الطاهر الحداد... الشيخ التونسي الذي سبق كثيرين في الدعوة لتحرير المرأة

الجمعة 29 يناير 202111:58 ص

ارتبط اسم الطاهر الحداد في تونس بمسألة تحرير المرأة وإنصافها، بعدما كرّس حياته للدفاع عن مبادئه النقابية والوطنية والاجتماعية، فواجهته تيارات فكرية ودينية بقسوة شديدة.

وُلد الحداد في السنة الأخيرة من القرن التاسع عشر في مدينة الحامة في الجنوب التونسي، ومنها انطلق إلى العاصمة تونس ليلتحق بالجامع الأعظم المعروف بـ"جامع الزيتونة". وعندما وصل العاصمة، تسلّل الموت إلى عائلته فتوفي والده ثم إخوته، ليتذوّق حياة البؤس والحرمان والفقر واليتم والغربة قبل أن يشتد عوده.

لم تحرمه هذه الظروف من تحقيق حلمه وحلم عائلته في الالتحاق بجامع الزيتونة، حتى أنه أصبح من أشهر طلاب الجامع إثر انخراطه في الشأن العام، لا سيما وأنه بدأ الكتابة في الصحف عام 1918، ثم شارك في تأسيس "الحزب الحر الدستوري" التونسي عام 1920، قبل أن يؤسس مع ابن بلدته محمد علي الحامي جامعة "عموم العملة" عام 1924، لتكون أول نقابة عمالية في الوطن العربي.

تدرّج الحداد بين العلم الشرعي في جامع الزيتونة ثم الكتابة في الصحف والعمل السياسي ثم العمل النقابي، مكتسباً خبرة في الشأن العام بفضل تجربته الواسعة والثرية، لتنطلق بعد ذلك الفترة الأهم في تاريخ الرجل خاصة عندما بدأ بنشر بعض الأفكار التي لم يجرؤ غيره على مناقشتها وتقديمها للعامة، وتحديداً في كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي نشره في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1930، حتى مدحه الأديب المصري طه حسين قائلاً: "لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين".

الحداد... مُحرّر المرأة

كانت تونس تعيش في بداية الثلاثينيات أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية، ناتجة عن أسباب عدة، أهمها تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية، وكذلك تنظيم المستعمر الفرنسي للمؤتمر الأفخارستي (الكاثوليكي) الذي جمع حوالي 120 ألف مسيحي من أصقاع العالم، إضافة إلى أزمة سياسية بين الطلاب التونسيين العائدين من فرنسا وقادة "الحزب الحر الدستوري".

في تلك الظروف الدقيقة، أصدر الحداد كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" ليُحدث ضجة عارمة، فخرّيج "الزيتونة" تحدّث عن مواضيع حساسة متعلقة بالمرأة، في إطارَيْ الشريعة والمجتمع، وذلك على غرار المساواة بين المرأة والرجل، ومسألتي الطلاق والميراث وموضوع الحجاب.

يقول الباحث والكاتب محمد المي في حديث لرصيف22 إن "الطاهر الحداد أول المصلحين، حيث دعا إلى تعليم المرأة وتحريرها وإنصافها والمساواة بينها وبين الرجل".

ويتابع موضحاً كلامه: "سبق الحداد العديد من الكتاب والمصلحين على غرار السنوسي والثعالبي وقاسم أمين وأحمد شوقي في الحديث عن تحرير المرأة في تونس، إذ تميّز عنهم في الدعوة الصريحة إلى المساواة بين المرأة والرجل وإلى الاختلاط بينهما في المدارس، فيما دعا من سبقه إلى تعليم البنات والاهتمام بهن باعتبارهن جزءاً من المجتمع، على غرار ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي ′الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق′".

ويضيف الباحث شارحاً أن دعوات تحرير المرأة قبل الحداد كانت محتشمة ولم تبلغ المرتبة التي تبناها هو، رغم أنه شيخ زيتوني تقليدي محافظ.

كانت تونس تعيش في بداية الثلاثينيات آثار أزمة اقتصادية عالمية، ومفاعيل تنظيم المستعمِر لمؤتمر ديني، وخلافاً سياسياً مع طلابها العائدين من فرنسا... في ظروف كهذه، أصدر الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" ليُحدث ضجة عارمة، وصلت حد صدور فتوى بمنع تزويجه

"كان تحرير المرأة يندرج ضمن رؤيته الاجتماعية الإصلاحية التي تسبق التغيير السياسي"، حسب ما يُعلّق المي في حديثه عن الحداد، شارحاً أن "الإصلاح السياسي كان قد خرج من يد الباي ليصبح بيد سلطة الاستعمار، لذلك اتجه الحداد إلى محاولة الإصلاح الاجتماعي".

يقول المي إن الحداد دعا إلى المساواة في الميراث بين المرأة والرجل ولم يسبقه إلى ذلك أحد، مشيراً إلى أن جزء الشريعة في كتاب الحداد تضمّن أجوبة بعض شيوخ الزيتونة الذين وجّه لهم الحداد هذه الأسئلة، من دون أن يعرفوا أنه سينشر الأجوبة والتي تُدعّم مكانة المرأة في الإسلام. لذلك أتت ردة فعل هؤلاء المشايخ قاسية، بحجة أن الكتاب لم يتحصل على الإيداع الشرعي من الجامع الأعظم.

يرى المي أن الإساءة للطاهر الحداد متواصلة كذلك ممن يناصرون أفكاره، لأن أغلبهم يحاولون توظيف الأخيرة لغايات سياسية ضد الإسلاميين والرجعيين، من دون أن يقرأوا كتاباته أو يطلعوا عليها أو حتى يستوعبوها.

بموازاة ذلك، يشكو المي من "التنكر الواضح اليوم لإرث الطاهر الحداد"، معتبراً أن "هناك إساءة وعدم تكريم لهذا الرمز المُغيّب عن المناهج التعليمية وعن المكانة الحقيقية في التاريخ الوطني، حتى في مرحلة بعد الاستقلال حيث لم تأت مجلة الأحوال الشخصية على ذكر الحداد، لأن بورقيبة كان يريد أن يتميّز عن الجميع وأوجد مثقفين يكتبون له ويمجدونه ويعتبرونه متفوقاً على الطاهر".

يأتي في سياق ما يقوله المي ما ذكرته الدكتورة آمنة الرميلي، في كتابها "المرأة والمشروع الحداثي في فكر الطاهر الحداد"، الصادر عام 2012، حين كتبت: "رامَ الحداد إرساء إمكانيات جديدة لقراءة الأحكام الشرعية وإعادة النظر في كيفيات تطبيقها، انطلاقاً من قناعاته الفكرية ورؤيته إلى المجتمع ذات السمة العلمانية"، مفسّرة بأنه (الحداد) يبدأ بتقرير وضعية المرأة كما صاغها النص القرآني، ولا يعتبر ما جاء به القرآن من أجل المرأة إلا بداية تحسين لتلك الوضعية، مثل أهلية تصرفها وحقوقها المدنية والمساواة بينها وبين الرجل.

وتعتقد الرميلي أن"الحداد يرى أن القرآن الكريم أعطى للمرأة حيّزاً قانونياً واجتماعياً يمكنها أن تتحرك فيه بحرية أكثر وأن تنهض بدور أكبر مقارنة بوضعيتها السابقة في الجاهلية، مثل حقها في الاختيار أو الرفض وحقها في أن تكون مسؤولة عن نفسها، وحقها في أن تتولى بعض الوظائف الهامة كالمسؤولية الحربية في الفتوحات أو المسؤولية الدينية".

الحداد... كبش فداء

أحدث كتاب الحداد ضجة في البلاد، وقوبل بمعارضة شعبية ونخبوية، إذ واجهه علماء الزيتونة وأعضاء الحزب وسلطات الاستعمار، وحتى الطلاب الذين عادوا من فرنسا انتقدوه.  

وفي بداية الثلاثينيات، نشر الحبيب بورقيبة، الشاب الصاعد وقتها، مقالاً بعنوان "التمسك بالحجاب كجزء من الهوية"، وعزّز النقاش حول موضوع المرأة ما جاء في كتاب الشيخ محمد صالح بن مراد بعنوان "الحِداد على امرأة الحداد"، حتى جرى سحب الكتاب ومنع تداوله، وفُصل الطاهر الحداد من العمل وأصبح منبوذاً في المجتمع، لدرجة أنه كان إذا خرج في الشارع يتعرض للسباب والضرب والإهانة، وصدرت فتوى بعدم تزويجه.

يُشير المي، في سياق حديثه عن الحداد، إلى ثلاث فئات عارضت الأخير وعارضت كتابه، في مقدمتها "الدساترة" وهم أعضاء "الحزب الدستوري الحر"، إضافة إلى شيوخ الزيتونة، وفئة "المدرسيين" وهم من الطلبة التونسيين الذين عادوا من فرنسا على غرار بورقيبة وصالح بن يوسف.

يتداول حداثيون وتقدميون في تونس أن الحداد كان مؤمناً بتحرير المرأة ويؤمن بمساواتها التامة مع الرجل، بما في ذلك المساواة في الميراث، لكن هذه الفكرة يدحضها آخرون يرون في ذلك ضرباً من التزييف للوقائع والأفكار.

ويعتبر المي أن الدافع الحقيقي لمواجهة الكتاب كان تغطية المشايخ على أنفسهم بعد مشاركتهم في المؤتمر الأفخارستي في أيلول/ سبتمبر عام 1930 الذي كان يهدف إلى نشر الدين المسيحي في البلاد التونسية لمناسبة مرور 50 عاماً على الاحتلال الفرنسي، وشيوخ الإسلام عوض معارضتهم للمؤتمر شاركوا فيه، ولما ثار عليهم الناس جاء كتاب الحداد ليكون كبش فداء لهم ويبرزوا من خلاله أنفسهم على أنهم حُماة الدين.

ويُذكّر المي أن بورقيبة كان ضد ما جاء في كتاب الحداد، وعبّر عن ذلك في مقاله الذي تحدث فيه عن أن الحجاب هو جزء من هوية الشعب، وكان يفسّر معارضته للحداد بأن "الوعي المجتمعي لم يكن جاهزاً بعد لمسألة تحرير المرأة، والأولوية لحشد الناس للمطالبة بالاستقلال"، كما يشير المي أن من حضر حفل تكريم الحداد بعد إصدار كتابه كانوا من الزيتونيين فقط.

بعد ذلك عاش الحداد مصاعب اجتماعية وأزمات نفسية ومتاعب صحية، حتى وفاته في 7 كانون الأول/ ديسمبر عام 1935، إثر إصابته بداء السل.

الوجه الآخر للحداد

يتداول حداثيون وتقدميون في تونس أن الحداد كان مؤمناً بتحرير المرأة ويؤمن بمساواتها التامة مع الرجل، بما في ذلك المساواة في الميراث، لكن هذه الفكرة يدحضها آخرون يرون في ذلك ضرباً من التزييف للوقائع والأفكار.

يقول الحداد في كتابه: "حَكَم الإسلام في آيات القرآن بتمييز الرجل عن المرأة في مواضع صريحة، وليس هذا بمانع أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعية بينهما عند توفر أسبابها بتطور الزمن ما دام يرمي في جوهره إلى العدالة التامة وروح الحق الأعلى".

ينطلق الحداد في نشر أفكاره التحررية حول المرأة من القرآن والحديث، ليستدل بهما على رؤيته لفكرة تحرير المرأة، مبيناً أن الإسلام انتقل بالمرأة من مرتبة دونية إلى مكانة اجتماعية تساوي الرجل في عدّة مواضع.

في هذا السياق، يقول الإعلامي والباحث لطفي الحيدوري في حديثه لرصيف22 إن دولة الاستقلال ومعها النخبة "الحداثية" اختطفا فكر الطاهر الحداد لتوظيفه دعائياً في المعارك الأيديولوجية، ونجحا في التحايل والتضليل الفكريين.

ويضيف موضحاً أن الحداد تعرّض إلى عمل منهجي فكري تضليلي من الجامعيين والمفكرين في تونس الذين يتحدثون عن علمانيته وهو الذي يؤمن بأن الإسلام جاء ليؤسس دولة، لأنه القائل إن "الإسلام هو دستور العمل النافع"، حتى أنه أراد أن يكون "نافذاً في يومه وفاعلاً أثره في النفوس والدولة التي يؤسسها".

ويُبيّن الحيدوري أن "الحداد داعية إلى الفضيلة ومكافح للانحلال والبدع وكان معادياً للتصوف من خلال مشاركته في تأسيس جمعية مقاومة البدع والإسراف، ومتمسكاً بدينه حد اعتباره رديفاً للجنسية، ولذلك وصف عام 1923 التونسي المتجنس اختياراً بأي جنسية أخرى بالمرتد والكافر".

دعا الطاهر الحداد إلى المساواة في الميراث بين المرأة والرجل ولم يسبقه إلى ذلك أحد، ونشر أجوبة بعض شيوخ الزيتونة حول المسألة دون أن يعرفوا أنه سينشرها، فأتت ردة فعلهم قاسية... فما أبرز أفكار الحداد حول تحرير المرأة؟

ويقول الحيدوري إن النخبة تُزيّف الحقائق في ما يخص موقف الحداد من الحجاب، فبرأيه كان يقصد بالحجاب المكوث في المنزل ووضع نقاب على الوجه، وليس كما يسوّق البعض أنّه يقصد الحجاب الذي يوضع عن الرأس.

الحداد... الاتجاه الثالث

اختلفت الآراء حول رؤية الحداد لمسألة حقوق المرأة، إذ رآه البعض مؤمناً بمساواتها بالرجل وحريتها المطلقة، بينما رأى البعض الآخر أن رؤيته للمرأة تندرج ضمن النظرة الإسلامية التي لا تختلف كثيراً عن السلفيين والزيتونيين إلا في بعض تطوّر السياقات.

تقول الأستاذة الجامعية رجاء بن سلامة في تقديمها لكتاب "المرأة والمشروع الحداثي في فكر الطاهر الحداد" لآمنة الرميلي: "أُقدّر من الناحية العلمية والتاريخية الاستدلال على أن الطاهر الحداد ساهم في علمنة المجتمع التونسي أو في الوعي بها، لكنه في اللحظة الراهنة وفي علاقته التفسيرية بالقرآن، يُقدّم لنا حلاً خارج ثنائية علماني/ إسلامي"، موضحة بالقول: "لم يعتبر الطاهر الحداد الشريعة مجموعة من الأحكام الثابتة بل اعتبرها طريقاً، واعتمد منهج التمييز بين ما أتى به الإسلام وما جاء من أجله".

وبغض النظر عما أراد الحداد أن يُعبّر عنه توضيحاً أو تلميحاً، فإن نظرته للمرأة تُعبّر عن مكانة مهمة لها في فكره، حيث يقول في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع": "المرأة هي أم الإنسان، تحمله في بطنها وبين أحضانها، وهو لا يعي غير طابعها الذي يبرز في حياته من بعد، وتُرضعه لبنها، تُغذيه من دمها وقلبها... تُشبع جوع نفسه وتُذهب وحشة انفراده وتبذل من صحتها وراحة قلبها لتحقيق حاجاته وتذليل العقبات أمامه، وتغمره بعواطفها فتخفف عليه وقع المصائب والأحزان وتحدد فيه نشاط الحياة".

ويُضيف مستكملاً فكرته: "هي نصف الإنسان وشطر الأمة نوعاً وعدداً وقوة في الإنتاج من عامة وجوهه، فإذا كنا نحتقر المرأة ولا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط فإنما ذلك صورة من احتقارنا لأنفسنا… وإذا كنا نحبها ونحترمها ونسعى لتكميل ذاتها فليس ذلك إلا صورة من حبنا واحترامنا لأنفسنا وسعينا في تكميل ذاتنا". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard