"في يوم من الأيام سيقتلون أحدنا"... المستوطنون الرعب الأكبر للمزارعين الفلسطينيين برعاية الاحتلال

الاثنين 11 يناير 202112:28 م

في العاشرة صباح الجمعة 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لاحظ المزارع الفلسطيني خليل الهريني (78 عاماً) أن مستوطناً إسرائيلياً يعرفه بالاسم، يدعى يوسف، يرعى أغنامه في أرضه. حين سأله: "لماذا ترعى في أرضي؟"، محاولاً إبعاده عنها، هُرع نحو 10 مستوطنين من وراء أحد التلال القريبة مسلحين بمسدسات وبنادق وعصي وفؤوس وسلاسل حديدية.


قام أحدهم بالاعتداء على المسنّ الفلسطيني وطرحه أرضاً لينهال عليه بقية رفاقه ضرباً بالهراوات. أَلِف السكان الفلسطينيون في هذه المنطقة -بلدة يطا جنوب الخليل في الضفة الغربية كما العديد من مواطني الأراضي المحتلة- مثل هذه الاعتداءات السافرة من المستوطنين في مستوطنتي "سوسيا" و"متسبي يائير" حيث يرعون أغنامهم في الأراضي الفلسطينية ويفتعلون الأزمات لمهاجمة أصحابها والاعتداء عليهم في حماية جيش الاحتلال. 


لكن الهجوم قبل ثلاثة أسابيع كان قاسياً وفق صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إذ كرر المعتدون هجماتهم على عائلة الهريني طوال أيام متواصلة، محدثين إصابات عديدة في أفراد العائلة.

لا يرحمون طفلاً ولا شيخاً... رعب مستوطني "سوسيا" و"متسبي يائير" يستفحل في ظل حماية جيش الاحتلال، بين أحدث ضحاياهم خليل الهريني (78 عاماً) الذي انهالوا عليه بالهراوات ومحمود (17 عاماً) الذي فقد جزءاً من سمعه عقب إصابة أذنه اليسرى

رعب المستوطنين المستفحل

يعيش خليل الهريني في كهف مع اثنين من أبنائه، ويرعى ثلاثتهم أرضهم المجاورة، والتي تبلغ مساحتها 20 دونماً (خمسة أفدنة) من حقول القمح والشعير، وذلك في وادي رحيم، على أطراف مسافر يطا (مجموعة من 19 قرية فلسطينية في محافظة الخليل جنوب الضفة الغربية) فوق تلال خربة سوسيا الفلسطينية. 


خلف خيمتين كبيرتين سوداوين تستخدمان حظائر للأغنام، والكهف السكني للمزارع وأبنائه وسط منظر طبيعي بدائي تزينه التلال المحيطة، يكمن الرعب المتأتّي من مستوطنتي "سوسيا" و"متسبي يائير"، فيعكر حياة المزارعين الذين يكافحون لرعاية أرضهم في ظل وعورة التضاريس، ونقص المياه والكهرباء وغيرهما من العراقيل التي تتفنن سلطات الاحتلال في إعاقتهم بها.


عقب الاعتداء على المسن الفلسطيني، أبلغ نجلاه ناصر النواجعة، الباحث الميداني لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية (بتسيلم)، وهو أحد سكان الكهوف المحلية، الذي استدعى بدوره شرطة وجيش الاحتلال على الفور بما يجري. ظهرت قوات الأمن الإسرائيلية عقب حوالى ساعة بعدما هرب المستوطن الذي أطاح خليل وبقية المعتدين، ونُقل خليل إلى مستشفى يطا حيث عولج وعاد إلى كهفه. 


يخشى المزارعون وعائلاتهم في هذه المنطقة يعقوب من "سوسيا" الذي يعتبرونه أكبر تهديد من قبل المستوطنين الذين يهاجمونهم، وكذلك موشيه من "متسبي يائير".


في اليوم التالي، عادت الأسرة للعمل في أرضها، نحو 10 رجال، بعضهم من يطا جاءوا لدعم خليل وحمايته. عقب مرور ساعة، لاحظوا أن طائرة بدون طيار تصورهم. بات المستوطنون، في الآونة الأخيرة، يستخدمون الدرونز بشكل كبير كوسيلة لمراقبة الفلسطينيين، بتمويل سلطات الاحتلال وتشجعيها. 


بعد 10 دقائق من رصد المزارعين للدرون، وصل مستوطنون من المستوطنتين إلى الحقل. لكنهم كانوا أكثر عنفاً هذه المرة إذ حملوا الحجارة والهراوات والفؤوس والسلاسل الحديدية المعتادة. وقاموا بإلقاء الحجارة على المزارعين واعتدوا على بعضهم بالضرب.

"عاش هنا لمدة 78 عاماً، وفجأة يأتي المستوطنون الشباب الذين آباؤهم من أمريكا وروسيا، ويريدونه أن يغادر أرضه"... قصة المزارع الفلسطيني خليل الهريني الذي يواجه إرهاب المستوطنين أعزلَ ويأبى التخلّي عن أرضه

اقترب أحد المستوطنين من محمود الهريني (17 عاماً) وهو عامل بناء، وألقى بحجر على وجهه من مسافة نحو متر. أصيبت أذن محمود اليسرى ونزفت، فيما أصاب حجران ساق وجبهة ابنه عمه عامر (38 عاماً)، وهو ضابط شرطة في السلطة الفلسطينية لم يكن يرتدي زيه العسكري أو في الخدمة. عولجت أذن محمود في مستشفى يطا. وهو لا يزال تحت المتابعة الطبية.


تقدم المستوطنون بعد ذلك نحو الكهف وأطلقوا بضع طلقات من بندقية M16 على أرجل المزارعين لترويعهم. كما هاجم مستوطن محمد نجل خليل (54 عاماً)، وهو إمام مسجد يطا، من الخلف وركله في ظهره. وقال شهود العيان إن يعقوب الذي كان يحمل مسدساً قاد المستوطنين المعتدين وأصدر الأوامر.


محاولة سرقة الأرض

في محاولة للدفاع عن أنفسهم، رشق المزارعون المستوطنين بالحجارة. تم استدعاء الجيش والشرطة مرة أخرى وحاولوا فض الاشتباك لكن دون اعتقال أي من المهاجمين. غادر بعض المستوطنين بالفعل، لكن يعقوب بقي مع الجنود، وتبجح بتهديد المزارعين إذا عادوا للعمل في الأرض التي ادعى أنها ملكه. ثم بدأ في حرث التربة المحروثة في الأساس، وصوره أحد زملائه. قال المزارعون إنه فعل ذلك لإثبات ملكيته للأرض.


واستنكر محمد قائلاً إنه عاش هنا لمدة 78 عاماً، وفجأة يأتي المستوطنون الشباب الذين آباؤهم من أمريكا وروسيا، ويريدونه أن يغادر أرضه.


في اليوم الثالث، عاد ستة أو سبعة فلسطينيين إلى الأرض، من بينهم خليل. مرة أخرى، أرسل المستوطنون أولاً أحد رعاتهم لرعي قطيعه، وعندما حاول المزارعون إبعاده بالصراخ، استدعى المستوطن أصدقاءه. انطلق نحو 20 منهم من التلال، ملثمين هذه المرة، حاملين أسلحتهم النارية وغيرها من الأسلحة غير الفتاكة، كما اعتادوا. حدث تبادل للحجارة والشتائم وتم استدعاء جيش الاحتلال أيضاً.


علّقت "هآرتس" على الأمر متعجبةً: "انتهى الأمر -كالمعتاد- بتفريق الطرفين، وكأن الأمر مجرد شجار بين الرعاة أو كأنما هناك تناسق قوى بين المعتدي والمعتدى عليه، بين السارق وضحيته"، مستدركةً "هذه المرة على الأقل انتهى الحادث دون إصابة أحد".

في سياسة رسمية غير معلنة هدفها "نهب المزيد من أراضي الفلسطينيين"... سلطات الاحتلال الإسرائيلي تبيح تعنيف المستوطنين الذي يعرّض للخطر حياة الفلسطينيين ويلحق الأذى بأجسادهم وممتلكاتهم وأراضيهم، بل تبسط حمايتها عليه وتشارك أحياناً في الاعتداءات

رداً على سؤال الصحيفة الإسرائيلية: "هل أنت خائف؟". أجاب محمد خليل: "بالطبع أنا خائف. إنهم مسلحون ومدعومون من الجيش وهم عنيفون للغاية. أنا فخور بوالدي لأنه ذهب إلى الأرض، لكنني أيضاً أشعر بقلق شديد عليه وعلى شقيقيّ اللذين يعيشان معه". لكن محمود الهريني قال إنه ليس خائفاً، وقاطعه عامر: "لماذا تقول إنك لست خائفاً؟ كلنا خائفون. في يوم من الأيام سيقتلون أحدنا"، واصفاً المستوطنين بأنهم "زعران".


الجدير بالذكر أن اعتداءات المستوطنين لم تكن سوى جزء من هجمات أكثر ضراوة على السكان الفلسطينيين في المنطقة بما في ذلك أيضاً عائلات الجبارين والنجار، وقد أدت إلى إصابات وكدمات في صفوف أفرادها المزارعين العزل من الشباب والمسنين.


"عنف برعاية الدولة"

في غضون ذلك، أشار ابن عم آخر، يدعى ثائر الهريني: "نحن عزل. نحن محاطون بالمستوطنين المجرمين ولا يوجد من يحمينا. لقد حان الوقت لأن تحمينا المنظمات الدولية هنا. هذه سياسة متعمدة للحكومة (يقصد سلطات الاحتلال)، لتغمض أعينها وتوافق على هذه الاعتداءات علينا، لطردنا من الأرض ومن ثم مصادرتها ونقلها للمستوطنين. كما أنه من الملائم جداً للجيش أن يستخدم هؤلاء المجرمين لأغراضه".


وفي ملف لها بعنوان "عنف المستوطنين في خدمة مصالح الدولة"، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نوهت "بتسليم" بأنه في حين أن "ملايين البشر في إسرائيل والضفّة الغربيّة يلتزمون منازلهم (بسبب المخاوف من تفشي جائحة الفيروس التاجي) يتواصل عُنف المستوطنين برعاية الدّولة؛ يهاجمون الرّعاة في المراعي ويغيرون على القرى الفلسطينيّة ويعتدون على السكّان ويُتلفون ممتلكاتهم"، مشيرةً إلى ارتفاع الهجمات العنيفة من المستوطنين على الفلسطينيين.


بشأن اعتداءات المستوطنين، بما فيها قطع أشجار الزيتون ونصب سياجات حديدية حول أراضي المواطنين الفلسطينيين وإتلاف الزرع وسرقة الثمار، لفت تقرير إلى اعتداء المستوطنين على المسن الفلسطيني خليل عميرة (73 عاماً) وإحداث إصابات بالغة في رأسه خلال رعايته أرضه بقرية نعلين، محافظة رام الله، لافتاً إلى وجود جنود الاحتلال خلال الاعتداء لكنهم لم يتدخلوا.


وشددت "بتسليم" على أن "عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين أضحى منذ زمن جزءاً لا يتجزّأ من روتين الاحتلال"، مبرزةً أن "قوّات الأمن تتيح هذا العنف الذي يعرّض للخطر حياة الفلسطينيين ويلحق الأذى بأجسادهم وممتلكاتهم وأراضيهم؛ وأحياناً تبسط حمايتها عليه بل تشارك في الاعتداءات. في معظم الحالات القليلة التي فُتح فيها تحقيق أُغلق الملفّ دون التوصّل إلى شيء".


وأضافت: "وذلك ضمن سياسة غير معلنة تتّبعها أجهزة تطبيق القانون قوامها التسامح والتهاون وعدم محاسبة المخالفين. نتيجة هذا العنف على المدى البعيد هي نهب المزيد من أراضي الفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية ممّا يسهّل على إسرائيل السيطرة عليها وعلى مواردها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard