"اقتنيت بثمنه الزيت والدجاج والخضار"... الفقر يدفع سوريات إلى بيع شَعرهن

الاثنين 18 يناير 202102:45 م

تتسع دائرة الفقر في المجتمعات الخارجة حديثاً من براثن الحرب، كسوريا التي أنهكتها سنوات النزاع الطويلة، ويعيش اليوم تسعون بالمئة من سكانها تحت خط الفقر، وفق أرقام الأمم المتحدة.

كما تتخذ مقاومة هذا الفقر أشكالاً عديدة تفرضها الحاجة، وسط غياب أدنى مقومات العيش، وارتفاع فاحش في الأسعار، إلى جانب انعدام فرص زيادة الدخل. كل ذلك يدفع بنساء وفتيات سوريات لابتكار طرق لمحاربة العوز، كبيع واحد من أسرار جمالهن وأكثر ما يزينهن، والتخلي عن مقولة " تاج المرأة شعرها".

قررت هاجر وهي ربة منزل تقيم في مدينة حمص قص شعرها الذهبي الطويل الممتد إلى أسفل ظهرها وبيعه من أجل تأمين نفقات الطعام والشراب لعائلتها، خاصة بعد تعرض زوجها لحادث دراجة نارية أجبره على ملازمة المنزل والتوقف عن العمل ردحاً من الزمن.

تقول لرصيف22: "لم أجد أحداً يقرضني المال، فالأشخاص المؤهلون لهذه الخدمة ترهقهم مصاريفهم الخاصة، كما أنني لم أرغب بتراكم المزيد من الديون التي بدأت منذ ثلاثة أشهر حين أصبح زوجي عاطلاً عن العمل"، مضيفة بحسرة: "قررت التخلي عن أكثر شيء جميل ولافت لدي، وهو شعري المنسدل مثل سنابل القمح الذهبية التي تلمع تحت أشعة الشمس. لا مشكلة، فلن يطول الزمن حتى يعود أجمل مما كان".

يدفع الفقر بنساء وفتيات سوريات لابتكار طرق لمحاربة العوز، كبيع واحد من أسرار جمالهن وأكثر ما يزينهن، والتخلي عن مقولة " تاج المرأة شعرها".

مئتان وخمسون ألف ليرة سورية (حوالى مئة دولار وفق سعر الصرف غير الرسمي) هو الثمن الذي قبضته هاجر ذات الأعوام الثمانية والعشرين لقاء خصلات شعرها. تتابع حديثها: "اقتنيت بالمبلغ زيت الزيتون والدجاج والخضار وعظام الخروف لأنها مفيدة لصحة زوجي، وبعض الفيتامينات كي تسرع من عملية شفائه والتئام جرحه وترميم كسوره".


مواقع التواصل سوق مفتوحة لبيع الشعر

لجأت فاطمة لمواقع التواصل الاجتماعي حيث عرضت شعر طفلتها الأسود للبيع على إحدى المجموعات المخصصة لذلك، في محاولة بسيطة للنجاة من الفقر وتأمين كلفة العلاج الفيزيائي لطفلتها الثانية.

تقول السيدة الثلاثينية لرصيف22: "صوّرت جديلة ابنتي ووضعت الصورة على فيسبوك دون تحديد السعر. عُرضت عليّ عدة مبالغ مالية، لكن جميعها لم تكن مجدية، بل من باب الفضول لا أكثر، واكتفي من عرضها بكلمة ‘الله يجبر عنك’".

ولم تنجُ فاطمة، المقيمة بإحدى ضواحي العاصمة دمشق، من التعليقات المسيئة كما تقول: "لو لم أكن مضطرة للمال لما أقدمت على بيع شعر طفلتي الجميل. لم يكترث المعلقون لحاجتي الماسة للنقود، بل تمادوا في أذيتي نفسياً دون أن يعيروا أي اهتمام لما قد يسببه كلامهم المسيء، كقول إحداهن ‘مو حرام عليك تبيعي هالشعر، ما بتخافي ربك’، أما أخرى فتشدقت بالقول ‘روحي اشتغلي أحسن ما تستغلي شعر بنتك وتبيعيه’".


سوريات يعرضن شهر بناتهن للبيع على مواقع التواصل الاجتماعي

من المنشورات التي تعرض بيع الشعر الطبيعي على فيسبوك


حال فاديا وهي ربة منزل تقطن في محافظة اللاذقية ليس بأفضل، إذ أُجبرت على بيع شعر ابنتيها التوأمين لشراء سترات مطرية وملابس شتوية تقيهما البرد، فراتب زوجها إلى جانب معونات الجمعيات الخيرية لا يصمد لمنتصف الشهر.

وتتحدث بحزن لرصيف22 عن الأمر: "الراتب الشهري لا يكاد يكفي للمأكل والمشرب، فما بالك لشراء الملابس، لذلك قررت قص شعرَيْهما بعد أن سمعت أن الشعر يجلب سعراً جيداً، لا سيما أنهما ما زالتا صغيرتين وفي مرحلة النمو". تقاضت الأم 300 ألف ليرة ثمن شعر الطفلتين، فاشترت سترتين واقيتين من المطر وسروالين وحذاءين رياضيين وجزمتين ومنامتين مع بعض اللوازم المدرسية.

تعتزم فاديا، وهي اليوم بعمر الرابعة والأربعين، إعادة بيع شعر طفلتيها بالصيف المقبل، خاصة بعد أن أخبرتها شقيقتها أن السعر يمكن أن يتضاعف في العاصمة دمشق، لوجود صالونات حلاقة في أحياء راقية تدفع مبالغ كبيرة للشعر المستعار، على خلاف اللاذقية. تقول: "سأعيد الكرة، خاصة أن شعر البنتين كثيف ومسترسل وينمو بسرعة كبيرة، وفي المرة المقبلة سأودع المال في حساب مصرفي لكل واحدة منهما".


غبن واستغلال

بعدما فشلت محاولة فاطمة في بيع شعر ابنتها على مواقع التواصل الاجتماعي، تمكنت أخيراً من الحصول على زبونة، بعد أن عرضت عليها إحدى مزينات الشعر مبلغاً زهيداً. تضيف بحزن: "مئة ألف ليرة سورية فقط، بذريعة أنها لا تحتاج إليه الآن ولديها الوفير من الشعر الطبيعي المستعار، لكنها ستشتريه إكراماً لي ولتوفر عليّ مشقة البحث عن شارية". بهذا المبلغ تمكنت فاطمة من تسديد بدل إيجار الغرفة التي تتشاطرها مع طفلتيها بعد أن تخلى والدهما عنهما، كما دفعت كلفة جلسات العلاج الفيزيائي لابنتها الأخرى المقعدة بسبب خطأ طبي.

الراتب الشهري لا يكاد يكفي للمأكل والمشرب، فما بالك لشراء الملابس، لذلك قررت قص شعرَيْ ابنتي بعد أن سمعت أن الشعر يجلب سعراً جيداً، لا سيما أنهما ما زالتا صغيرتين وفي مرحلة النمو

تشعر فاطمة بالندم على بيع الشعر بسعر رخيص لا سيما بعد علمها بأنه يستحق الضعفين. وتتابع: "لم تنصفني المصففة في ثمنه، فشعر ابنتي غزير ولم تلمسه الملونات الصبغية، وقد أخبرتني جارتي أنها باعت شعرها بعد أسبوع من قيامي بذلك بمبلغ 125 ألف ليرة، بالرغم من أن شعرها ملون ولا يعادل نصف جمال شعر ابنتي وطوله".

أما سماهر، وهي فتاة عشرينية تعمل سكرتيرة في أحد مراكز التجميل بدمشق، فأنفقت مئة ألف ليرة سورية التي حصلت عليها من بيع شعرها لشراء أدوية رفع المناعة ضد فيروس كورونا. تقول: "أعيش مع أختي في شقة صغيرة بحي عشوائي بمنطقة المزة وأدفع بدل الإيجار من عملي، بينما هي تدرس في الجامعة وأتكفل مصروفها الشخصي".

لكن شقيقة سماهر أصيبت بفيروس كورونا، فوصف لها الطبيب لائحة طويلة من الفيتامينات والتغذية الجيدة لمقاومة الفيروس، إلى جانب التحاليل والصور الشعاعية وهي مكلفة جداً. تختم حديثها ضاحكة: "بكل الأحوال كنت أريد تجربة موضة الشعر القصير، وها قد حانت الفرصة المؤاتية".


معدل بيع الشعر تضاعف أربع مرات

ازدادت أعداد الزبونات اللواتي يعرضن شعرهن للبيع بمعدل ثلاثة أضعاف مقارنة بالعام الماضي، هذا ما يوضحه مصفف الشعر وسيم ضاهر الذي يقع صالونه في منطقة المزة غربي دمشق، ويقول لرصيف22: "هذه السنة تحديداً انتشرت ظاهرة بيع الشعر لأسباب مالية بحتة. لا يمر شهر دون أن تقصدني خمس عشرة فتاة وسيدة للسؤال عن سعر غرام الشعر، أما في العام الماضي فلم يكن العدد يتجاوز ثلاث زبونات شهرياً".

وعن أغرب سبب للبيع وأكثره إيلاماً يتحدث وسيم: "طلبت مني إحدى الزبونات أن أقص شعرها وأبيعه، وحين سألتها عن السبب أجابت ‘ما عدت قادرة على تحمل تكلفة الشامبو اللازم لغسله، فشعري طويل ويستهلك الكثير، وأريد تخفيف عبء المصاريف عني’".


الشعر المستعار تجارة مربحة

تعتبر صناعة تجهيز الشعر البشري من الصناعات الرائدة والتجارات الرابحة التي تدر الأموال الطائلة في أنحاء العالم، وخاصة في الصين، إذ يطلق عليها اسم "الذهب الأسود".

وحول سبب عدم رواج هذه الصناعة في سوريا يشرح الحلاق علي خضور من داخل صالونه بمنطقة مشروع دمر غرب دمشق: "ببساطة، لرداءة الشعر البلدي أي المحلي وهو الذي نقصه ونبيعه. يعدّ سيئاً لأننا لا نعالجه، فقط نحيّكه ونصبغه حسب اللون الذي ترغب فيه الزبونة، وهو غير صالح للتصدير، بينما يمر الشعر الآسيوي بعدة مراحل في المصنع بدءاً من تعقيمه في براميل ضخمة وتحريكه بماء ساخن، ثم صباغته بألوان متنوعة وتجفيفه في أفران خاصة وإخضاعه للعلاجات، كما أن الشعر الآسيوي يتحمل الحرارة".

هذه السنة تحديداً انتشرت ظاهرة بيع الشعر لأسباب مالية بحتة. لا يمر شهر دون أن تقصدني خمس عشرة فتاة وسيدة للسؤال عن سعر غرام الشعر، أما في العام الماضي فلم يكن العدد يتجاوز ثلاث زبونات شهرياً

ووفق حديثه، هناك فارق شاسع بين سعر الشعر البلدي والسعر الآسيوي، إذ يراوح ثمن غرام الشعر البلدي بين 700 و 1200 ليرة كحد أقصى، ولا تتجاوز مدة صلاحيته عاماً واحداً، بينما يصل سعر الغرام الواحد من الشعر الآسيوي المستورد إلى 3000 آلاف ليرة، ومدة صلاحيته لا تقل عن خمس سنوات.

يوضح علي الذي درس الحلاقة وتصفيف الشعر بشكل أكاديمي: "شعر الفتيات اللواتي لا تتجاوز أعمارهن 12 سنة هو الأفضل كونه طبيعياً ولم يخضع للملونات سابقاً، كما أنه لم يتعرض لحرارة المجفف الكهربائي".

ولا يخفي علي اتخاذ بعض السيدات بيع شعرهن كأسلوب دائم لجني المال، إذ يطلبن منه بعض النصائح لإبقائه قوياً، ويقول: "أنصحهن دوماً بتناول المأكولات الغنية بالحديد كالسبانخ والبقوليات ليتجنبن تساقط الشعر وضعفه، بالإضافة إلى عدم صبغه وإرهاقه بالحرارة".


موضة وصلات الشعر

في الوقت الذي تلجأ فيه العديد من النساء السوريات لبيع شعرهن جراء العوز وقضاء الحوائج، نجد على الضفة الثانية أخريات يدفعن مبالغ طائلة لاقتناء وصلات الشعر أو ما يعرف بمصطلح "الأكستنشن".

يضيف الحلاق علي: "حالة البيع يقابلها حتماً شراء، وأبيع في الأسبوع الواحد قرابة ثماني وصلات شعر. هي موضة راجت كثيراً في العام الأخير، ومعظم زبوناتي يمتلكن وصلتي شعر على الأقل، وهي أصبحت أمراً مهماً لعاشقات الموضة وتسريحات الشعر، لا سيما لصاحبات الشعر القصير".

وعن سعر وصلات الشعر فهو يراوح بين 90 و300 ألف ليرة سورية، بينما يبدأ ثمن الباروكة الكاملة من 300 ألف ويصل حتى مليون ليرة سورية، أما هامش الربح للمصفف فهو حسب قول علي: "أربح قرابة 40 ألف ليرة في الوصلة الواحدة، لكن هذه النسبة خاصة بي، وقد تصل للضعفين وأكثر لدى معظم مزيني الشعر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard