الجالية الإيرانية في دبي… روابط تاريخية وثقل اقتصادي لا يستهان به

الثلاثاء 24 نوفمبر 202005:50 م

على الرغم من أنها ليست الأكبر عدداً، تحظى الجالية الإيرانية في دبي بمكانة مميزة وهي ذات ثقل اقتصادي يتجاوز التنافس الجيوسياسي بين البلدين.

وفق إحصاء أجري في العام 2018، فإن تعداد الإيرانيين المقيمين في الإمارات يبلغ 450 ألفاً. وترجح تقديرات غير رسمية أن العدد يصل إلى 600 ألف.

وفي حين أن التأثيرات اللغوية والمعمارية والفنية والاقتصادية للإيرانيين واضحة في جميع أنحاء الإمارات إلا أنها أكثر تجلياً في دبي.

ترابط متجذّر

كانت دبي مركزاً للتجارة مع إيران حتى قبل قيام الدولة عام 1971. مع نمو الإمارة لتصبح مركزاً للتجارة العالمية وجذب رؤوس الأموال من جميع أنحاء العالم، باتت أكثر جذباً للإيرانيين.

للجالية الإيرانية في دبي مؤسساتها التعليمية والثقافية والاقتصادية والصحية القائمة بذاتها. تحتضن دبي فرعاً لجامعة آزاد الإسلامية الإيرانية منذ عام 2004. جميع طلاب الجامعة من الوافدين، وهم غالباً من الجالية الإيرانية، وذلك علاوةً على خمس مدارس إيرانية في دبي توفر الخدمة التعليمية باللغة الفارسية في مراحل التعليم المختلفة.

في الأثناء، يعمل المستشفى الإيراني في جميرا، بدبي، في تطبيب أفراد الجالية -علاوةً على الوافدين من 182 جنسية أخرى- منذ عام 1972. يتبع المستشفى الهلال الأحمر الإيراني الذي تكفل بإنشائه على قطعة أرض أهداها إليه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1970، وهو أقدم مزود خدمة معروف في الإمارة، وغالبية العاملين فيه من الجالية أيضاً.

تعاون يسبق قيام الدولة… طالما كانت دبي وجهةً محببة للإيرانيين الذين أسسوا أولاً المساكن الفخمة بالإمارة بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حي الفهيدي شاهد على ذلك

شهدت فترة حكم الشيخ راشد لدبي، بين عامي 1958 و1990، ذروة توطيد العلاقات بين البلدين. وعلاوةً على أرض المستشفى الإيراني، أهدى إلى إيرانيين الأرض التي بني عليها "النادي الإيراني" عام 1990. وهو أحد المعالم السياحية ذات الشعبية الكبيرة في دبي. والنادي مملوك لمؤسسة "Bonyad Mostazafan" الخيرية الإيرانية التي لها نفوذ اقتصادي كبير في طهران وترتبط بصلة مباشرة مع القائد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، علي الخامنئي.

هناك أيضاً العديد من المطاعم التي تقدم الأكلات الإيرانية، أبرزها مطعم "استادي للكباب الخاص" الذي يلقب بـ"ملك الكباب" ويتهافت على تناول الوجبات فيه المشاهير والعامة على السواء. تأسس المطعم قبل 40 عاماً، تحديداً عام 1978.

يتفاخر المطعم بضيوفه من مشاهير دبي والعالم بعرض صورهم على جدرانه، بما في ذلك أفراد من العائلة الحاكمة، آل مكتوم.

محاولات لطمس البُعد الإيراني

يرجع الفضل للمهاجرين الإيرانيين من العائلات الثرية في تشييد أفخم المساكن في دبي منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى أوائل القرن التاسع عشر. الخصائص المعمارية الفارسية، لا سيما في ما يتعلق بأنظمة التهوية العمودية، خير دليل على ذلك.

أُطلق على المنطقة التي ضمت هذه المساكن قديماً "البستكية" نسبةً إلى مقاطعة بستك في محافظة هرمزكان، جنوب إيران، فيما تُعرف اليوم باسم "حي الفهيدي التاريخي" الذي يعدّ مركزاً سياحياً مهماً في الإمارة.

وعلى الرغم من أن التنافس الجيوسياسي بين الإمارات وطهران، وتباين السياسات الأيدولوجية بين قيادتي البلدين في العديد من القضايا الحساسة على الصعيد الإقليمي، جنباً إلى جنب مع التنازع على الجزر الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، حافظت كلتاهما على المصالح الاقتصادية المشتركة. 

عام 2014، على سبيل المثال، قدّر مسؤولون إيرانيون استثمارات الإيرانيين في الخارج بنحو 700 مليار دولار أمريكي، مبرزين أن 200 مليار منها يتم استثمارها في الإمارات وحدها.

كانت فترة حكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم لدبي، بين عامي 1958 و1990، ذروة رواج العلاقات مع الإيرانيين الذين أهدى إليهم أراضي لبناء أقدم مستشفى في الإمارة والنادي الإيراني أحد أهم معالم التعددية الحضارية في دبي

وكانت الإمارات أكبر شريك تجاري غير نفطي لإيران وأكبر الدول المصدرة لها أيضاً عام 2016، مع ترجيحات بأن أرباح الإمارات من هذا النشاط قاربت نحو 23.7 مليار دولار. في العام نفسه، تبين أن ما يزيد عن 62% من واردات دول مجلس التعاون الخليجي من إيران كانت من نصيب الإمارات.

وقع النشاط الاقتصادي بين البلدين أحياناً في شرك انتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. تورطت جهات في دبي مع تاجر الذهب الإيراني رضا ضراب في التحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، حسبما فضحت تسريبات "ملفات فنسن" الأمريكية نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي. 

مع ذلك، كانت الجالية الإيرانية في دبي أكثر تأثراً بالتنافس الإقليمي بين طهران وأبوظبي، وكثيراً ما أشارت تقارير إلى تعرضها لضغوط.

لرصيف22، قال أحد الأساتذة الإيرانيين في إحدى جامعات البارزة مشترطاً عدم ذكر اسمه: "عدد الإيرانيين في دبي حالياً أقل بكثير من العقد الماضي. أعتقد أن الجالية الإيرانية هنا منخرطة بشكل كبير في ثقافات الآخرين. لكن بالنظر إلى المناخ السياسي الحالي، من الصعب جداً على المواطن الإيراني الحصول على إقامة هنا، وهذا ما حدّ من التفاعل".

واستدرك قائلاً: "لكني أعتقد أن الإيرانيين في الإمارات لديهم موقف إيجابي للغاية تجاه الإماراتيين. إنهم ينظرون إلى الإمارات كدولة مسلمة حديثة ومزدهرة".

وتضاف الصعوبات التي حدت من الوجود الإيراني في دبي حديثاً إلى ما يتعرض له الإماراتيون من أصول إماراتية، يطلق عليهم "العجم"، من تمييز ومحاولات الطمس ورفض توليهم مناصب رئيسية. 

في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2017، احتج العديد من الإماراتيين على تعيين سارة الأميري ذات الأصول الإيرانية وزيرة دولة للعلوم المتقدمة، مع تكرار الانتقاد لوجود وزراء آخرين من أصول إيرانية، بينهم أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية.

في كل مرة يثار هذا الخطاب، يتم التذكير بأوجه الخلاف في السياسات بين طهران وأبو ظبي، خاصةً بشأن الجزر المتنازع عليها.

اللافت أنه لدى توقيع "اتفاق السلام" بين الإمارات وإسرائيل تذرّع العديد من الخليجيين المدافعين عن الصفقة بأن تطبيع العلاقات مع تل أبيب ينتج تحالفاً هدفه الأساسي مواجهة نفوذ طهران المتزايد في المنطقة، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو نفسه. لكن قرقاش حرص من البداية على نفي ذلك بشكل قاطع.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard