماذا عن المواد الأقل صلابة؟

بحسب باشلار، كلما كانت مادة الأشياء التي تتأملها أقل صلابة، كل ما كان تفكيرك مرناً ومتسامحاً وأخلاقياً، وهذا ما شكّل طباع الإنسان في عصر ما قبل اكتشاف واستخدام المعدن والأشياء الصلبة.

إيزيس

أسمّي حالة الوعي الذي تأتي لكل المتبنين الوحدة كنمط حياة، مؤقت أو دائم، وعي سحري أو ضبابي، حيث يخضع العالم بالكامل لمشاعرنا وخيالاتنا، تتضخم الأصوات الصغيرة مثل حركة الباب، اشتعال نار البوتوغاز، خطواتنا بالشبشب، وتغدو تجربة كالاستحمام، الحلاقة وإعداد القهوة، ثرية للغاية.

قديماً، ويمكن الاستناد إلى كتاب "بخور الآلهة" وتقنيات كارل يونغ في "الكتاب الأحمر"، كانت تعتبر الوحدة هي الحالة الأصيلة للإنسان، وكثيراً من "القدرات الخفية" تظهر بشكل روتيني لكل الانطوائيين، في الوحدة حيث أنت إلهك، يمكن أن تختلق شخصية أسطورية وتلاعبها، وتتحدث إليها، وتستشيرها.

عرفتني نمط الوحدة الطويل بـ"آلهة"، كإيزيس وماريا والهندي الأحمر، وجعلوني أكتشف عوالمي الداخلية، ما أرغب أن أعيشه حقاً، بعيداً عن مرايا عيون أصدقائي وعائلتي، وأعود بالتاريخ لآلاف السنين، وأكتشف سحر الحياة في المجتمعات الزراعية ما قبل الحضارية.

عرفتني نمط الوحدة الطويل بـ"آلهة"، كإيزيس وماريا والهندي الأحمر، وجعلوني أكتشف عوالمي الداخلية، ما أرغب أن أعيشه حقاً، بعيداً عن مرايا عيون أصدقائي وعائلتي، وأعود بالتاريخ لآلاف السنين، وأكتشف سحر الحياة في المجتمعات الزراعية ما قبل الحضارية

هواء وزخات مطر

حببتني تلك الآلهة في كل المشروبات التي يكرهها أصدقائي الرجال، لأنها "بترخي العضلات"، مثل الكاكاو والشيح، وسحرتني تلك الصور العتيقة التي كانت ترمز في عصر ما قبل الحضارات إلى حميمية الذكر الجنسية، بحسب كتابات فراس سواح. الهواء وزخات المطر على الطمي، كانت هي المعادل الرمزي للقضيب بحساسيته الحيوية، وعرفت إجابة سؤالي الأهم: كيف تحولت "الفحولة الجنسية" من زخات المطر إلى دقات المسمار؟ من المشاعر إلى العضلات، كيف مُسخت كل تفاصيل الليونة "المرقعة"، اللحس والمص، إلى أوضاع جنسية، تقدر الفعل الحركي الكثيف والحاد؟

كيف أصبحت غريزة الجنس محاطة بكل هذه الإدانة والإسفاف والاستهلاك الرخيص، وهي طاقة الحياة والتي تملك التعبير عن أعلى مشاعر الحب والروحانية، التناغم، التنعم والتلذذ بالوجود نفسه.

لم أكن لأستطيع، بعد أن تحولت غرفتي إلى رمال ذهبية، وخرجت إيزيس بصوتها الناعم وعيونها اللامعة بالسحر والوعود، تقول لي افتح قلبك لمشاعر جديدة، الكون يتغير، أن أمارس الجنس وأنا فوق صديقتي، أنزلق تحتها، وأرى في ملامح جسدها الشبقي، تأوهاتها ولمعان عينيها الناظرة إلى البعيد، صورة إيزيس، فرحة، مبتهجة بجسد أوزوريس الذي أحيته بعد موات.

ساعدتني تلك الآلهة، أو أصدقائي الشياطين كما أحب أن أسميهم، في تقدير حالات الوعي البطيئة، تلك التي تحول الدقائق إلى ثوان، والساعات ربما لأيام، سواء عبر تقنيات تأمل النفس البطيء، أو بمساعدة المشروم السحري أو حبات جوزة الطيب.

تشرب الدخان وتراه يتصاعد من فمك بطيئاً، بطيئاً، سابحاً في ضوء شمعة خفيف، مصحوب بموسيقى مرهفة، يا للآلهة أي عالم رائع وساحر نعيش فيه.

بلغة كارل يونغ، وهو أحد أبرز مناصري "الوعي الانطوائي"، أطلق على ما تراه في وحدتك الطويلة هو "الخيال الخلاق"، والهلاوس أو الرؤى التي تؤثر في طباعك وطريقة تفكيرك، اسم "الصور المسيطرة".

في عالم يقدس "الانبساطيين"، ضاج بالحركة المجانية، الاستهلاك الرخيص والعصاب الذي عجزت عيادات الطب النفسي عن استئصاله، ربما علينا أن نتذكر أن أبرز الشخصيات المفكرة في التاريخ، لازالت تسيطر على وعي الكثيرين وكأنها سحر لا فكاك منه، بأفكارها ورؤاها التي انبثقت لها في الوحدة طويلة الأمد، أحدهم قضى زهرة شبابه كلها تقريباً في غار جبلي، لتتغير حياته وأصدقاؤه وجيله، بل والملايين حول العالم، إلى أكثر من ألف عام.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard