"رائحة الطعام تشبه الأحلام"... من حكايات سوريين/ات مع المطاعم والأكلات

الاثنين 21 سبتمبر 202005:13 م

استيقظت ديما على صوت والدتها القادم من المطبخ، يصدح في البيت ويصل صداه إلى سريرها، سمعت آخر جملة نطقتها والدتها بعصبية: "لسه من يومين اشتريت 10 بيضات، اليوم ما في ولا بيضة!".

وجبات كالأحلام

تتبع ديما نظاماً غذائياً صحياً منذ أكثر من عام، لكن ذلك لا يعني أن مصروفها على الطعام انخفض، تحتاج يومياً لثلاث بيضات صباحاً، وقطعة دجاج مع الأرز عند فترة الغداء، وطبق من السلطة مساء، إضافة إلى التمر والفواكه والمكسرات، وجميعها بلا استثناء ارتفعت أسعارها.

تقول ديما صبور، 33 عاماً، لرصيف22: "أمي دائماً تذكرني بالأسعار، تخبرني أننا لسنا في أحسن حال كي نتبع نظماً غذائية مكلفة، بعد أن أصبح سعر البيضة الواحدة 125 ليرة، وقطعة الدجاج سعرها 2000 ليرة، وكيلو الأرز بـ 1400 ليرة، عندما تراني أحمل بعض المكسرات التي لا تكفي شخص واحد بـ 1500 ليرة، يجن جنونها".

بعد الارتفاع الكبير الذي شهدته الأسواق في سوريا، والذي تلا أزمة كورونا وفترة الحجر الصحي في آذار/ مارس الماضي، لم تعد ديما، التي تعمل معلّمة في مدرسة ابتدائية في مدينة اللاذقية، قادرة على دفع تكاليف النظام الغذائي الصحي.

"تجاوز مصروفي على الطعام الـ 100 ألف ليرة شهرياً، أي أكثر من ضعف راتبي الذي لا يتجاوز الـ 40 ألف، لذلك استغنيت نسبياً عن الدجاج والمكسرات، خصصت يوماً واحداً في الأسبوع، أستمتع فيه بقطعة واحدة من الدجاج"

تشرح ديما تعاملها مع الغذاء مؤخراً: "بعد ارتفاع الأسعار، تجاوز مصروفي على الطعام الـ 100 ألف ليرة شهرياً، أي أكثر من ضعف راتبي الذي لا يتجاوز الـ 40 ألف، لذلك استغنيت نسبياً عن الدجاج والمكسرات التي كنت أتناولها يومياً، خصصت يوماً واحداً في الأسبوع، استمتع فيه بقطعة واحدة من الدجاج مع الأرز خلال وجبة الغداء".

مطاعم بأسماء انكليزية تتزاحم بالقرب من بعضها في مدينة اللاذقية، أكثر ما يغري ديما رائحة شواء اللحمة مع الجبنة، يعرضون صورها على واجهات محلاتهم بطريقة تجعلها شبه منهارة.

تقول ديما:" أقرأ على واجهات المحلات الكثير من أسماء الوجبات التي لا أعرف معظمها... بوسايدون، ستيك فورماجو، ستيك ديان، قريدس جماكيا، بيكاتا، أكثر ما يغيظني ذلك الإعلان الذي قرأته من فترة: رول حبش محشي بالأرز وصوص الكستناء!"، تضحك ضحكة قصيرة وتقول: "نحن لحم الدجاج لم نعد نستطيع شراءه".

"البروكلي ليس لنا"

ترفع نايا شعار "السلام يبدأ من أطباقنا.. عش ودع غيرك يعيش.. اختار النباتية"، هذا يعني عدم تناولها اللحوم والأجبان والألبان وجميع المنتجات الحيوانية، لكن رغم ذلك جيبها دائماً فارغ، كما تقول لرصيف22.

تعمل نايا عمايري، 22 عاماً، في مجال التنمية البشرية في دمشق، بدأت تدريجياً منذ نحو عامين بالتخلي عن تناول المنتجات الحيوانية، واختفت من مطبخها أطباق اللحوم، الدجاج، الأسماك، الوجبات الغربية، الحلويات، حتى البسكويت والحليب.

تتذكر نايا بحثها الأول على الإنترنت عن قائمة الأطعمة التي يمكن للنباتيين تناولها، والبدائل التي تعوّض نقص اللحوم والحليب في الجسم، الكثير من الخيارات ظهرت على شاشة هاتفها المحمول، لكن أضحكتها قائمة ضمت: الموز، البروكلي، بذور الكتان، الأفكادو، زيت جوز الهند والفواكه المجففة، تضحك نايا وتقول: "هذه الأطعمة تحتاج لأكثر من 100 ألف ليرة شهرياً".

ترى نايا أن هذه الأطعمة لم تعد متوفرة لأبناء الطبقة الوسطى في سوريا، الذين انضموا إلى الطبقة الفقيرة ورفعوا رغيف الخبز لمواجهة الجوع وغلاء الأسعار، لذلك تخلّت عن جميع هذه البدائل.

تعتمد نايا في غذائها النباتي على زيت الزيتون، الزعتر، السمسم، البقوليات، البرغل مع القليل من الخضار والفواكه، تحتاج إلى 40 ألف ليرة شهرياً لشراء طعامها، أي ما يعادل أكثر من نصف راتبها.

وجبة للرياضيين

في زاوية هادئة في حي الأميركان باللاذقية، ألصق مطعم سينسو على واجهته الزجاجية صورة لوجبته الجديدة "الدجاج الصحي مع الأرز"، علّها تكون حلاً للأشخاص الذين يتبعون نظاماً غذائياً صحياً قليل الدسم، يتراوح سعرها ما بين 3800 ليرة إلى 4200 ليرة، حسب حجم قطعة الدجاج.

يقول فراس حيدر، مدير المطعم لرصيف22: "تتكون هذه الوجبة من صدر دجاج مسحوب الدهون، يتم نقعه بخلطة من الأعشاب، ثم نشويه في الفرن دون زيت أو سمنة، ونزيّنه بقطعة بروكلي مع الأرز الناشف المطهو على البخار، بالإضافة للفطر والذرة".

الوجبة الصحية لا يتناسب سعرها مع الكثير من العائلات السورية، يشرح فراس ذلك: "إنها مخصصة للرياضيين الذين يرفعون الحديد ويدخلون في مباريات دورية، هذه الفئة هي الأكثر طلباً لوجبتنا الصحية، لكن رغم ذلك انخفض الطلب عليها بعد أزمة كورونا وارتفاع الأسعار".

"شمّ ولا تدوق"

"افراح يا كرشي، جاري طبخ محشي"، أحد الأمثال الشعبية المتداولة في سوريا، لكن يرى محمد أن هذا المثل لا ينطبق على أوضاع الناس في سوريا حالياً، يقول: "جيرانا بطلوا يطبخوا محشي بعد غلاء الأسعار، المثل الشعبي المناسب لوضعنا هو شمّ ولا تدوق".

تربط محمد بالطعام قصة عشق لا تنتهي، كما يصفها لرصيف22، إنه من الشخصيات التي تحب أن تجرب كافة أنواع الطعام، ولا تهتم بنوع معين أو وجبة مخصصة، يهوى المطبخ السوري الشرقي، ويحب أيضاً السلطات الغربية المتنوعة وفي مقدمها سلطة السيزر.

يعمل محمد الحسين، 35 عاماً، في مجال الترجمة في دمشق، يتقن فن الطبخ، كالملوخية والمقلوبة والشاكرية والبطاطا مع الدجاج، لكنه مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية، غيّب بعض الأطباق عن مائدته، خاصة تلك التي تعتمد على الدجاج الذي ارتفع سعره إلى 7000 ليرة، ولحم الغنم الذي ارتفع سعره إلى 15 ألف ليرة للكيلو الواحد.

سمع محمد الكثير عن أحد المطاعم العراقية في دمشق، قرر تجربته. كان يحلم بطبق من سلطة السيزر وقطعة من البطاطا المقلية مع الجبنة، يقول: "فوجئت برداءة طعامه وانخفاض جودته، رغم نظافة الأطباق والموائد وابتسامة العاملين المرحّبة".

يقول محمد: "بعد غلاء الأسعار أصبح الأكل في المطاعم وفي محلات الوجبات السريعة معظمه مغشوش، طعمة الخسة تقول لك إنها مفرزة في الثلاجة منذ أكثر من أسبوع، لكن هذا لا يمنع أنك ستدفع على أرخص سندويشة 2200 ليرة في أبسط مطعم في دمشق، ومن الممكن ألا تبقى في معدتك مدة طويلة، تستفرغها قبل أن تصل المنزل".

"المطبخ الحلبي في ورطة"

يعرف المطبخ السوري بأنه غنيّ بأطباقه المتعددة، كل محافظة لها مطبخها الخاص، أما في حلب "أم المحاشي والكبب"، كما يطلق عليها السوريون، تغيّر حال مطبخها بعد ارتفاع أسعار لحوم الضأن التي تدخل في غالبية أطباقه.

"بعد غلاء الأسعار أصبح الأكل في المطاعم وفي محلات الوجبات السريعة معظمه مغشوش، ومن الممكن ألا تبقى في معدتك مدة طويلة، تستفرغها قبل أن تصل المنزل"

الشيف محمد نور قضيماتي، يشرح لرصيف22 حال المطبخ الحلبي بعد ارتفاع الأسعار: الكبة النية، الكبة المشوية، الكبة السفرجلية، الكبة الصاجية، الكبة المقلية، الكبة اللبنية، الكبة النابلسية، الكبة المبرومة، جميعها تحتاج إلى اللحوم الحمراء لتقديمها بذات الجودة والنوعية.

"ارتفاع الأسعار جعل من كبة الدراويش التي لا تحتاج إلى اللحمة، الطبق الأول على مائدة الحلبيين، وحوّل المطاعم إلى لحم الدجاج بدلاً من لحم الغنم، كحل بديل ليحافظ المطبخ الحلبي على تقديم الكبة"، يقول نور.

تغيرات كبيرة طرأت على المطبخ الحلبي في كل بيت، أولها استغناء معظم العائلات عن الدجاج واللحمة، والاعتماد على المجدرة والبرغل والمقالي، تماشياً مع ارتفاع الأسعار، بحسب نور.

أما المطاعم، يقول الشيف محمد نور: "إذا استغنيت عن اللحوم والدجاج هذا يعني أن المطبخ الحلبي في ورطة، لأنه يعتمد عليها بشكل رئيسي، لذلك بدأت بعض المطاعم بطهي الكبة باستخدام لحمة الدجاج، نقوم بطحنه مع البرغل بدلاً عن الهبرة، ونستخدمه لحشو الكبة أيضاً".

المطبخ السوري رغم غياب الكثير من أطباقه عن موائد معظم السوريين، إلا أن طعمها لم يغب عن عشاقه خارج سوريا، حيث تفوّق على نظيره الإيطالي، بعد استطلاع رأي أجرته، مطلع شهر سبتمبر الحالي، الصحافية السورية الأمريكية هالة غوراني، على تويتر، تفاعل معه عشرات المستخدمين من كافة أنحاء العالم، ووجدوا أن المطبخ السوري أكثر تنوعاً.

ودخل المطعم السوري Aleppo Sweets قائمة أفضل 50 مطعماً في أمريكا لعام 2019، بحسب تصنيف مجلة Bon Appetit المختصة بنقد الطعام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard