إليك "الحياة الطبيعية" في بلادي أو "الرجاء البحث عن بلد آخر تعيش فيه"

الثلاثاء 19 يناير 202101:52 م

الحياة الطبيعية هي إحدى أقل المتطلبات التي يحتاجها الإنسان للاستقرار والسعي من أجل تحقيق أهدافه، تختلف أشكالها بحسب قدرة البيئة الجغرافية التي يسكن فيها الفرد، كما أنّها تطورت متطلباتها مع التقدم الحضاري والزمني.

ندخل عام 2021 في بلادنا ونبحث فيما بيننا عن المعنى الحقيقي لكلمة " طبيعي". كنّا ننتظر انتهاء القتال والرصاص لنعيش الجزء المهم من شبابنا بوضعه الاعتيادي مع نظيره في كل الأماكن، نراقب الأخبار باهتمام بالغ لنسمع تطورات الأوضاع وهل بقي لدينا الكثير لنسترجع ما فاتنا؟! 

خلال السنوات العشر الأخيرة، قمت بزيارات كثيرة إلى العديد من المحافظات السورية، بعضها بسبب العمل وبعضها الآخر للوصول إلى ما تبقى من "جزء سياحي" في سوريا، كل محافظة أو مكان في هذه البلاد نال نصيبه من الحرب، لم يتساوَ الجميع بكمية الضرر، منهم من كان ضرره يقتصر على الأشياء المادية فقط، ومنهم من كان ضرره بشرياً بحتاً إن كان "الموت أو الهجرة"، كل منهم خسر بشكل مختلف عن الآخر، وكل مكان من هذه الأماكن قادر أن يمدّك بخساراته وقادر أن يجعلك جزءاً منه بشكل أو بآخر، إمّا بذكريات أو بأحاديث جميعها تصب في طرف واحد ولصالح جهة واحدة.

ضمن كل هذه الأحداث والتغييرات التي طرأت على هذه المدن وتقديمها لـ"حياتها الطبيعية" بالشكل الذي رسمته لنفسها، بقي هنالك عدّة أماكن لم تستطع العودة لحياتها الطبيعية حتى يومنا هذا. وبإمكانك معرفة "حياتها الطبيعية " بجولة وحيدة فيها، قد لا تحتاج لأكثر من حديثين مع أهلها لتعلم أن لا شيء بإمكانه تقديم هذا المكان بالشكل الذي أراد أن يكون به.

الازدحام على كل مطلب بشري هو شيء طبيعي، اللباس العسكري في الشوارع هو أحد أشكال الحياة الطبيعية، إمكانية أي شخص في سوريا أن يطلب هويتك هو أحد الأشكال الطبيعية كذلك

بداية من العاصمة دمشق التي حتى يومنا هذا لم تلتزم تجاه سكّانها بأي من واجباتها، من السهل رؤية ما يدور في بال سكانها من خلال التجاعيد المبكرة الظاهرة في وجوههم، تقدم دمشق مجموعة من "الانفلوانسر" الذين يرون البلاد خلف شاشاتهم بوضع طبيعي جداً، لا يعرفون عن التأثير في الناس سوى من خلال ماركات الملابس والمكياجات، أغلب الإنتاجات السينمائية هي لمجموعة محددة من الأشخاص، أصبح من غير الطبيعي ألا ترى خلال السنة الواحدة أكثر من إنتاج واحد لشخص محدد، كما أنّه من غير الطبيعي ألّا تكون أعمال الدراما تتحدث عن الحرب.

الازدحام على كل مطلب بشري هو شيء طبيعي، اللباس العسكري في الشوارع هو أحد أشكال الحياة الطبيعية، إمكانية أي شخص في سوريا أن يطلب هويتك هو أحد الأشكال الطبيعية كذلك.

الفساد أصبح من الأشياء الأكثر ثباتاً في بلادنا، تتعامل معه وكأنه واجب ومسؤولية يجب تحملهما، 500 ليرة سورية ما يعادل ربع دولار أمريكي هي القيمة التي تستطيع من خلالها أن تتجاوز كل حواجز التفتيش بالبلاد، ترتفع هذه القيمة بحسب المكان والمؤسسة التي تقوم بها بأي "معاملة". قبل سنة عملت على إصدار جواز سفر، قبل ذهابي تلقيت نصائح عديدة، واشتركت بنصيحة "اصرف شي 10000 ليرة خليهم من فئة 200 مشان تخلص وراقك بنفس اليوم" وبالفعل كانت النصيحة في مكانها ولكن القيمة ارتفعت من 200 إلى 1000 ليرة. 

قد تبدو لك مدينة الحسكة إحدى المدن المضيفة لكأس العالم نظراً لكثرة أعلام الدول التي تراها فيها.

في قرارة نفسي أحاول أن أبرر لهم بسبب سوء الراتب الشهري لموظف الدولة وعدم مجاراته لأي زيادة في سعر الصرف، الطبيعي أن الدهشة لم تعد تتملكك عند قيامك بهذا الفعل.

لم تعد تستنكر أي رواية من أي شخص، الخطف والسرقة وعدم الأمان أصبحت من مكونات الحياة، ما الغريب في أن تجعل من جامعتك سبيلاً لهروبك من خدمة العلم؟الحقيقة لا شيء غريباً، أصبح الرسوب في الجامعة أحد الحلول الطبيعية التي نستخدمها لحماية أنفسنا من أن نكون وقوداً في ساحات القتال ضمن البلد.

الاكتئاب يسكن فئة الشباب كما أنّه محور ما يمرون به نتيجة انعدام الخيارات، أن تكون في سهرة ما ويعطيك أحد الموجودين حبوباً مخدرة حدث غير غريب، تداول سيجارة الحشيش في العلن هو ضمن هذه الأحداث الطبيعية. 

قلة فرص النجاة تدفع بالشباب السوري للتقديم على كل المنح الدراسية خارج هذه البلاد على الرغم من معرفته بأن النسبة الكبيرة من الأسماء المقبولة تكون قد حددت مسبقاً من الجانب السوري المسؤول عنها.

من غير الطبيعي ألّا يكون هنالك على وسائل التواصل الاجتماعي حدث مشترك نتكلم به كلنا، ومن غير الطبيعي ألّا تجد شاباً سورياً يدرس اللغة الألمانية تحضيراً لسفره – ستصبح إحدى اللغات التي نتكلم بها قريباً جداً إلى جانب العربية – من الطبيعي أن يكون تفكير أي شاب أو فتاة حين بلوغ الـ18 غير متوقف عند الدراسة فقط وإنما يجب التفكير في مصدر دخل.

 لم يعد مشهد المروحيات الروسية والأعلام الخاصة بها المنتشرة في طرطوس حدثاً غير طبيعي، إنّه يمر مثله مثل وجبة الفطور في اليوم بنفس الأهمية، تدخل حلب ولا تستطيع أن تتخيلها بدون "كابلات الأمبيرات"  التي أصبحت جزءاً من الهوية البصرية الخاصة بالمدينة، لا يمكنك أن ترسم في خيالك زيارتك أحد المحالّ وتجد سعر إحدى السلع انخفض، من غير المعقول أن تمشي في مدينة حمص دون مرافقة الدمار الذي يشكل أكثر من نصف المدينة، لا تستطيع العيش في مدينة اللاذقية دون أن تتخيل وجود شخص بإمكانه أن يمحوك من الوجود إن لم يعجبه شكلك على أقل تقدير، قد تبدو لك مدينة الحسكة إحدى المدن المضيفة لكأس العالم نظراً لكثرة أعلام الدول التي تراها فيها.

من غير المعقول أن تمشي في مدينة حمص دون مرافقة الدمار الذي يشكل أكثر من نصف المدينة، لا تستطيع العيش في مدينة اللاذقية دون أن تتخيل وجود شخص بإمكانه أن يمحوك من الوجود إن لم يعجبه شكلك على أقل تقدير

هذه بعض النماذج التي أصبحت تتسم بها "حياتنا الطبيعية" ونحاول أن نخرج منها بأقل الخسائر، مضت فترة طويلة على أي حياة طبيعية قد عشناها، أصبح برنامجنا اليومي منظّماً ولا نتوقع أكثر مما يجري، سقف التوقعات الخاص بنا أصبح ضئيلاً، تم العمل عليه ليكون فقط "من الموجود جود" مع التمني ألا يكون أسوأ.

لم نعتقد يوماً أن يكون للحرب كل هذا التأثير في الشخصية التي نبنيها، اختلفت كل الظروف وكل العوامل المؤثرة التي من الممكن أن تنجينا يوماً ما.

الحدث غير الطبيعي بالنسبة لي هو أننا احتجنا إلى 10 سنين لندرك ما حدث، وأصبحت أقل المطالب لنا رؤية علم بلادنا هو الوحيد الذي يرفرف داخلها.

كل ما يحصل "طبيعي" وأي اعتراض يتم الرد عليه بـ "الرجاء أن تبحث عن بلد آخر تعيش فيه" أو عليك أن تتأقلم معها لأن في رأي محمود درويش "أكبر تنازل تقدمه في حياتك هو أن تتأقلم"، لقد بلغنا أقصى قيمة للتنازل وتأقلمنا.

في بلادي هذه هي الحياة الطبيعية التي نملكها، ذلك الظلام المنتشر فيها بكثرة هو أحد أبرز الألوان التي تشكّل صورتها العامة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard