"دفن النكبة"... كيف عمل جهاز "ملماب" الإسرائيلي على طمس وثائق التهجير والمذابح؟

الجمعة 5 يوليو 201911:41 ص

قبل حوالي أربع سنوات، اكتشفت المؤرخة الإسرائيليّة تمار نوفيك وثيقة في منظمة "غفعات حفيفا" كانت كفيلة أن تصيبها بالصدمة. كانت تتضمّن وصفاً لأحداث وقعت عام 1948 في قرية صفصاف.

تبدأ الوثيقة كالآتي:"في صفصاف (قرية فلسطينية قرب صفد)، قُبض على 52 رجلاً وتمّ ربط واحدهم بالآخر قبل رميهم في حفرة وإطلاق النار عليهم. 10 منهم كانوا يتحركون، حين أتت النساء لاستجداء الرحمة. كان هناك 6 جثث لرجال مسنين، وكان هناك 61 جثة. 3 حالات اغتصاب، بينها لفتاة تبلغ من العمر 14 عاماً من شرقي صفد. 4 رجال قتلوا بالرصاص. واحد قُطع إصبعه لسرقة الخاتم".

وتُكمل الوثيقة في شرح تفاصيل المجازر وعمليات النهب والانتهاكات التي ارتكبتها القوات الإسرائيليّة، لكنها لم تحمل أي توقيع للجهة التي تقف خلفها.

قصة المؤرخة الإسرائيليّة مع الوثيقة كشفت عنها صحيفة "هآرتس" في إطار تحقيق مطوّل للصحافية هاجر شيزاف التي وثّقت فيه كيف بحثت وزارة الدفاع، عبر جهاز "ملماب" (Malmab) التابع لها، على مدار العقد الماضي في المحفوظات المحليّة والوثائق التاريخيّة من أجل حجب "وثائق حساسة" تتعلّق بما جرى أيام النكبة وما ارتكبه الإسرائيليون وقتذاك، في عملية "طمس ممنهج".

وللتوضيح فإن "ملماب" هو جهاز - يتبع لوزارة الدفاع -تأسس عام 1958، وتُعتبر ميزانيته سرية إذ لا تندرج في إطار الميزانية العامة ومعلوماتها محجوبة عن الإسرائيليين. من بين ما يقوم به إلى جانب حماية المفاعلات النووية ومنح تراخيص لشركات السلاح، حماية الوثائق السرية ومنع تسريب أية معلومات أمنية.

وكانت إسرائيل قد استولت على قرية صفصاف نهاية عام 1948، وبنت على أنقاضها موشاف صفصوفة. عبر السنين، تحدث البعض عن ارتكاب اللواء السابع الإسرائيلي جرائم حرب في تلك القرية، لتأتي تلك الوثيقة كـ"دليل إضافي على إمكانية أن تكون تلك الجرائم قد تمت بعلم كبار الضباط الإسرائيليين"، حسب تحقيق "هآرتس".

قررت المؤرخة التشاور مع مؤرخين آخرين في الأمر، ومن بينهم بيني موريس الذي قال لها إنه وقع على وثيقة أخرى تضم معلومات مشابهة عن صفصاف كتبها عضو اللجنة المركزية في "حزب العمال الموحد" أهارون كوهين في نوفمبر 1948 بعدما وصلته إحاطة من رئيس الأركان السابق للهاغاناه إسرائيل جليلي. لكن عندما عادت نوفيك للاطلاع عليها مجدداً اكتشفت أنها اختفت.

ظنّت بداية أن موريس قد أخطأ، ليتبيّن لاحقاً أن الوثيقة موجودة، لكنها قد حُجبت بأمر من وزارة الدفاع.

الجهاز تعامل مع الوثائق كملكيّة خاصة

جهود "دفن النكبة، "بقيادة "ملماب"، اكتشفها في البداية مركز "أكيفوت" المتخصص بدراسة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

لكن في تحقيق استقصائي لـ"هآرتس"، تبيّن أن الجهاز أخفى كذلك استجوابات لجنرالات في الجيش الإسرائيلي بخصوص قتل مدنيين وتدمير قرى فلسطينيّة وتهجير البدو في الأعوام الأولى لقيام دولة الاحتلال. وكشفت الصحيفة، من خلال محادثات أجرتها مع مديري أرشيف عام وخاص، أن الجهاز تعامل مع الوثائق كملكيّة خاصة، ولجأ في بعض الحالات إلى تهديد المسؤولين عنها.

ولمزيد من التأكيد على دور "ملماب" أتى ما قاله ياهيل هوريف للصحيفة، وهو كان قد ترأس الجهاز لمدة عقدين من الزمن (حتى نهاية 2007).

اعترف هوريف أنه هو الذي بدأ جهود إخفاء الوثائق، وأنها لا تزال مستمرة حتى الآن. وفي السياق نفسه، أوضح أن الهدف كان إخفاء الوثائق التي تدين الإسرائيليين خلال حرب عام 1948، مبرّراً حجبها بما يمكن أن تثيره من اضطراب بين العرب في إسرائيل.

وعند سؤاله عن المغزى من حجب وثائق كانت منشورة أساسياً، أجاب هوريف بأن هدفه تقويض صدقيّة الدراسات المنتشرة حول تاريخ بدء قضية اللاجئين الفلسطينيين، فادعاء مرفق بوثيقة يختلف عن ادعاء يفتقر للوثائق، كما برّر الرئيس الأسبق لـ"ملماب".

خلال البحث، عثرت "هآرتس" على وثيقة تتحدث عن "أعمال خطيرة" في قرية الدوايمة، وتذكر ميليشيا "ليهي" السرية التي تمّ حلها آنذاك. في الوثيقة، تمّ الإبلاغ عن أعمال نهب في اللد وبئر السبع، وقيل "لا يوجد متجر عربي لم يتم اقتحامه"، كما وردت عبارة "ما حدث في الجليل - هذه أعمال نازية! يجب على كل عضو الإبلاغ عما يعرفه".

ومن الوثائق التي وصفتها الصحيفة بـ"الرائعة" كانت وثيقة من 25 صفحة، كان قد حجبها "ملماب" لكن وجد باحثون نسخة عنها لاحقاً، وتتحدث عن "أسباب هجرة العرب". بين ما تكشفه أن الهجرة كان سببها العمليات العسكرية الإسرائيلية وما ارتكبته العصابات من أعمال ترويع وليس تشجيع السياسيين العرب لها حسب ما تزعم الرواية الإسرائيلية.

وثّقت "هآرتس" كيف بحثت وزارة الدفاع، عبر جهاز "ملماب" التابع لها، على مدار العقد الماضي في المحفوظات التاريخيّة من أجل حجب "وثائق حساسة" تتعلّق بما جرى أيام النكبة... فماذا ورد في بعض تلك الوثائق؟
"فصيلتي دمرت حوالي 20 منزلاً بما فيهم"... الجنرال المتقاعد إيلاد بيليد كان من المشاركين في سلسلة حوارات أجراها مركز إسحاق رابين مع شخصيات عامة وعسكرية، لكن اليد الطولى لجهاز "ملماب" امتدت إليها وحجبتها

وفي ما يخص عصابتي "أرغون" و"ليهي"، فقد ذُكرتا في إطار الحديث عن أن "الكثيرين في قرى الجليل الوسطى بدأوا في الفرار إثر اختطاف شخصيات من قرية الشيخ موانيس. فقد تعلم العرب أنه لا يكفي التوصل إلى اتفاق مع الهاغاناه، فهناك الميليشيات الانفصالية التي يجب أن يحذروا منهم".

كما لفتت الوثيقة إلى أن "النصائح الودية" التي تلقاها سكان القرى لأجل المغادرة كانت قد أتت بعد اعتداءات مخيفة، كما في عين زيتون (تدمير)، القيطية (تحرش وتهديد)، العلمانية (قتل)، العمامير (سرقة وقتل)، بئر سالم (الهجوم على دار أيتام)...

حوارات محجوبة

في أوائل الألفية الجديدة، كان مركز إسحاق رابين قد أجرى سلسلة من الحوارات مع شخصيات عامة وعسكرية، في سابقة اعتُبرت جزءاً من مشروع توثيقي ضخم. لكن اليد الطولى لجهاز "ملماب" امتدت إلى تلك الحوارات وحجبتها. استطاعت "هآرتس" الحصول على عدد من النسخ الأساسية لتلك الحوارات وقارنتها مع تلك المتاحة حالياً أمام الجمهور بعد حجب أجزاء كبيرة منها.

أحد تلك الحوارات، كان مع الجنرال المتقاعد أرييه شاليف، وتحدث فيه عن عملية الترحيل على الحدود لسكان قرية أسماها "صبرا". وفي الحوار المتاح حالياً للجمهور تم حذف تلك الجملة: "كانت هناك مشكلة كبيرة في ذلك الوادي. كان هناك لاجئون يريدون العودة إلى عدد من القرى الفلسطينية هناك. طردناهم. التقيت بهم وأقنعتهم بذلك، لدي أوراق تثبت ذلك".

في مثال آخر، حذف الجهاز أجزاء مهمة من حوار مع الجنرال المتقاعد إيلاد بيليد أجراه المؤرخ بواز ليفتوف. ونصّ الحوار المحذوف على التالي:

"ليفتوف: نتحدث هنا عن السكان، نساء وأطفال؟

بيليد: الجميع، الجميع. نعم.

ليفتوف: ألم تميّزوا بينهم؟

بيليد: في الواقع المشكلة بسيطة. هي حرب بين مجموعتين من الناس خرجوا من منازلهم.

ليفتوف: إذا كانت المنازل موجودة، هل كان لديهم مكان آخر يعودون إليه؟

ببليد: لم تكن الجيوش موجودة بعد. كنا عصابات، نخرج من المنازل ثم نعود. يخرجون أيضاً من المنازل ثم يعودون. كان الأمر إما منازلهم أو منازلنا.

ليفتوف: الهواجس موجودة لدى الأجيال الجديدة؟

بيليد: نعم اليوم. حينما أجلس هنا وأفكر في ما حدث، كل الأفكار تأتي إلى رأسي.

ليفتوف: هل كان الأمر كذلك في الماضي؟

بيليد: دعني أقول لك شيئاً أقل من اللطف ولا يصل حدّ القسوة، حول الهجوم الكبير على قرية سعسع. الهدف كان إرهابهم وإخبارهم: (أصدقاؤنا، الهاغاناه يمكنهم الوصول إلى كل مكان، فأنتم لستم محصنين). كان ذلك في قلب القرى العربية. لكن ماذا فعلنا؟ فصيلتي دمرت حوالي 20 منزلاً بما في داخلها.

ليفتوف: حين كان الناس نياماً في الداخل؟

بيليد: أرجّح ذلك. ما حدث هو أننا وصلنا ودخلنا القرية، زرعنا المتفجرات بجوار المنازل. نفخ هوميش في البوق كإنذار لجنودنا بالانسحاب، إذ لم يكن هناك راديو للتواصل، ثم فجرنا. كانت تلك هي الإشارة إلى القوات بأننا تحركنا، كنا نجري في الاتجاه المعاكس للبقاء على قيد الحياة، كل شيء كان بدائياً... ثم كل المنازل دمرت".

حديث آخر أراد جهاز وزارة الدفاع حجبه عن الجمهور كان بين ليف توف واللواء المتقاعد أبراهام تامير، وفيه يُخبر الأخير كيف أوعز إليهم بن غوريون بهدم المنازل كي لا يعود إليها الفلسطينيون، وذلك تزامناً مع مسيرات عودة لفلسطينيين باتجاه القرى. ويوضح أن "قرار الهدم كان متعلقاً بالقرى العربية المهجورة، وليس بتلك التي كنا قد أسكنا فيها إسرائيليين مثل قرية زكريا (شمالي غربي الخليل)".

قال تامير إنه نفذ الأمر خلال 48 ساعة، لتختفي قرى عربية بأكملها، وحين سُئل عما إذا كان لديه أي تردد وقتها، أجاب بالنفي. "من دون تردد، كانت تلك السياسة. حشدت ونفذت القرار".

زيارات دوريّة للأرشيف

تعود الصحيفة إلى مركز "ياد ياري" للبحوث والتوثيق في منظمة "غفعات حفيفا" لتنقل عن مديره دودو آميتاي قوله إن جماعة "ملماب" كانوا يزورون المركز دورياً بين عامي 2009 و2011، ومنهم متقاعدين من وزارة الدفاع - لا يملكون أدنى خبرة في التعامل مع الأرشيف - كانوا يظهرون مرتين أو ثلاثاً خلال الأسبوع.

حديث آخر أراد جهاز وزارة الدفاع حجبه عن الجمهور كان بين ليف توف واللواء المتقاعد أبراهام تامير، وفيه يُخبر الأخير كيف أوعز إليهم بن غوريون بهدم المنازل كي لا يعود إليها الفلسطينيون

كانوا في العادة يبحثون عن وثائق بالاعتماد على كلمات مفتاحية مثل "نووي"، "أمن"، "رقابة"، لكنهم كرسوا وقتاً طويلاً لوثائق عام 1948 ولمصير القوى العربيّة التي كانت موجودة قبل هذا التاريخ.

ولأن المركز لا يفصل الوثائق الحساسة في ملف ما عن وثائق أخرى، كان مصير الملف الذي يحتوي على وثيقة حساسة الحجب بالكامل حتى لو فيه 100 وثيقة. ومن الأمثلة على ذلك، حجب ملف حول "حياة العرب في إسرائيل بين عامي 1948 و1966"، من دون أن يكون السبب واضحاً.

بحسب المسؤول عن الأرشيف، ثمة 3 احتمالات لحجب ذاك الملف، الأول هو وجود وثيقة حول صراع الملكية بين عرب والسلطات الإسرائيلية، والثاني قد يكون بسبب أحد الملاحق السرية التي يوضح فيها العقيد ميشيل شهام، وهو ضابط كبير في الحكومة العسكرية، أن أحد أسباب عدم تفكيك جهاز الأحكام العرفية هو الحاجة إلى تقييد وصول المواطنين العرب إلى سوق العمل ومنع إعادة تأسيس القرى المدمرة.

وقد يكون السبب الثالث المحتمل للحجب إخفاء شهادة تاريخية سبق نشرها حول طرد البدو عشية تأسيس إسرائيل، إذ كان هناك نحو 100000 منهم يعيشون في النقب، وبعد ثلاث سنوات، انخفض عددهم إلى 13000.

وتذكر "هآرتس" أنه في عام 2010، مُددت فترة السرية على الوثائق إلى 70 سنة، كذلك مُددت مرة أخرى، في فبراير الماضي، إلى 90 سنة، على الرغم من معارضة المجلس الأعلى للمحفوظات. 

في النهاية، لفتت الصحيفة إلى امتناع وزارة الدفاع عن التعليق على ما ورد في تقريرها وما توصلت إليه الصحافية من وثائق، واكتفت بجواب رسمي جاء فيه: "يعمل مدير الأمن في مؤسسة الدفاع انطلاقاً من مسؤوليته عن حماية أسرار الدولة وممتلكاتها الأمنية. وملماب لا يقدم أي تفاصيل حول طريقة نشاطه ومهماته". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard